يمثِّل انتخاب الرئيس الأمريكي الـ44 تغييرًا جذريًّا داخل المجتمع الأمريكي؛ حيث كان من المتعارف عليه أن يكون الرئيسُ أبيضَ وبروتستانتيًّا وأنجلو سكسونيًّا، والذي يُعرف اختصارًا باسم (W.A.S.P)، وهو ما يطرح تساؤلاً حول إمكانية حدوث تغيير مشابه في السياسة الأمريكية تجاه قضايا العالم الإسلامي، خصوصًا أن الرئيس الأمريكي بعث برسالةٍ إلى العالم الإسلامي قائلاً: "نحن نبحث عن طريقٍ جديدٍ يكون مبنيًّا على المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل".
إن انتخاب باراك حسين أوباما كرئيسٍ أمريكيٍّ جديدٍ يعكس عددًا من الدلالات، لعل في مقدمتها وجود غالبية داخل وخارج الولايات المتحدة تطالب بتغيير السياسات الأمريكية التي اتبعت خلال ما يقرب من عقدٍ خلال فترة حكم سلفه المحافظ جورج بوش.
غير أن سيطرة اليمين المحافظ واللوبي الصهيوني على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة العربية والعالم الإسلامي عمومًا؛ تجعل بعض المتشائمين يقللون من شأن هذا "التغيير"، ولكن لا ينبغي أن نتجاهل حقيقة أن القضية الاقتصادية ومعالجة الأزمة المالية التي ستكون الأولوية القصوى لأوباما وفاءً لمَن انتخبوه من الطبقات الدنيا والطبقة الوسطى القلقة على مستقبلها؛ لن تتم دون تعاون دولي ومشاركة فعالة، خصوصًا من الدول العربية النفطية، وهو ما يُعتبَر فرصةً سانحةً بلا شك يمكن استثمارها للحوار حول السياسة الخارجية الأمريكية.
إضافةً إلى أن تفاعلات تلك الأزمة لن تتوقف تأثيراتها على كونها أحد العوامل المؤثرة في اختيار الرئيس أوباما، وإنما سوف تساعد بلا شك على اقتناع الإدارة الأمريكية الجديدة بإصلاح منظومة المؤسسات الدولية كلها؛ بما فيها الأمم المتحدة، وأن تصبح أمريكا دولة تحترم القانون الدولي، وتعيد النظر في قضية الحرب على الإرهاب.
الحرب على الإرهاب
إن الحرب على الإرهاب أو إرهاب الدولة الأمريكية تجاه من تعتبرهم الحكومات الأمريكية خطرًا على المصلحة القومية الأمريكية؛ لم تكن وليدة عصر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، وإن كانت قد اتخذت في عهده شكل الإستراتيجية المتكاملة التي لا تهدف- وفق مؤشرات عديدة- إلى تصفية ما يسمى تنظيم "القاعدة" فحسب، وإنما تغيير دين العالم الإسلامي بأكمله!.
ومن الواضح أن القانون الدولي ينطبق نظريًّا على الولايات المتحدة وحلفائها في الجرائم التي رافقت "الحرب على الإرهاب" في تلك العهود عمومًا، وعصر الرئيس بوش الابن على وجه التحديد، لكن من الناحية العملية لا يمكن تطبيقه على جرائم بوش ورامسفيلد!، رغم أن تلك الجرائم تندرج تحت تعريف حروب الإبادة والعدوان ضد الإنسانية.
وفيما يتعلَّق بمستقبل الحرب على ما يُسمَّى "الإرهاب"، يثور التساؤل التالي: هل يعكس ما جرى في العقد المنصرم من حكم اليمين المحافظ تحولاً بنيويًّا في العقل السياسي الأمريكي نحو مزيدٍ من المحافظة والتخلِّي عن قيم الليبرالية الأمريكية؟! وهل يستطيع أوباما طيَّ صفحة هذه المرحلة واعتبارها مجرد صفحة استثنائية في التاريخ الأمريكي؟!
إن كثيرين يعتبرون أن نجاح أوباما يعني أن ثمة أملاً بالتغيير، ومراجعة إستراتيجية الحرب على الإرهاب التي تهدف إلى إجراء تغييرات ثقافية عميقة في العالم الإسلامي تحت شعار محاربة القاعدة ودمقرطة الشرق الأوسط"، مشددين على أن النظام السياسي الأمريكي ما زال يعمل (THE SYSTEM STILL WORKS) حتى في عهد الرئيس بوش نفسه الذي كان يتجاوب مع مطالب المجتمع المدني بإغلاق جوانتانامو جزئيًّا، ويحاول التقرب من المسلمين.. إلخ.
وهنا تبدو أهمية إجراء حوار حول مستقبل الحرب الأمريكية على "الإرهاب" في ظل إدارة جديدة ترفع شعار "التغيير قادم"، سواء من جانب الدول العربية أو قوى المجتمع المدني والحركات الإسلامية.
عن هذا الحوار المقترح لا بد أن يتناول محاور محددة، ولا يجب أن يكون فرصة للأمريكيين- كالمعتاد- لجمع المعلومات الاستخباراتية، ومن تلك المحاور: أهداف إستراتيجية الحرب على الإرهاب، وهل كانت ذا علاقة بصراع ديني جديد أو بنزعة أمريكية نحو الهيمنة على العالم الإسلامي، وتأثيرات تلك الإستراتيجية على العلاقات الدولية عمومًا وعلى حوار الثقافات خصوصًا، وآفاق التغيير في ظل الإدارة الديمقراطية الجديدة.
ومن المقترح أيضًا أن يكون الحوار في ظل أجواء ساخنة من جانب المجتمع المدني عن طريق محاولات متعددة لتطبيق القانون الدولي عمليًّا في الجرائم التي ارتكبت في أفغانستان والعراق وفلسطين وجوانتانامو وإمكانية إحالة مجرمي الحرب الأمريكيين والصهاينة إلى محكمة دولية.
عملية التسوية
إذا كان التغيير ملموسًا فيما يتعلَّق بالحرب على ما يُسمَّى "الإرهاب"، إلا أن الحرب الصهيونية على المقاومة الفلسطينية وأهلنا في غزة أثبتت أنه سيكون ضئيلاً، على اعتبار أن الإدارة الديمقراطية لا تختلف عن الجمهوريين فيما يتعلَّق بأولوية أمن الكيان الصهيوني، وتقديم الشروط الصهيونية في أية عملية تسوية؛ فبرغم النصر في الميدان الذي حقَّقته المقاومة والتآزر العالمي معها، فإنه من الملاحظ أن المعركة السياسية ربما ستكون أشد وطأةً من المعركة الإرهابية التي خلَّفت وراءها أكثر من 1400 شهيد وآلاف الجرحى من أهلنا الفلسطينيين؛ مما يستدعي التعاطي بفعالية معها من جانب المقاومة ونصيرها الشعبي أو السياسي.
فعلى الجانب الأمريكي، ورغم تولِّي الحكومة الأمريكية جديدة، إلا أن أولوية تحقيق الأمن للكيان الصهيوني ما زال قائمًا على أساس نظرة ترتكز على أن تلك الكيان يُمثِّل المصالح الغربية في المنطقة، ويُعَد نموذجًا ديمقراطيًّا غربيًّا يجب أن يُحتذَى به!.
وبعد صمت الرئيس أوباما عن جرائم الحرب الصهيونية، بالتزامن مع ما يقوم به المنسق الأمني الأمريكي الجنرال دايتون في رام الله وتل أبيب من تنسيقٍ أمني ضد المقاومة؛ نجد أنه طالب حماس فور توليه منصب الرئاسة بالاعتراف بالكيان الصهيوني ووقف الكفاح المسلح، ثم قام باختيار السيناتور جورج ميتشيل ليكون موفدًا خاصًّا (بكل الصلاحيات) لمعالجة ملفّات هذه الصراع، معطيًا انطباعات إيجابية للمبادرة العربية.
لقد كان واضحًا من التحركات الأمريكية والصهيونية السابقة والتالية للحرب وجود محاولات لإزاحة حماس، و(حوصلة الصراع) بمعنى تقليل الأعمال العسكرية من جانب المقاومة على أدنى حدٍّ؛ حتى يكون الاحتلال (نظيفًا وصامتًا)؛ وذلك قبل ممارسة مفاوضات بين تل أبيب وسلطة عباس لا تستند إلى قرارات الشرعية الدولية عام 1967م، وبالتالي تحقِّق أمن الكيان الصهيوني أولاً وتسفر عن دولة عبارة عن ثلاثة تجمعات متقطعة بلا قدس ولا سيادة ولا عودة لاجئين.
قضية الديمقراطية
تكشف التصريحات المُعلَنة من جانب الإدارة الأمريكية عن احترام الإسلام، بل وتُموِّل وزارة الخارجية الأمريكية برامجَ تبادلٍ ثقافيًّا وتعليميًّا من أجل تأكيد عدم وجود اختلافات عميقة بين القيم الأمريكية وقيم الإسلام، لكن الواقع يشهد نوعًا من التناقض؛ حيث إن الممارسة الفعلية تؤكد الصمت تجاه ما يحدث من انتهاكات متعددة ضد الحركات الإسلامية، مع أن الديمقراطية تفترض احترام حقوق الإنسان ووجود تعددية سياسية تعكس التعددية الاجتماعية الموجودة بالفعل.
وعلى الرغم من تنامي نفوذ تيار التوافق الأمريكي مع الإسلام والحركات الإسلامية الذي يرغب في التعاون بين الطرفين، بما يؤدي إلى حماية المصالح الأمريكية في المستقبل، وتجنُّب التورط في صراعٍ ثقافيٍّ بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية، فإنه يمكن القول إن السياسة الأمريكية ليست مهتمة بالإسلام ولا بما يعنيه، بل ينصب اهتمامها على ما قد تُشكِّله الحركات الإسلامية من خطرٍ على المصالح الأمريكية.
ومنذ ربيع الإصلاح عام 2004م وحتى الوقت الراهن فقد دفعت مجموعةٌ من الأحداث المتلاحقة التي تتعلَّق بقمع الإسلاميين في مصر والتآمر ضدهم في فلسطين إلى تساؤل البعض عن الأسباب التي تجعل أمريكا التي تدَّعي نُصرة حقوق الإنسان تلوذ بالصمتَ.
ويبدو أن الدرس الذي أخذته الإدارة الأمريكية من فوز الإخوان في مصر وانتصار حماس في فلسطين أن عملية نشر الديمقراطية يجب أن يتم إبطاؤها وإضفاء صبغة واقعية عليها، بحيث يتم تقليص استفادة الإسلاميين من الديمقراطية، وتعظيم منافع قوى أخرى أقل رفضًا للسياسة الأمريكية.
وفي الوقت الراهن فإن هناك ما يُشبه الاتفاق غير المكتوب بين الإدارة الأمريكية والحكومة المصرية؛ يعتبر أن الإخوان خطرٌ ينبغي التصدي له، وأن توزيع الأدوار مطلوبٌ الآن!؛ فالحكومة المصرية تقوم بالجهد الأساسي في المواجهة التشريعية والسياسية والأمنية، في حين تكتفي الإدارة الأمريكية بغض الطرف عما يحدث من تجاوزات، مع احتفاظ واشنطن بحق النقض إذا أصابت سياسات المواجهة ما تعتبرهم الولايات المتحدة قوى علمانية وليبرالية معارضة تطمع أن تشكِّل البديل الممكن.
إن هذا الواقع الذي يسوده القمع والتداخل في المصالح بين قوى داخلية وخارجية لا بد أن يدفع الإسلاميين إلى بلورة برنامج ديمقراطي يمزج بين فقه الدين وفقه الواقع معًا، ويمكنه إقناع الأنصار والعلمانيين والشعب، والنضال من أجله.
بكلمة ختامية.. إن الحديث عن التغيير من جانب إدارة باراك حسين أوباما يتطلَّب تغييرًا في الجانب المقابل من جانب الحكومات والحركات الشعبية على السواء، وفي حال ساد الاعتقاد بأن الأنظمة تلعب لمصلحتها الخاصة فإن هذا لن يكون مبررًا من أجل التوقف عن مقاربات جديدة لتغيير الرؤى والسياسات الخاصة بتلك القضايا الثلاث الكبرى.