كان- وما زال- أشدُّ ما راقبته جيدًا وبتركيز شديد قبل وأثناء وبعد الحرب الصهيونية الشرسة علي غزة، والتي لقي العدو الصهيوني فيها هزيمةً واضحةً على يد المقاومة الباسلة وشعب غزة الصامد؛ هو حركةَ الشباب في العالمَيْن العربي والإسلامي، وكذلك الأطفال، خاصةً أطفال غزة.

 

قد يكون السر في ذلك أنني كنت أرقب المستقبل وأستشرف ملامحه التي تتشكَّل على يد مثل هذه الفئات العمرية التي أنتمي إلى إحداها.

 

وللحقيقة وبدون مبالغة لمست الأمل موجودًا ويُجدِّد أشواق الانتصار الأكبر بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر.. وجدت شبابًا من الجنسين "يفرح القلب" و"يوزن" العقل، وأطفالاً تُبكيك من عظمة شموخها وفهمها العميق للقضية الفلسطينية.

 

ولعل نظرةً واحدةً إلى مظاهرات دعم غزة المتواصلة وقياداتها وعناصرها ومكوناتها تضع أيديَنا على الصورة المستقبلية للأمة في العقود القادمة على وجه التحديد؛ بغض النظر عما يثيره البعض من أن هذا الشباب "مُسَيَّس" وينتمي إلى جماعة بعينها أو لا ينتمي؛ لأن الانتماء ليس عيبًا، والسياسة تحتاج إلى الشباب كما تحتاج إلى الشيوخ.

 

ولا أجد حرجًا أن أقولها مدويةً: إن جماعة الإخوان لعبت دورًا مميَّزًا في احتواء شباب الأمة وتوجيههم إلى الاعتدال والكرامة والجهاد والفداء، فجعلت منهم في حركة حماس أسود الصمود ومنارات الفداء والاستشهاد، وجعلت منهم في مصر والشام وكل الأقطار التي تنتشر بها وقودًا للكرامة ولنصرة الدين والحق، وهذه أمور قد اتضحت جيدًا للمراقبين للساحة الإسلامية.

 

ولا أعلم كيف سيكون الحال إن لم توجد هذه الجماعة على المشهد الحاليِّ، ولكنها إرادة الله عز وجل الغلاَّبة على كل شيء، ومُسلَّمات السنن الكونية التي أرساها مدبِّر الأمور؛ لتكون هناك حركة تدافع عن كلمة الله لتكون هي العليا، وسط سعي حثيث من أعداء الإسلام والمتخاذلين والمنافقين إلى جعل كلمة الذين كفروا هي العليا!.

 

ورحم الله الإمام الشهيد حسن البنا حين قال للشباب في رسالته الخالدة (إلى الشباب): "ومن هنا كثرت واجباتكم، ومن هنا عظمت تبعاتكم، ومن هنا تضاعفت حقوق أمتكم عليكم، ومن هنا ثقلت الأمانة في أعناقكم، ومن هنا وجب عليكم أن تفكروا طويلاً، وأن تعملوا كثيرًا، وأن تحدِّدوا موقفكم، وأن تتقدَّموا للإنقاذ، وأن تعطوا الأمة حقَّها كاملاً من هذا الشباب" اهـ.

 

ومن هنا أجد نفسي في موقف صعب؛ ألاَّ أدعو شباب الأمة جميعًا إلى هذه المدرسة الإسلامية ليغيروا ما بأنفسهم.. أدعوهم إلى معهد الاعتدال في زمن الانحراف والتطرف بكل أنواعه، سواءٌ السياسي أو غير السياسي.. إلى مدرسة الكرامة في زمن الخنوع والذل.. إلى جامعة الصمود في زمن التراجع والتقهقر.. إلى محراب الإيمان وسط محاريب تدعو إلى الإيمان المغشوش والدين الناقص الذي أودى بهيبة الأمة وحقيقتها في هاوية التخلف.

 

ولا يعني هذا أن أدعوَهم إلى المخاطرة بحياتهم ووقتهم مع جماعةٍ تعاني من ملاحقة حكومية في مصر وبعض الدول الرجعية المستبدَّة، ولكني أدعوهم إلى هذه المدرسة الشاملة للإسلام التي عرفت الإسلام في صورته الصحيحة لكي يتوقفوا عن المخاطرة بحياتهم ووقتهم فيما لا ينفع الأمة ويؤخر انتصارها المقرَّر من رب العالمين.

 

يقول الإمام البنا: "لقد آمنا إيمانًا لا جدال فيه ولا شك معه، واعتقدنا عقيدةً أثبت من الرواسي وأعمق من خفايا الضمائر؛ بأنه ليس هناك إلا فكرة واحدة هي التي تنقذ الدنيا المُعذَّبة، وترشد الإنسانية الحائرة، وتهدي الناس سواء السبيل، وهي لذلك تستحق أن يضحَّى في سبيل إعلانها والتبشير بها وحمل الناس عليها بالأرواح والأموال وكل رخيص وغال، هذه الفكرة هي الإسلام الحنيف الذي لا عوج فيه ولا شرَّ معه ولا ضلال لمن اتبعه".

 

ويضيف البنا في نفس الرسالة: "جدِّدوا أيها الشباب إيمانكم، وحدِّدوا غاياتكم وأهدافكم، وأول القوة الإيمان، ونتيجة هذا الإيمان الوحدة، وعاقبة الوحدة النصر المؤزَّر المبين، فآمنوا وتآخَوا واعملوا، وترقَّبوا بعد ذلك النصر، وبشر المؤمنين".

 

ويتابع: "إن العالم كله حائر يضطرب، وكل ما فيه من النظم قد عجز عن علاجه، ولا دواء له إلا الإسلام، فتقدَّموا باسم الله لإنقاذه؛ فالجميع في انتظار المنقذ، ولن يكون المنقذ إلا رسالة الإسلام التي تحملون مشعلها وتبشرون بها".

 

إنها مخاطرة محسوبة، لا تعني الانضواء التنظيمي داخل إطار الجماعة إذا رغب من رغب، ولكن تعني بكل وضوح العمل على التمسك بالإسلام الوسطيّ المعتدل وحب أهل الخير والجهاد ومناصرة الحق والعمل بجد؛ لتطبيق المُعطَّل من الإسلام في حياتنا الشخصية ومجتمعنا المحيط بنا بكل رفق وهدوء واعتدال وسماحة نفس وذكاء اجتماعي، والتقارب مع أبناء هذه المدرسة والعمل معهم؛ كلٌّ حسب استطاعته.

 

إن الأيام المقبلة ستشهد تصاعد دور الشباب، وعلى الشباب أن يستعد في كافة المجالات ويبذل جهده للانتصار في كافة الميادين، وكل هذا سيحتاج- في رأيي- إلى مدرسة بحجم مدرسة الإخوان المسلمين؛ بتمسكها بالاعتدال والوسطية؛ لدعم كافة الوسائل التي تؤدي إلى طريق الانتصار والكرامة والعزة.