التعليم حقٌّ من الحقوق الدستورية؛ تكفله الدولة وتشرف عليه كله، والأصل- حسب ما ورد في الدستور المصري (مادة 20)- أن التعليم في مؤسسات الدولة التعليمية مجانيٌّ في مراحله المختلفة.
التعليم في كافة مراحله يشكِّل القاعدة الأساسية لأية نهضة أو مشروع حضاري، ولا تتقدَّم الدول إلا في ظل نظام تعليم جيد متكامل يراعي حاجات المجتمع والإنتاج، ويُسهم في تحقيق التقدم والرفاهية في الواقع، وليس مجرد برامج وخطط ورقية وبيانات في الهواء.
لدينا نظامان في التعليم الجامعي، نوعان من الجامعات: جامعات حكومية وأخرى خاصة ذات طبيعة خاصة من حيث البرامج التعليمية بها والمناهج والمصروفات.
وقد طُرح في الآونة الأخيرة مشروع إنشاء جامعات أهلية تقع في المنتصف بين الجامعات الحكومية والخاصة؛ الغرض منها تفعيل مشاركة المجتمع المدني والمواطنين في تحقيق التنمية الشاملة، والدفع بعجلة التقدم والإسهام في تخفيف أعباء التعليم عن الحكومة والشعب.
فكرة الجامعة الأهلية من حيث غرضها النبيل لا اعتراض عليها، ولكن هناك تخوفات متعلقة بسياسة الحكومة الحاليَّة التي تنسحب تدريجيًّا من رعايتها الكاملة للمرافق العامة- وفي القلب منها مرفق التعليم- وتسلِّم قيادة المرافق لقطاعات أخرى، خاصة أو أهلية أو أجنبية، وهذا الأمر يُعَد خروجًا على القواعد الدستورية كما في مادتيه (18، 20)؛ فالتعليم حقٌّ تكفله الدولة، وهو إلزامي في المرحلة الابتدائية، وتعمل الدولة على مد الإلزام إلى مراحل أخرى، وتشرف على التعليم كله، وتكفل استقلال الجامعات ومراكز البحث العلمي.
ونصَّ الدستور على أن الدولة تكفل تكافؤ الفرص لجميع المواطنين (مادة 8 دستور) فكيف تحقق الدولة ذلك وهي تترك المواطنين بلا كفالة وكل واحد منهم ينال فرصته وفقًا لما معه من مال أو مكانة أو سلطة؟!
كي تنجح فكرة الجامعة الأهلية ينبغي أن تسير في الاتجاه الصحيح الذي يدعم الحقوق الأساسية للمواطنين التي كفلها الدستور، وأن يتاح التعليم فيها للقطاعات المستهدفة دون تمييز، وللفئات الأَوْلى بالرعايةِ أسبقيةٌ.
اعتبار أموال الجامعات الأهلية أموالاً عامةً وإخضاعها لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات ضمانة مهمة لنجاحها وتحقيقها الأغراض النبيلة التي تأسست من أجلها.
وأرى أن دعم الدولة للجامعة الأهلية ينبغي أن يكون وجوبيًّا عند التأسيس وبعده، ولا ترفع يدها عنه أبدًا، ومن صور الدعم تخصيص الأرض أو العقارات مع بقاء ملكية الأرض للدولة، وكذلك المساهمة في التمويل الجزئي أو الكلي مع تخفيف قيود الدعم وإجراءاته.
الجامعات الأهلية بين التطوع والربحية
فكرة الجامعة الأهلية قديمة منذ أوائل القرن الماضي، والأصل أن العمل الأهلي تطوعي لا يستهدف الربحية؛ يعتني بالبُعد الاجتماعي أكثر من البُعد الاقتصادي، ومن ثمَّ ينبغي أن تبقى أغراض الجامعة الأهلية في النطاق الاجتماعي؛ فلا تهدف إلى تحقيق ربح يوزع على المؤسسين أو المساهمين.
وتعمل الجامعة على استثمار الفائض- إن تحقَّق- في تطوير البحث العلمي وتنمية وتطوير آليات التعليم ونظمه ومؤسسات الجامعة.
الجامعة الأهلية والجامعات الخاصة
اتجهت الجامعات الخاصة إلى شرائح محددة في المجتمع المصري لتلبِّيَ حاجاتهم التعليمية وفقًا لقدراتهم المالية؛ فهي جامعات للأثرياء، ومن ثم فالفقراء يمتنعون ولا يقتربون ولو كانوا متفوقين مبدعين؛ فهي جامعة من يجد، والفقير يبحث عن غيرها.
وينبغي أن تتجه الجامعة الأهلية إلى شرائح أخرى في المجتمع المصري؛ شرائح لا تقوى على متطلبات التعليم المتميزة المتاح في الجامعات الخاصة، وتعلو طموحاتها التعليمية عن المتاح في الجامعات الحكومية.
فالطالب المتفوق علميًّا الفقير ماديًّا ينبغي أن يكون مستهدفًا من قِبل الجامعة الأهلية لتبسط عليه رعايتها، فيستمر متفوقًا وينتفع به المجتمع وتتقدم بأمثاله مصر الحبيبة.
الجامعة الأهلية جزء مهم من منظومة التعليم الجامعي، وليست نشازًا عنه، هكذا ينبغي أن تكون الجامعة الأهلية متكاملة مع بقية الأجزاء: تملأ الفراغات دون تكرار، تكون إضافة نوعية لا إزاحة أو فائضة، وخادمة لأهداف المجتمع وملبية لاحتياجاته.
وهذا يتطلَّب وجود مجلس تنسيق أعلى يشرف على التعليم الجامعي بمصر؛ يحدد السياسات العامة والتوجهات الأساسية للتعليم، وينسق بين الجامعات المختلفة، سواء الحكومية أو الأهلية أو الخاصة.
-----
* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب المصري.