لم يتوقف القصف المتواصل من العدو الصهيوني جوًّا وبحرًا وبرًّا رغم صدور قرار مجلس الأمن، وأعلن العدو رفضه القرار واستمرار العمليات العسكرية التي لم يفصح حتى الآن عن أهدافها الحقيقية؛ حتى لا يتم محاسبة السياسيين والعسكريين الصهاينة عند الفشل المتوقع والذي بدت ملامحه الآن، فلم تتوقف الصواريخ، بل امتد مداها وتنوَّعت أهدافها فأصابت قواعد عسكرية، وازداد التأييد الشعبي لحماس، ولم تنكسر إرادة المقاومة، بل توحَّدت غزة كلها خلف قيادتها المنتخبة ديمقراطيًّا، ولم تخرج كلمة واحدة من غزة من المصابين أو أهل الشهداء الذين خرجوا للعلاج في الخارج تًُدين حماس أو المقاومة أو تطالب بالاستسلام لشروط العدو.

 

وكنت أتمنَّى أن تصمت حماس وتدرس بعناية كل المبادرات والقرارات الدولية دون تصريح بأي موقفٍ منها طالما أن موقفها على الأرض ثابتٌ وراسخٌ؛ فالكل سيسعى إليها، ولن يجد عباس بعد 9 يناير قبولاً ولا رضا شعبيًّا وغالبًا رسميًّا، وستكون أحد بنود التفاهم هي من يُمثل السلطة الآن؟ هل هو الرئيس الذي انتهت ولايته يوم الجمعة عند غروب الشمس؟ أم هو رئيس المجلس التشريعي القابع في زنزانة صهيونية يقضي حكمًا سياسيًّا د. عزيز دويك؟ أم هو نائبه الحر الطليق في غزة الذي يشارك في إدارة المعركة معركة الشرف والكرامة من الخنادق د. أحمد بحر؟!

 

أعلم أن حماس قالت إن ذلك الوقت ليس للمساجلات حول الرئاسة والانتخابات، وهي مُحِقَّة في ذلك تمامًا؛ لأنه بنهاية هذه الجولة من الحرب المستمرة ضد الشعب الفلسطيني منذ قرن من الزمان سيكون للطرف المنتصر حديث مختلف، وسيكون للمنهزمين سلفًا وواقعًا حسابًا عسيرًا من الشعب الفلسطيني قبل غيره في انتخابات حرة ديمقراطية يُشرف عليها مراقبون محايدون ولا يكون للاحتلال دور فيها، ويقول فيها الفلسطينيون بحرية هل ينحازون إلى مشروع المقاومة الذي أثبت جدارته مع انتهاء تلك الجولة، وهو ما ظهر حتى الآن؛ لم يستسلموا مع المستسلمين تحت القصف، واللاهثين خلف سرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً، ويعيشوا في أوهام المفاوضات وإمكانية التوصل عبرها إلى حلولٍ دون امتلاك أية أوراق على الأرض، عندما يُدين هؤلاء المقاومة والصواريخ والممانعة وكل صور الرفض، حتى المظاهرات يتم منعها وحصارها في الضفة الغربية خشيةَ تحوُّلها إلى انتفاضةٍ ثالثةٍ ستطيح أول ما تطيح بعباس وفياض وزمرتهم التي هلَّلت وطبَّلت في الأيام الأولى للعدوان الآثم وظنت أنها باتت قاب قوسين أو أدنى من دخول غزة على الدبابات الصهيونية التي تسير على أشلاء الشعب الذي لا يفهمونه ولم يعطهم ثقته قط.

 

عندما ينقشع غبار تلك الجولة من الحرب المستمرة سيكون هناك تغيير ضخم في المنطقة كلها، وسيمثل الجميع أمام لحظة الحساب ومحكمة الرأي العام التي قالت حكمها حتى الآن.

 

لذلك فإن الطائرات والبوارج والدبابات تصب الرصاص المسكوب والمتدفق على الشعب الذي قال: "لا لأمريكا ولا لإسرائيل ولا للمنافقين".

 

الحرب ليست ضد حماس والمقاومة؛ فهي ما تزال بعيدة عن النيل منها، وتدير معاركها العسكرية والسياسية بكفاءة معقولة، وتجتاز العقبات بعد العقبات، العقاب هو للشعوب التي ترفض الهيمنة والسيطرة والمشروع الصهيوأمريكي وأزلامه وأبواقه كما رفضه في العراق وأفغانستان والصومال ولبنان.

 

والحديث لا يدور الآن حول إقصاء حماس بالقوة أو القضاء عليها، بل عن تهريب السلاح الذي تتهم مصر بأنها غضت الطرف عنه وتسمح به عبر الأنفاق، وهذا قد يكون صحيحًا، وسببه إما العجز الذي تتذرَّع به مصر الرسمية، أو إدراك حقيقة الخطر الذي تمثِّله السيطرة الصهيونية وأزلامها على الشعب الفلسطيني، ويعكس ذلك خطورة الارتباك الذي يبدو في إدارة الملف الفلسطيني منذ بداية المشروع الصهيوني؛ فمصر الرسمية تريد حصار الخطر دون القدرة على القضاء عليه؛ لإدراك نخبتها الحاكمة منذ ستين عامًا أو يزيد أن بقاءها في الحكم رهن بالرضا الغربي والأمريكي.

 

ولذلك صرَّح محمد محمود باشا في الثلاثينيات من القرن الماضي: "أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيس وزراء فلسطين"، وقام النقراشي الوطني الذي حارب ضد الإنجليز بالاستسلام لشروط الإنجليز بحل الإخوان المسلمين بقرارٍ عسكري وحشد جموع المجاهدين من الفدائيين في معسكرات الاعتقال، وظلَّ عبد الناصر لا يطلق رصاصةً واحدةً ضد العدوان حتى اجتاح الصهاينة سيناء، فكان الشعارُ "إزالةَ آثار العدوان" لا تحريرَ فلسطين.

 

ثم جاء السادات ليخوض معركة التحرير في رمضان/ أكتوبر لتحريك القضية وليرسم بعد الحرب سيناريو المنطقة الذي يعيش نهايته الآن؛ لأنه أعطى العدو المهزوم عسكريًّا فرصة تفتيت المنطقة، ووضع خطة السيطرة عليها تمامًا بإخراج مصر من المعادلة العسكرية ثم الاقتصادية ثم السياسية، ثم عشنا زمن الانكسار والهزائم بالتواطؤ والتآمر على شعب فلسطين، ويقوم حقوقيون برفع قضية في بريطانيا للقبض على أحمد نظيف وأحمد أبو الغيط بتهم المشاركة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

 

بعد انتهاء الجولة العسكرية الفاشلة وبداية الانتقال إلى نتائج الحرب سياسيًّا ما زال الدور المصري ملتبسًا ومشبوهًا يريد إنقاذ ماء وجه عباس وماء وجه أولمرت، ويقف على مسافة بعيدة من حماس، ولا يستمع لصوت الشعب الهادر الذي نجحت الحشود الأمنية في حصاره بالقاهرة، وضربته بقسوةٍ في العريش، ولم تستطع الوقوف ضده في عواصم المحافظات التي خرج أهلها بعشرات الآلاف وأحيانًا مئات الآلاف.

 

هل تُراجع مصر نفسها؟ هل يتخلَّى الرئيس عن عناده؟ هل يستمع الرئيس لصوت الشعب؟ هل يستمع الرئيس لنصيحة رئيس أمريكي سابق مثل "جيمي كارتر" الذي دعا في حديثه مع (CNN) إلى لقاء مباشر مع حماس، وأن يبدأ الرئيس المنتخب "باراك أوباما" اهتمامًا مباشرًا بالملف الفلسطيني وأن يُجري حوارًا مع حماس؟

 

وقد نقلت الـ(جارديان) البريطانية خلال الأيام السابقة تسريبات عن لقاءات بدأت بالفعل بين أعضاء من فريق "أوباما" وحماس أو مقربين منها حماس، هل ينتظر الرئيس مبارك وفريقه السياسي ضوءًا أخضر من أمريكا؟ هل يبدأ الإفراج الفوري عن المعتقلين الذين وصلوا إلى قرابة 500 بسبب تضامنهم مع حماس بل مع الشعب الفلسطيني؟

 

هل يتم تحرير الهلال الأحمر المصري من البيروقراطية وسيطرة حرم الرئيس وسيطرة الأمن الذي جعله في هذه المأساة كبقية الكوارث الأخرى؛ مشلولاً لا يستطيع الحركة إلا لوضع "الاستيكرز" على تبرعات الآخرين، ولا يحظى بثقة الشعب الذي لا يثق في الحكومة أصلاً؛ لأنه لم ينتخبها قط؟

 

هل يدرك الرئيس والخبراء في الأمن القومي أن الخطر الحقيقي على أمن مصر القومي والوطن هو العدو الصهيوني لا الإخوان المسلمون ولا المعارضة غير الرسمية؟!

 

هل يدرك الرئيس وفريق لجنة السياسات والفكر الجديد أن إعلامهم الناطق باسمهم في (الأهرام) والتليفزيونات وغيرها من الذيول؛ أضرَّ بمكانة مصر وأهانها في كافة عواصم العالم، وأن الناطق باسم سياستها في الخارج ومساعديه جعلونا في مرمى الأهداف ومحل الاتهام، وهم لا ينطقون إلا بتعليمات الرئيس وابنه الذي غاب تمامًا عن المشهد؟!

 

هل يدركون أنهم بسياستهم الخرقاء حطَّموا تمامًا سيناريو التوريث الذي أشك من البداية في وجوده، ولعله بدَّد أوهام البعض الذي كان يعمل على تشجيعه ولحسابهم الخاص من رجال أعمال ورجال سياسة وإعلاميين حمقى يخدمون العدو والمعارضة في آنٍ واحد، وعندما يظهر بعضهم في الجزيرة أو الـ(BBC) أشعر أنهم قد تم غرسهم من جانب المعارضة في الحزب الوطني؟!

 

هل يدرك الرئيس والمتحدثون باسمه أن أمريكا والصهاينة سيرحلون عن منطقتنا بعد زمن قد يقصر أو يطول كغيرهم من المحتلين الذي وفدوا إلى بلادنا ثم رحلوا، وأن تركيا وإيران وفلسطين وشعوبها باقية بحكم الجغرافيا وحكم التاريخ؟!.

 

هل تراجع مصر نفسها؟ وهل يتقدم خبراء عقلاء ليتصدروا المشهد الإستراتيجي بدلاً من الصبيان أو الغلمان الذي ينعقون كالغربان في وجوهنا كل يوم ويبددون إرث مصر التاريخي؟ هل يراجع الرئيس مواقفه قبل نهاية العمر أو نهاية الحكم أيهما أقرب؛ ليستعيدَ الشعب حريته في اختيار الرئيس القادم والحكومة المقبلة والبرلمان الحر الذي يمثل الإرادة الشعبية؟

 

هل يستمع لنا الرئيس؟ أو هل من بين بطانته من ينقل إليه خلجات نفوسنا أو همهمات بدأت تظهر على صفحات الجرائد وفي الإعلام بعد أن كانت في الماضي مجرد خلجات تتردد في الصدور؟ وهذا من محاسن العصر الذي نعيش فيه عصر السماوات المفتوحة والقضاء الواسع الحر.

 

استمع لنا يا سيادة الرئيس؛ فنحن مصريون نحب مصر ونريد لها الخير كل الخير.
مع نهاية المقال: استمعت لجولة الصحافة في (الجزيرة) التي بدأت بخبر لجريدة صهيونية يقول: مئات الأطنان من الأسلحة الأمريكية تتدفق على العدو الصهيوني، والدلالة هي: أن العدو يشعر بالمأزق الخطير الذي جعله غير قادر على السيطرة الميدانية بعد 14 يومًا (أسبوعين) من بداية الجولة، وأسبوع كامل من الاقتحام البري، ولا يزال مترددًا في الانتقال إلى المرحلة الثالثة.

 

ونقلت الأخبار أيضًا أن منشورات العدو تلقيها الطائرات على أهلنا في غزة تحذرهم من الجولة الثالثة وتدعوهم إلى التخلِّي عن حماس، وهو سيفشل كما كان في العراق وكما فعل نابليون في حملته على مصر منذ مائتي عام أو يزيد، فكان مصيره الهروب ليلاً من الإسكندرية.

 

المفاوضات الآن تجري في القاهرة وفق المبادرة المصرية التي اعتبرها البعض آلية قرار مجلس الأمن الذي لم يحترمه العدو، والعجيب أن يردد المراقبون أن حماس لم تحترمه، وهي التي تتعرض للعدوان ولها كل الحق في دفع العدوان!.

 

مصر التي ترعى المفاوضات بين الأطراف (العدو المحتل المعتدي وحماس المقاومة الصلبة الشجاعة وعباس الذي لا يمتلك أية أوراق سوى رئاسة غربت مع غروب شمس 9 يناير ويعتبر "بطة عرجاء").

 

هل تراجع مصر نفسها لتقول: ماذا أريد بهذه المفاوضات؟ وما الذي أبغيه من تلك المبادرة؟ هل أريد إعطاء العدو وقتًا للإجهاز على البقية الباقية من أطفال غزة، فلا أطلب منه الوقف الفوري للعدوان والانسحاب الفوري من غزة قبل أية تفاهماتٍ حول ما بعد العدوان؟! هل أريد القضاء على حماس فأمنع عنها تهريب الغذاء والدواء والسلاح؟! هل أريد الإبقاء على الحصار الظالم الذي أهلك الحرث والنسل في غزة ولم يستطع القضاء على المقاومة؟! هل أريد أن أتخلَّى عن دوري ومكانتي لغيري سواء أكانت تركيا أم إيران؟! هل أستجيب لإرادة الشعب الفلسطيني الذي التفَّ حول المقاومة ويريد أن ينتقض في الضفة الغربية؟ أم أساير مخطط عباس/ دايتون/ دحلان؟ وهل أظل في عداء مع حماس بسبب انتمائها الفكري للإخوان المسلمين؟

 

أسئلة صعبة وعسيرة على مصر الرسمية أن تجيب عنها قبل أن يفوتها قطار الزمن وتخرج تمامًا من المعادلة الإقليمية وتصبح على حدودها قنابل موقوتة تنفجر في وجهها كل حين!!.
رحيل علاَّمة بارز: الشيخ موسى شاهين لاشين:

 

في عزاء المغفور له بإذن الله أ. د. موسى لاشين جلست بجوار د. علي جمعة، وهو صديق قديم فرَّقت بيننا المناصب والمواقع، ولكن أبقت الود الدائم.

 

كان المكان مزدحمًا لوداع رجل من الأعلام الفقهاء المحدثين ساهم في تعليم آلاف العلماء، وكان هناك زملاء للفقيد من كلية أصول الدين، وبينهم عمداء ووزراء حاليِّين وسابقين.
رحمه الله رحمة واسعة؛ فقد كان صدره وبيته مفتوحًا لنا ونحن من دور أولاده.

 

شكرًا للشعب المصري العظيم وشكرا للجنة الإغاثة بنقابة الأطباء:

وجَّهت عمومية طارئة للأطباء الشكر إلى الشعب المصري ولجنة الإغاثة الإنسانية بنقابة أطباء مصر ولجنة الإغاثة والطوارئ باتحاد الأطباء العرب، وبالفعل هم يستحقون الشكر.

 

والسؤال: لماذا لا تتحول تلك اللجان إلى هيئات عالمية، مثل "أطباء بلا حدود" أو "أوكسفام" أو غيرها؟ الجواب: هو افتقاد مناخ الحرية والشك من جانب المسئولين.

واقتراح جيد: لماذا لا تنضم أخي القارئ إلى أصدقاء لجنة الإغاثة؟!

 

عزاء واجب:

انتقل إلى الدار الآخرة المفكر الشيوعي البارز الدكتور محمود أمين العالم، وكان علمًا بارزًا من أعلام الحركة الوطنية منذ الأربعينيات، وتعاملت معه باحترام.

خالص العزاء لأسرة الفقيد ولليسار المصري كافة.

 

أكاديميون ضد العدوان:

دشنت مجموعة من أساتذة الجامعات المصرية والأكاديميون موقعًا إلكترونيًّا "أكاديميون ضد العدوان" للتواصل مع العرب والمسلمين الدارسين والعاملين بالخارج للوقوف في صف فلسطين وقضيتها العادلة وضد العدوان الهمجي على غزة.

تحيةً إليهم، وعلى كلٍّ أن يعمل ما في وسعه لدرء ذلك العدوان وصد ذلك الخطر الصهيوني.