عندما تشتعل الحرب ويشتد القصف المجنون الذي يقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وعندما ينشغل الجميع بالمعركة المؤثرة في غزة تقودها كتائب المجاهدين من كافة الفصائل الفلسطينية من حماس والجهاد والشعبية وألوية صلاح الدين والمقاومة الشعبية وتنضم بقايا كتائب شهداء الأقصى الذين منعتهم فتح من حمل السلاح إلى المقاومة ليعملوا مع الجميع تصديًا للعدوان المجنون الذي يدمِّر الحجر والبشر.. فإن أقسى ما يمكن أن يصيب المجاهدين النيران الصديقة.
هذه النيران الصديقة تعبير إعلامي وعسكري ظهر عندما تقاتل في الميدان جيوش متحالفة من بلدان مختلفة وتيارات متعددة لا بد من التنسيق بينها في الميدان؛ حتى لا تتسبَّب نيرانها في إصابات لم تكن متوقعة.
ونحن هنا مع كل الشعوب العربية والإسلامية، بل مع كل أحرار العالم؛ نقف في ميدان لا يقل أهميةً عن ميدان المواجهة العسكرية في غزة: ميدان الضغط الشعبي عبر المظاهرات والاحتجاجات والتعبير السلمي المتصاعد؛ لكي نجبر حكومات العالم كله على تغيير موقفها المتآمر ضد الشعب الفلسطيني والمتجاهل لبشاعة العدوان المجنون وعبر قوافل الإغاثة التي تنهمر من كل حدب وصوب إلى غزة أدوية وأغذية وأجهزة طبية، ويا ليتها كانت أسلحة تستطيع أن تضيف إلى المجهود الحربي، ولكنها الحدود والسدود.
عندما نكون جميعًا في خندق المقاومة ضد العدوان الصهيوني وضد الراعي الأمريكي وضد الاستبداد المحلي وضد القهر وضد الظلم، وضد نظم باعتنا لعدونا بثمن بخس، فلا يجب أن تمر النيران الصديقة من بعض الزملاء دون عتاب أو كلمة مراجعة؛ فأنا ممن يؤمن بأنه يبقى الود ما بقي العتاب، وكذلك أقتنع تمامًا بأن تصفية القضايا الجانبية ولقاء المشاعر القلبية والنفسية لا بد أن نسعى إليه أولاً بأول دون تأخير ولا إبطاء.
لذلك علَّقت في بداية الأحداث المأساوية على مقال الأستاذ إبراهيم عيسى الأول، وشكرت له نشر التعليق فورًا في اليوم التالي والعدد التالي، وكان جوهر التعليق هو المقارنة الظالمة بين حركة حماس وحزب الله نظرًا لاختلاف البيئة السياسية وخط الدعم اللوجستي والخبرة القتالية، ولعل ذلك نعود إليه في مقال مستقل.
واليوم عندما قرأت بإمعان عدد (العربي) 1139 في 4/1/2009م وجدت أكثر من مقال يتناول بالغمز واللمز، وبالتصريح دون التلميح، مواقف للإخوان المسلمين في مصر وسط أجواء محمومة، وصل عدد المعتقلين فيها أكثر من ألف؛ ما زال منهم مئات داخل حجرات وممرات معسكر الأمن المركزي بطرة وقت كتابة هذه الكلمات؛ يشتكون سوء المعاملة وسوء وضيق المكان؛ حيث لكل مائة وأكثر دورة مياه واحدة قبل نقلهم إلى سجني برج العرب ووادي النطرون.
وهناك عشرات يَمثُلون أمام نيابة أمن الدولة العربية؛ منهم على الأقل 10 أطباء أساتذة جامعات واستشاريون ونقابيون؛ كانوا يتمنون أن يكونوا الآن في غزة لإسعاف الجرحى قيامًا بواجبهم المهني ودورهم الإنساني، إلا أن النظام يتهمهم بإثارة مشاعر الجماهير وكأن المشاعر تحتاج إلى من يستفزها!!.
كتب أستاذي وصديقي الأستاذ الدكتور محمد أبو الغار في الصفحة الأخيرة عن إهانة فتاتين على سُلَّم نقابة الصحفيين، وإذا صحَّ ما نقلته إليه الفتاتان أو إحداهما، فإنه مدان ولا يصح، ولكن أيضًا لا يجوز تعميمه أو إلقاء اللوم فيه على الإخوان المسلمين؛ فقد يكون هذا التصرف الغريب قد وقع من اثنين من الملتحين ضد شابات غير محجبات، بمعنى أن الوقفة الاحتجاجية ليست فسحةً أو فرجةً، وأن هناك مكانًا مخصصًا للنساء أثناء الوقفة؛ فليس ذلك كله معقولاً، وقد كنت هناك من قبل بداية الاحتجاج وحتى قرب نهايته.
قد يكون الشخصان ليسا من الإخوان المسلمين، وهذا في الغالب؛ لأن غالبية الإخوان غير ملتحين، والوقفة شملت أعدادًا غفيرة من كل الاتجاهات إسلامية وقومية وليبرالية ويسارية، وقد رأيت الجمع مختلطًا، ولا تفرِّق بين تيار وتيار، والهتافات موحَّدة، ولم يحدث ما يمكن أن يتسبَّب في تفرقة بين المتظاهرين، حتى الهتافات شديدة اللهجة ضد رموز سياسية مرت بسلام.
وأنا أستغرب أن يكون ما لفت انتباه أستاذي في هذه الوقفة هو هذه الوقعة وأن يرتب عليها نتائج واقتراحات تعني في النهاية انهيار الاصطفاف الوطني الرائع من كافة التيارات وراء شعب فلسطين وأهل غزة، بدلاً من مناقشة أي خلافات في هدوء وبعيدًا عن الصخب الإعلامي والتشويه للخصوم.
وقد هاتفني الأستاذة صافيناز كاظم؛ تنقل إليَّ عتاب الأم المكلومة في ابنتها المناضلة شاهندة مقلد أن أحدًا من الإخوان في بلدتها كمشيش لم يحضر لتقديم واجب العزاء، وفورًا نقلت العتاب إلى إخواني هناك الذين اعتذروا عن ذلك، وقالوا إنهم سيبحثون الأمر ويصححون الأخطاء؛ لأن واجب العزاء واجب إسلامي وإنساني، وقد قدَّمته شخصيًّا في وقته للأستاذة شاهندة.
وفي نفس العدد كتب الأستاذ أحمد أبو المعاطي (ص5) في عموده "بما إنه" قصةً يصعب على العقل تصديقها، فضلاً عن انعدام الإنسانية في وقائعها، وهو ما لا يتصوَّره عقل عن إنسان وكيف تقع من إخوان المسلمين، وقد حاولت الاتصال أكثر من مرة بالأستاذ أحمد فلم يرد، وهاتفت الصديق عبد الله السناوي الذي أعطاني رقم التليفون، وطلبت منه نشر ذلك العتاب في العدد التالي للجريدة.
لا يمكن في ظل هذه الظروف المأساوية أو في ظروف عادية أن يقوم شخص بزيارة مرضى أو جرحى من عدوان همجي، ثم يكون كل همه هو معرفة الاتجاه السياسي للجريح، وأجزم أن الإخوان لا يوزعون أموالاً على جرحى، وأن السند المعنوي هو الأهم في عيادة المريض وزيارة الجرحى الأبطال أو المصابين المظلومين.
ثم يصل الأخ الكاتب إلى نتائج تقارب ما أعلنه بوش عندما يقول بكل جرم وحزم أنها- أي جماعة الإخوان- بحاجة إلى مزيدٍ من الوقت قبل أن تتعلَّم العمل في النور وتحترم تحالفاتها مع نظرائها من القوى السياسية الأخرى، قبل أن أتأكد وبيقين من قدر الفاشية التي تتمتع بها، وهي فاشية تتجاوز تاريخها الحافل في الانتهازية السياسية إلى المزايدة حتى على الدم.
ثم يواصل اتهاماته العجيبة والغربية قائلاً: "نعم.. لقد زايدت جماعة الإخوان المسلمين على الدم الفلسطيني وما زالت تزايد، ولا يغرَّنَّك ما تسمعه يوميًّا عن مئات المعتقلين الذين تقول الجماعة إن أجهزة الأمن تلقي القبض عليهم في الشوارع وتوقظهم من بيوتهم في ساعات الفجر، فالتظاهر مسرحية، والبيانات مسرحية، وقوافل الإغاثة مسرحية طالما القتل في غزة لا يزال قائمًا على الهوية، وإخواننا في الجماعة يفرِّقون ومظروفاتهم التي يدسونها تحت وسائد الجرحى لا تعترف إلا بالدم الحمساوي فقط، وقد شاهدت بعيني رأسي".
لقد قصدت أن أنقل الفقرات كاملةً لأبيِّن إلى أي حد وصلت الاتهامات إلى الفاشية وإلى أن كل ما يراه الناس ويعيشونه واقعًا مَعيشًا مسرحيات، وأن حادثة واحدة- إن صحت- غيَّرت موقفًا لسياسي أو كاتب من النقيض إلى النقيض.
ما هذا الكم من الانفعال غير المحسوب والاتهامات الخطيرة؟! ولماذا؟! ولمصلحة من؟! الفاشية نفس التهام الذي قاله بوش ضد المسلمين، أتساءل: هل هناك أسباب أخرى وراء هذه الشحنة من الغضب؟!.
كان يمكن للأستاذ أحمد أن يعاتب وقتها هذا المسئول الذي ما زلت أبحث عنه لأسأله عن الوقعة ومدى صحتها؛ لأني أعلم علم اليقين أنها شاذة وعجيبة، ولا يمكن أن تقع من إنسان أو أحد من الإخوان.
هناك خلافات شديدة القسوة، وكان وقعها على النفوس أليمًا، وقعت في غزة بين فتح وحماس، وهي كان لها سياقها المعروف، وقد وقع ما هو أكبر منها وأضخم في تاريخ النضال الفلسطيني وبين فصائل منظمة التحرير وداخل منظمة واحدة وبين رفاق السلاح، ووصل إلى حد اغتيال قيادات بارزة من فتح بأيدٍ فلسطينية، ولم يتم اتهام أحد بالفاشية، وكان الجميع يتحاسبون ويتجاوزون محنة الخلاف إلى رص الصفوف لمواجهة العدو المشترك.
إن منهج بناء التحالفات السياسية والإستراتيجية يقتضي من الجميع عدم الالتفاف إلى التناقضات الثانوية والفرعية والتوجه بكل الجهود إلى التناقض الرئيسي مع العدو المشترك، وهذا هو سر نجاح أي تحالف وقوته.
عندما اتصلتُ بنائبي الإسماعيلية: المهندس صبري خلف الله والدكتور إسماعيل الجعفري، أخبرني د. الجعفري أنه ذهب بالفعل إلى مستشفى الإسماعيلية لعيادة مريض والتقى مدير المستشفى الذي أخبره أن بالمستشفى 8 جرحى حالتهم خطوة ولا تسمح بالزيارة، وأن الزيارة ممنوعة للظروف الصحية.
حاولت الاتصال عدة مرات بالأستاذ أبو المعاطي ولم يرد عليَّ، وتركت له رسالة على تليفونه فلم يرد عليَّ، فأدركت أن في الأمر شيئًا ولعله غائبٌ لانشغالٍ ما، أو لعله لا يرغب في التواصل أو توضيح الأمور، أو لعله ليس لديه معلومات، أو لعل الأمر كله مختلق من الأساس؛ لأن الوصف في بداية المقال يوشي بمواهب في كتابة المسرحيات والأفلام، وليس لمجرد تسجيل موقف سياسي عندما يكون الحديث عن الابتسامات الماكرة وغيرها مما يجسِّد المشهد أمام القارئ البريء.
أخيرًا.. مجال التعاطف ومساندة غزة وفلسطين وشعبها وفصائلها كافة مفتوح للجميع، وفي ذلك فلينافس المتنافسون.
ولا داعي لأن يتعرَّض بعضنا في الميدان إلى نيران صديقة، فيكفي نيران العدو الواضح الصريح.
أقول ذلك مع الترحيب كل الترحيب بالنصائح القيمة التي طرحها المتضامنون مع غزة ووجَّهوها إلى الإخوان، خاصةً د. محمد السيد سعيد الذي لفت انتباه الجميع إلى أهمية إدراك ما يمكن تسميته فقه التظاهر، وهو يحتاج بالفعل إلى توعية بين صفوف السياسيين عامة والإخوان خاصة، مع أهمية أن ذلك يأتي في ظل الوقوف في خندق واحد، وأن الجميع يخرجون عن الضوابط التي يتم الاتفاق عليها لا شباب الإخوان فقط، وأهم تلك النصائح هو الاتفاق على هدف محدد للمظاهرة ومطلب أو أكثر يمكن تحقيقه من خلال التظاهر، لا مجرد التعبير عن الغضب، وهو مشروع، أو التنفيس عن الكبت أو إظهار المشاعر.
وكذلك لم ألتفت إلى المارينز الإعلامي الصهيوأمريكي في الهوى لا الانتماء؛ مما أدان المقاومة وحماس على وجه الخصوص، وبالغ في الإدانة، وجلد الضحية، بينما اكتفى بكلمة عابرة عن إدانة العدوان الصهيوني.. هؤلاء سقطوا في الامتحان، وعليهم مراجعة أنفسهم قبل أن يدهمهم العدوان.
حتى هؤلاء لم يتعلموا من الـ(CNN) مثلاً التي أُحيِّي الأستاذ أحمد المسلماني على نقده الشديد لها وكافة المحطات الأجنبية، إلا أنه في صبيحة يوم الخميس شاهدت على الـ(CNN) تقريرًا موجزًا عن تغطية القنوات العربية، كـ(الجزيرة) و(العربية) عن العدوان؛ مما أتاح في خطوة ذكية للمشاهد الأمريكي أن يرى الفظائع حتى ولو كانت بعيون عربية عبر قناة أمريكية عالمية، وعلى الذين راهنوا على خداع بعدو جديد هو الإيراني الشيعي أن يدركوا أنهم فشلوا فشلاً ذريعًا، وأن عليهم أن يبحثوا عن عدو جديد لإيهام الجماهير به أسوةً بالمخرج الأمريكي الذي حاول صناعة عدو جديد سمَّاه الخطر الأخضر كبديل الخطر الأحمر، ووضع الإسلام كله في قفص الاتهام تحت مسمَّى الإرهاب.
وأخيرًا.. ومع رحيل بوش والمحافظين الجدد والليبراليين المتوحشين ستنتهي غالبًا قصة الحرب على الإرهاب وذيولها التي صنَّفت حماس والمقاومة كحركات إرهابية.