قالت وزيرة الخارجية الصهيونية في باريس يوم الأول من يناير 2009م إن "إسرائيل" تقوم بعملية اجتثاث للإرهاب في غزة، من ناحية أخرى وزعَّ الكيان مذكرةً في مجلس الأمن يبرِّر فيها جرائمه في غزة، وتؤكد أن الكيان يمارس حقه في الدفاع الشرعي عن النفس تطبيقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

 

من ناحية ثالثة قالت الحكومة الصهيونية إن حملتها على غزة تعبر عن يأس الكيان من دفع حماس إلى الالتزام بالتهدئة التي استمرت ستة أشهر ونقضتها حماس؛ ولذلك فإن الكيان يرد على عدوان حماس غير المبرر.

 

وقالت وزيرة الخارجية الصهيونية بعد لقائها بالرئيس مبارك يوم الخميس 28/12/2008م- وخلال مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية المصري- إن الكيان خطط واتخذ قرارًا بتغيير معطيات الموقف في غزة، ثم عقَّب الوزير المصري بأن مصر حذَّرت حماس ولكنَّ حماس لم تستمع، فلا تلُم إلا نفسها، في إشارةٍ إلى أن ما يمارسه العدو الصهيوني من جرائم في غزة يجد مبررَه في عدم تجديد حماس للهدنة كما طلبت مصر.

 

كما نجد إشارةً في بيانات وتصريحات بعض وزراء الخارجية العرب إلى ذلك عقب اجتماع طارئ في القاهرة يوم الأربعاء 31/12/2008م بعد بدء حملة الكيان في غزة منذ السبت 27/12/2008م؛ يهمنا في هذا المقام أن نقدم تكييفاً قانونيًّا واضحاً للحملة الصهيونية على غزة؛ بسبب الخلط والتخليط الذي يحيط بهذا الجانب، ولكننا نناقش بهدوء- رغم مرارة ما يحدث في غزة- السببين اللَذَين قدمهما الكيان لتبرير هذه الحملة، وهما الدفاع الشرعي عن النفس، وسحق الإرهاب الفلسطيني!!.

 

ولعل الملاحظ أن الكيان رغم تفوقه الكاسح عسكريًّا ومغامراته العسكرية المستمرة كمنهج ثابت له؛ باعتباره دولة وظيفية مهمتها الوحيدة الإضرار بسكان المنطقة، وقض مضاجعهم وسلب حقوقهم في الأرض والكرامة والحياة وإذلال دولها وقهر شعوبها الظامئة إلى رفع هذا العدوان الصهيوني.. لا يملّ من تقديم التبريرات القانونية المصطنعة، رغم أنه هو نفسه كيانٌ غير قانوني؛ زُرِع في هذه المنطقة لأغراض سياسية.

 

فإذا كان ذلك هو حال الكيان وكذلك الولايات المتحدة التي برَّرت تصديَها للمقاومة في العراق بنظرية الدفاع الشرعي مثلما برَّرت تدخلها بأعمال تخريبية في نيكاراجوا، فالأَولى بالعالم العربي وإعلامه أن يفنِّد الحجج الصهيونية التي تتوسَّل بالقانون الدولي لارتكاب مختلف الجرائم.

 

وفيما يتعلق بالدفاع الشرعي الذي يتذرَّع به الكيان لإحراق غزة؛ فإن المعلوم أن الكيان الصهيوني يُثير هذا الدفع في كل المناسبات؛ بحيث أفرغت مفهوم الدفاع الشرعي من معناه الحقيقي، رغم أنه يجد أصوله في قوانين السماء، وفي طبيعة المجتمعات الإنسانية قبل أن توضع القوانين الوضعية، وهو المبدأ الوحيد السابق على القانون العرفي والمعاهدات المدونة، وهذا ما أشار إليه صدر المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة من أن حق الدفاع الشرعي حق طبيعي innate أي لصيق بالإنسان منذ خلقه مثل الحق في الحرية.

 

وقد وضعت هذه المادة ضوابط لممارسة هذا الحق؛ أهمها: أن يقع هجوم مسلح، وقد أضافت محكمة العدل الدولية إلى ذلك عندما رفضت الدفع الصهيوني الذي يبرِّر إقامة الجدار العازل بحق الدفاع الشرعي في رأيها الاستشاري الصادر في التاسع من يوليو عام 2004م؛ لأن الهجوم المسلح يجب أن يصدر من دولة وليس من وحدات لا ترقى إلى مستوى الدولة؛ أي أن أعمال حماس وحزب الله من هذه الزواية- بصرف النظر عن كونها حركات مقاومة- لا توفر هذا الشرط لممارسة الدفاع الشرعي.

 

كما يشترط أن يكون هذا الهجوم المسلح غير متوقع وأنه يستحيل دفعه إلا بعمل يدخل في إطار شروط هذا المفهوم، كما يتعين أن يكون الهجوم حالاً؛ أي على وشك الوقوع أو أن يكون قد وقع بالفعل.

 

وقال الكيان في مذكرته الموزّعة على مجلس الأمن إن صواريخ المقاومة الفلسطينية تمثِّل هجومًا مسلحًا فعليًّا، والصحيح أن صواريخ المقاومة تعتبر ردًّا على الاعتداءات الصهيونية المتكررة على غزة كما تعتبر ردًّا على العدوان المستمر المتمثل في الاحتلال الصهيوني ورفض الانسحاب، بل وطلب المزيد من الأراضى تنفيذًا للمشروع الصهيوني الاستيطاني، ولذلك فإن الأصل هو الاحتلال كما أشار بحق السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية في كلمته يوم 31 ديسمبر 2008 في افتتاح الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب بالقاهرة.

 

من ناحية أخرى يشترط لقيام الحق في الدفاع الشرعي أن يكون الرد على الهجوم المسلَّح بالقدر اللازم فقط لدفع هذا الهجوم؛ أي أن الممارسة الدولية وأحكام القانون الدولي والقضاء الدولي قد شدَّدوا جميعًا على مبدأ التناسب بين الفعل أي الهجوم المسلح وردّ الفعل أي الدفاع الشرعي.

 

في هذه النقطة من الواضح أن الكيان لديها مخطط أساسي في المشروع الصهيوني وهو إبادة الفلسطينيين في كل فلسطين؛ لإجبارهم على إخلاء الأرض حتى تقوم الدولة اليهودية الخالصة، ومن الواضح أيضًا أن مخطط إحراق غزة وإبادتها في ما يبدو قد اتخذ منذ أوائل 2005م ووضع لمساته الأخيرة شارون وبدأ التنفيذ بانسحاب الكيان الميداني والمادي من قطاع غزة، ثم اتخاذ الخطوات التالية التي أدت إلى أحداث غزة وفق التصور الصهيوني؛ بل إن التصريحات الصهيونية تؤكد أن برنامج إبادة غزة كان جاهزًا ربما قبل بدء التهدئة، وهذا يدحض ما قيل من أن رفض الفصائل تجديد التهدئة هو الذي دفع الكيان إلى تنفيذ برنامج الإبادة، وهذا الإعداد المدبّر نظريًّا وعمليًّا لبرنامج الإبادة يهدر الركنين الأساسيين في مزاعم الدفاع الشرعي، وهما: فجائية الهجوم المسلح وتلقائية الرد.

 

أما التناسب بين برنامج الإبادة وصواريخ المقاومة فمن الواضح أنه معدوم؛ حيث يلاحظ الفرق بين عمل المقاومة الرمزي الذي يؤكد رسالة الإصرار على الحق في مواجهة الغاصب والقوة وبين مشروع جاهز يرتكز على دولة تبحث دائمًا عن أسباب القوة لتنفيذ هذا المشروع ووظيفتها الأساسية كما أشرنا هي الحلول محل الفلسطينيين في فلسطين.

 

من ناحية ثالثة فإن برنامج الإبادة الشامل يجعل التذرُّع بالدفاع الشرعي نكتةً سخيفةً، ولكن الكيان لا تورَّع عن التذرُّع بأي شيء مهما كان تافهًا، ومن المعلوم أن الحق في الدفاع الشرعي يتوقف منذ اللحظة التي يتولى فيها مجلس الأمن الموضوع؛ سواء بمجرد الانعقاد أو بصدور القرار؛ باعتباره الحكومة المركزية التي تختص بمعالجة الحالة وقد ضمن الكيان أن مجلس الأمن يستحيل أن يدين برنامج الإبادة الذي تمارسه.

 

ولعلنا نذكر السادة الباحثين في مجال حق الدفاع الشرعي بأن قيام الصهاينة بأعمال الإبادة في غزة وتبرير بأنه تطبيق لحقهم في الدفاع الشرعي هو المحطة الثالثة في تطور مفهوم الدفاع الشرعي لدى الكيان، وهو تطوير يقع خارج دائرة الفقة الدولي المعتبر الذي يؤكد على الضوابط التي أشرنا إليها، ويعتبر كل خروج عن هذه الضوابط عملاً من أعمال العدوان
ولا شك لدينا في أن برنامج الإبادة في غزة يعرض القيادة الصهيونية للمحاكمة الجنائية الدولية، وهذا له سياق آخر، ولكننا نكتفي بالإشارة إلى أن الكيان الصهيوني قد برَّر عدوانه عام 1967م بأنه تطبيق لحق الدفاع الشرعي "الوقائي"، ثم ابتدع مصطلحًا جديدًا لتبرير عدوانه عام 2008م بنظرية الدفاع الشرعي العقابي، وقد فصلنا ذلك في سياق آخر.