قبل أربعين عامًا بالتمام والكمال شهد مطار بيروت الدولي غارة كوماندوس صهيونية، عمدت إلى تدمير أسطول لبنان الجوي التجاري المتمثل في طائرات شركة طيران الشرق الأوسط.. لم يكن يومها في لبنان حزب الله أو سلاح المقاومة؛ الذي لو كان موجودًا آنذاك لتصدى للقوات الصهيونية وأربك غارتها وأفشل غايتها، ولم يكن يومها في لبنان قواعد للمقاومة الفلسطينية، كما لم يكن المسئولون اللبنانيون قد وقَّعوا اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1969م، وهو الاتفاق الذي حمَّله البعض كل ما أصاب لبنان من ويلات، رغم خروج قوات المنظمة من لبنان بعد غزو 1982م، ورغم إلغاء الاتفاق في أواخر مايو 1987م؛ أي قبل 21 عامًا.
الذريعة الصهيونية آنذاك كانت أن فدائيًّا خرج من مطار بيروت إلى مطار أثينا لينفِّذ عمليةً ضد طائرة صهيونية في ذلك المطار، تمامًا كما كانت الذريعة الصهيونية لغزو لبنان أن "منتميًا" لمنظمة فلسطينية (كانت معارضة لمنظمة التحرير ومحظورة في أماكن وجود المنظمة لا سيَّما في لبنان) قام بمحاولة اغتيال السفير الصهيوني في لندن.
وعلى امتداد عمر الكيان الصهيوني منذ قيامه عام 1948م حتى عام 1968م، ورغم وجود اتفاقية هدنة منذ العام 1949م؛ كان الجنود الصهاينة يختطفون مزارعين لبنانيين، ويسلبون مواشي لبنانية، ويدمِّرون بيوتًا للبنانيين، بل إن السلطة اللبنانية التي كانت تعتمد منطق "قوة لبنان في ضعفه" كانت تمارس رقابةً استثنائيةً على المخيمات الفلسطينية، وتلاحق أي مشروع نضالي فلسطيني، وكلنا يذكر كيف أن ياسر عرفات نفسه قد اعتُقل أكثر من مرة على يد السلطة اللبنانية في تلك المرحلة، كما نذكر جميعًا كيف استُشهد الفدائي الفلسطيني جلال كعوش تحت التعذيب على يد الأجهزة في محاولات مستميتة "لتطمين" العدو وسد الذرائع أمام عدوانه.
ولم يكن حال اللبنانيين أنفسهم في الشريط الحدودي جنوب الليطاني بأفضل من حال المخيمات؛ فقد كانوا يعيشون في ظل حالة الطوارئ؛ فمنع انتقال اللبنانيين إليه دون إذن مسبق، بل كان الكثير من الوطنيين اللبنانيين موضع ملاحقة ومراقبة، بل واعتقال أحيانًا، بدوافع "استباقية" لأي نوايا "ثورية" عند هؤلاء.
وقبل الغارة على المطار بسنة ونصف السنة تقريبًا وقعت حرب يونيو عام 1967م، واشتركت فيها كل الدول المجاورة لفلسطين ما عدا لبنان، الذي كان على "الحياد" فعلاً، ومع ذلك لم ينجُ من احتلال أراضٍ له في مزارع شبعا وتلال كفر شوبا، بل لم ينجُ من إهانة وجهها له وزير حرب العدو موشيه دايان؛ الذي قال ضاحكًا آنذاك حين سئل "وماذا عن لبنان؟": "احتلال لبنان لن يكون أكثر من نزهة تقوم بها كتيبة مجندات على دراجات هوائية".
وفيما كان غالبية اللبنانيين- بما فيهم "العهد" الذي قام بعد غزو 1982 وفي ظل دباباته- يظنون أن جيش الاحتلال الصهيوني عام 1982 سيخرج من لبنان بعد إخراج القوات الفلسطينية والسورية من جنوبه وبقاعه الغربي وعاصمته، وفيما كان هؤلاء يعتقدون أن وجود المبعوث الأمريكي فيليب حبيب ومساعده موريس درايبر سيحقق هذا الانسحاب.. جاءت الوقائع تناقض تلك التوقُّعات، فبقي جيش الاحتلال 18 سنةً إضافيةً، وأدار الجيش الغازي أبشع فصول الحرب الأهلية ومجازرها في بيروت ومخيماتها، وفي الجبل وساحل الشوف وشرق صيدا.
وجدت نفسي أتذكر هذه الوقائع، وأنا أقرأ بعض الإستراتيجيات الدفاعية مستفيدة ربما من ضعف ذاكرة اللبنانيين، وخصوصًا الأجيال الجديدة، أو ربما من جهل بطبيعة العقيدة الصهيونية، والمشروع الصهيوني، والعقل الصهيوني الذي نرى في فلسطين- وخصوصًا في غزة- أمثلةً صارخةً على عدوانيته وتوسعيته وفاشيته التي لم تستثنِ حتى أبناء عرب فلسطين 1948، من مخططات التهجير رغم أنهم من الناحية القانونية يحملون الجنسية الصهيونية.
فعلى امتداد عشرين عامًا (1948- 1968) لم ينفع لبنان "الحياد"، ولم تنفعه اتفاقات الهدنة، ولم تنفعه أيضًا سياسات الموالاة للغرب، وخصوصًا للولايات المتحدة التي أدت موافقة الحكومة اللبنانية على مشروع رئيسها آنذاك دوايت إيزنهاور لملء "الفراغ" في الشرق الأوسط، من ضمن أسباب أخرى، إلى أول انقسام سياسي لبناني حادّ أخذ شكلاً عسكريًّا عام 1958.
وعلى امتداد 22 عامًا (1978- 2000)، أي منذ عملية "الليطاني" التي نجم عنها احتلال صهيوني لمناطق واسعة من البلاد، لم تنفع لبنان كل القرارات الدولية ذات الصلة، والتي كان أبرزها القرار الدولي 425 الذي ينص على الانسحاب الفوري لقوات الغزو الصهيوني بعد عدوانه في مارس 1978.
بالمقابل نجحت المقاومة اللبنانية في إجبار جيش الاحتلال على الانسحاب مدحورًا من العاصمة بيروت 1982، بعد أن قاومت ببطولة أسطورية حصاره على مدى ثمانين يومًا، وفي إرغامه على الانسحاب مدحورًا من الجبل أيضًا عام 1983 بعد أن أشعل فيه حربًا أهليةً مدمرةً ما زلنا نعيش تداعياتها المأساوية حتى الساعة، وفي فرض انسحاب قواته من ساحل الشوف وصيدا وصور والنبطية وجب جنين وراشيا عام 1984، بل في دحره الكبير عام 2000 بعد فشل عدوانين كبيرين قام بهما الأول في يوليو 1993 باسم "تصفية الحساب"، والآخر في أبريل 1996 والمعروف باسم عملية "عناقيد الغضب" وما رافقها من مجازر في قانا والمنصوري والنبطية وصولاً إلى "تفاهم نيسان" الذي أعطى شرعيةً دوليةً لعمل المقاومة.
وبالمقابل أيضًا، وبفضل المقاومة المتكاملة مع الجيش والمستندة إلى وحدة الشعب واحتضانها؛ لم ينجح الجيش الصهيوني بكل جبروته في أن يحقق أي هدف سياسي من أهدافه رغم أن عمليته المدعومة من إدارة بوش استمرت 33 يومًا ولم تتوقف عن القصف المدمر ساعة واحدة، وهو القصف الجوي والبري والبحري الذي استخدمت فيه من القذائف ما فاق في حجمه ونوعه كل ما استخدم في الحرب العالمية الثانية.
هذه الوقائع نضعها اليوم برسم طاولة الحوار الوطني التي تنعقد برئاسة الرئيس ميشال سليمان في "بعبدا"، داعين المتحاورين إلى تذكرها أولاً، وإلى الاستفادة من عبرها ثانيًا، ثم إلى العمل بمقتضاها في مجال مناقشة إستراتيجيات الدفاع الوطني التي ينبغي أن يكون الاعتبار الوحيد الذي يحكم المتحاورين حولها هو اعتبار الدفاع عن فيرتفعون جميعًا عن كل تجاذب عابر أو مصالح ضيقة.
ولا شك أن المدخل السليم لأي إستراتيجية من هذا النوع يكمن في تكامل الأدوار بين الجيش والمقاومة على قاعدة وحدة الشعب والدولة وفي كنفهما أيضًا وفي ضوء تجربة لبنانية فريدة في الدفاع والمقاومة بدأت تدرسها أبرز الأكاديميات العسكرية في العالم.
فلبنان هو لبنان وليس أي بلد آخر، نسيجه مختلف، سياق تطوره متميّز، تاريخه في المقاومة قديم، والظروف المحيطة به هي مختلفة عنها في أي بلد آخر، بالتالي من كان له وطن كلبنان عليه ألا يبحث في تجاوب دول أخرى عن إستراتيجية تحميه، بل أن يقدم لكل الدول تجربةً باتت مضرب المثل لدى كل شعب يريد أن يطرد المحتل من أرضه أو أن يواجه انتهاكًا لسيادته.