تأتي الذكرى السنوية الثانية لإحالة أربعين من قيادات الإخوان المسلمين للمحاكمة العسكرية مع أخبار مؤلمة حول أزمة مالية اقتصادية عالمية تكاد تفتك باقتصاد دول بل باقتصاد العالم بأسره, وليس من قبيل المصادفة أن تتوافق المناسبتين معًا, فهما لم ولن ينفكا عن بعضهما؛ فالأزمة المالية العالمية إنما وراءها سببان أساسيان هما "الظلم والفساد".

 

الظلم المتمثل في حروبٍ ظالمة شنَّتها أمريكا وحلفاؤها على العراق وأفغانستان وغيرهما, والفساد الأخلاقي الذي نال القطاع المالي فأهدرت أموال في رهانات عقارية ومشاريع وهمية فأكلت الحروب الأموال والتهم الفساد الاقتصاد.. فكانت الأزمة.

 

والقضية العسكرية هي إحدى صور الظلم والفساد، وهي ليست بعيدةً عن جبروت اللوبي الصهيوالأمريكي, ولا عن فساد النظم المؤتمرة بأمرهم.

 

إنه الظلم الذي أحال مدنيين لمحاكم عسكرية بعد أن برَّأتهم المحاكمة المدنية.

 

إنه الظلم الذي صادر أموالاً مشروعةً اكتسبت من حلال, ولم تثبت على أصحابها تهمة واحدة.

 

إنه الظلم الذي أمر بسجن الشرفاء لسنوات عديدة, ولم تكن لهم تهمة سوى أنهم قاوموا الفساد وحاولوا كشفه!!

 

لقد خلت المحاكمة، والتي امتدت لمدة عام ونصف العام من أي مقدماتٍ تؤدي إلى أن يحكم على هؤلاء الشرفاء بهذه الأحكام القاسية.

 

فلا توجد تهمة ثابتة, ولا شاهد إثبات واحد, ولا دليل مادي، وكل مقومات القضية محضر تحريات ملفق وأقوال مرسلة تدل على خصومة سياسية فاجرة ورغبة في البطش بكل مصلح غيور على بلده.

 

لم تراعِ المحاكمة أية ضماناتٍ تضمن حيادها وعدم زيفها, فالمحاكمة سرية وطلبات الدفاع دائمًا مرفوضة، وأقوال شهود النفي دائمًا مردودة؛ بل إن الأحكام كانت مُسبَّقة ومعلومة.

 

إن ما حدث مع خيرةِ رجال الأمة من ظلمٍ بيِّن إنما هو نتيجة خصومة سياسية فاجرة مارسها نظام لا يريد أن يسمع لمصلح، ولا أن يمد يده إلى مخلص, ويريد أن يرتع في فساده دون محاسبة أو مساءلة.

 

وها هي أمتنا تدفع ثمن سكوتها على ظلمٍ لفئةٍ مخلصة منها وتتعرض لسنةٍ من سنن الله في كونه؛ حيث أذاقنا الله البأس والجوع والخوف مما صنعنا.

 

فهل من عظةٍ يعود فيها النظام إلى رشده ولا يظل في غيه؟ هل من وقفةٍ متأنيةٍ يمد فيها النظام يده للمصلحين في البلد، وعلى رأسهم الإخوان المسلمين؟

 

هل حانت الفرصة لإغلاق ملف المحاكمات العسكرية والاعتقالات الأمنية, ليعيش الجميع أجواء الحرية؟

 

إن المسجونين في المحاكمة العسكرية هم من أكفأ الناس وأخلصهم لوطنهم ولا يزالون على هذا الحب بنفس الإخلاص يرجون له الخير ويتمنون تقدمه ورفعته, فهل من عاقلٍ في النظام يصحح الخطأ وينصف المظلوم وينقذ الأمة بفك أسر مجموعة من علمائها وخيارها؟ هل من حكم قضائي ينطق به عاقل عادل يعيد الأمور إلى نصابها؟.

 

أيها السادة: قديمًا في مصر كاد الفساد والظلم أن يعصفا بالدولة المصرية, ولكن حاكمها آنذاك- رغم أنه محتل- مد يده لمن معه مفاتيح الإنقاذ فكان تمكين ملك مصر ليوسف على الخزائن وإخراجه من السجن لأنه حفيظ عليم.

 

فهل من عاقلٍ يخرج أحفاد يوسف من السجن, ليتعاون الجميع في إنقاذ سفينة الوطن من الغرق في بحور الظلم والفساد؟.

 

نسأل الله تعالى أن تحمل الأيام المقبلة بشرى عاقلة من مخلص غيور على وطنه وأمته.

 

------------

* أحد المفرج عنهم في المحاكمة العسكرية