خلال هذه اللحظات يُعد الصهاينة لعملية ما على قطاع غزة يعتقد أكثر المحللين أنها ستكون محدودة ولكنها مؤلمة، وربما تبدأ هذه العملية قبل نشر هذا المقال، ولعل الظروف الآن في الكيان الصهيوني شديدة الحرج على مستوى صانعي القرار فهم بين شقي الرحا؛ حيث يضغط الرأي العام الصهيوني نحو عملٍ عسكري يوقف صواريخ المقاومة التي تسقط على جنوب الكيان وتتسبب في حالة رعب شديدة لأكثر من 250000 من سكان الكيان الصهيوني في مرمى الصواريخ، فضلاً عن سقوط هيبة الجيش الصهيوني الذي لا يستطيع حماية السكان.
لكن من ناحيةٍ أخرى فإن حزب كاديما الحاكم والمؤسسة العسكرية الصهيونية يخشون من خسائر كبيرة في الأرواح في حال اجتياح القطاع؛ مما يُؤثر على شعبية الحزب في الانتخابات التي ستتم في غضون الشهور الثلاثة القادمة وما يغذي هذه المخاوف وجود تقارير تؤكد وجود أسلحة جديدة أكثر تأثيرًا في أيدي المقاومين في غزة ومنها الصاروخ الروسي جراد، كما أنهم يخشون من قتل الأسير شاليط كانتقامٍ واردٍ في حالة زيادة الشهداء الفلسطينيين، بالإضافةِ لتعرض حكومة الكيان الصهيوني لضغوطٍ من حلفائها العرب، خاصةً مصر والأردن لعدم توسيع العملية؛ حيث إن ملك الأردن طلب من أولمرت أن تكون العملية العسكرية محدودة لأن توسيع العملية سيُؤثر على استقرار الأردن.
بينما ترى الحكومة المصرية أن الاجتياح الكامل للقطاع يمكن أن يؤدي لانفجار الأوضاع في رفح ويندفع سكان القطاع نحو الأراضي المصرية ويتوقع النظام المصري في هذه الحالة خروج مظاهرات شعبية عفوية ضد الحكومة المصرية تتهمها بالمشاركة في حصار غزة ووقوفها في خندق القتلة مع حكام تل أبيب وربما كانت دعوة الرئيس المصري لوزيرة خارجية الكيان الصهيوني ليفني تسير في اتجاه رجاء قيادة الكيان الصهيوني: لا تحرجونا الآن فالوقت غير مناسب!! وعلى هذا الأساس فإن النظام المصري يسعى للتوصل إلى هدنة جديدة بين حكومة حماس والكيان الصهيوني بالرغم من غضبه من حماس بعد أن قاطعت الحوار الشهر الماضي.
وقد رد محمود الزهار على ذلك بأنه لن نقبل تهدئة جديدة إلا بشرط وقف الكيان الصهيوني لأية عملية تستهدف فلسطينيين، وقد ذكر أن الكيان الصهيوني قتل 25 فلسطينيًّا خلال شهر التهدئة الأخير التي انتهت 19/12/2008م، ورفض أن تكون التهدئة مقابل فتح المعابر؛ حيث أكد أن فتح المعابر ليس منة من الكيان الصهيوني بل هو فرض عليه بموجب القانون الدولي.
وأتصور أن حماس قد غيَّرت معادلة الصراع لصالح المقاومة حتى بات الكيان الصهيوني هو الأحرص على اتفاقات للتهدئة بسبب الرعب التي تسببه صواريخ المقاومة له، بينما حماس ليس لديها ما تخسره حيث قتل المقاومين شهادة، كما أن حصار غزة يعتبر تعريةً وعارًا على قادة الحكومات العربية، كما أنه يُحمِّل المسئوليةَ للأمم المتحدة عن تخاذلها أمام الجرائم النازية.
أما سكان القطاع فقد رأوا أن الهدنة الأخيرة لم تمنع الكيان الصهيوني من القتل أو إغلاق المعابر، وعليه فإما تهدئة بشروط حماس أو حرب مفتوحة تعيد رص الشارع العربي والإسلامي خلف المقاومة، ولتكون المقارنة واضحة مع معسكر الاستسلام الذي يقوده عباس الذي يعتقل المقاومين من كافة الفصائل ويصادر سلاح المقاومة وترك الضفة الغربية نهبًا لجنود الكيان الصهيوني والمستوطنين الذين عاثوا في الخليل فسادًا دون رادعٍ بعد أن غاب المقاومون داخل معتقلات السلطة الفلسطينية.
وهكذا تكون حماس قد قلبت الطاولة على الكيان الصهيوني وسلطة عباس وأيضًا على الحكام العرب الذين يقفون ضد المقاومة سواء دخلت حماس في تهدئة بشروطها أم دخلت في حربٍ مفتوحةٍ لتقلب معادلة الصراع من عدم توازن القوى بين الكيان الصهيوني والمقاومة إلى صيغةٍ جديدةٍ اسمها "توازن الرعب".
---------
* اللجنة الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني