بدعوة كريمة من الأخ الصديق الأستاذ محمد عبد القدوس، شاركت في الندوة التي نظَّمها صالون المواطنة بالتعاون مع لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، وأدارها المهندس يوسف سيدهم رئيس تحرير جريدة (وطني).

 

كانت المناسبة الاحتفال الجاري هذا الشهر بمرور ستين عامًا على إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

 

وكان المطلوب من المشاركين: الأستاذ نجاد البرعي "الناشط الحقوقي المعروف"، والأستاذ د. ناجي فوزي "الأستاذ بمعهد النقد الفني" الحديث حول النجاحات والاحتفالات التي شهدها العام المنصرم 2008م في مجال حقوق الإنسان في مصر، وطالبنا مدير الندوة المهندس يوسف سيدهم بالخروج باقتراحات عملية لتعزيز حقوق الإنسان في مصر في ضوء التجارب السابقة، خاصةً أن المتحدثين لهم تجارب حية ونشاطات واسعة في مراقبة تطبيقات حقوق الإنسان وكذلك انتهاكات حقوق الإنسان، سواء أكانت كما هو الغالب من جانب الحكومة والنظام أم كانت من جماعات أهلية وأشخاص طبيعيين.

 

اتجهت الندوة مع بدء تعليقات الحضور اتجاهًا آخر؛ فقد انصبَّت أكثر من 90% من التعليقات حول شركاء الوطن من المسيحيين، وبالغ البعض في وضع حلول غير عملية وغير واقعية.

 

بدأت بالحديث بعيدًا عما أعددته من أوراق؛ استجابةً لطلب مدير الندوة، وقدَّمت الاقتراحات العملية اللازمة لتعزيز أوضاع وثقافة حقوق الإنسان في مصر في ظل التجارب السابقة لي كشخص، ولنا كجماعة الإخوان المسلمين، وبحكم عضويتي في نقابة الأطباء وشغل موقع مسئول عن لجنة الحريات بها وكأمين صندوق، وشاركت منذ أعوام 1984 و1985م في تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان والمنظمة المصرية لحقوق الإنسان.

 

هذه الاقتراحات كانت في عدة محاور:

أولاً: الاهتمام بالتعليم وتضمين مناهج التعليم في مراحلها المختلفة؛ بدءًا من التعليم الأساسي حتى الجامعي مادة "حقوق الإنسان"، وربط تلك المادة بالثقافة الدينية الإسلامية والمسيحية التي تحض على التسامح واحترام الآخر وقبول التعددية في كافة المجالات واحترام الحقوق الأساسية في الحياة وسلامة الجسد والتعليم والعمل والصحة... إلخ.

 

مع الاهتمام بالكليات الأساسية المتعلقة مباشرةً بفكرة حقوق الإنسان: كليات الطب والحقوق والشرطة.

 

وتقديم دورات خاصة في مجالات مثل: "توثيق التعذيب" بالنسبة للأطباء و"حقوق السجناء والمحتجزين" لضباط الشرطة.

 

ثانيًا: تنسيق جهود المنظمات الحقوقية العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان ودعم أنشطتها بتشجيع التبرعات الأهلية؛ كي لا تخضع لأجندات خارجية بسبب اعتمادها على التمويل الخارجي وعقد مؤتمر سنوي لاستعراض أهم أحداث عامٍ انقضى ووضع إستراتيجية لعام مقبل.

 

وعلَّق بعض الحضور بضرورة ابتعاد المنظَّمات الحقوقية عن التصنيف الطائفي أو الديني أو الذهني، وأن تنشغل جميعًا بالدفاع عن كل إنسان أيًّا كان دينه أو انتماؤه السياسي والحزبي وأيًّا كان موقعه الفكري.

 

ثالثًا: دعم وتقوية كافة الجهود والهبات والوقفات الشعبية التي شكَّلت ظاهرةً تدلل على حيوية المجتمع المصري خلال السنتين الأخيرتين، مع ضرورة إكساب المهارات والخبرات والتنسيق بين هذه الجهود الشعبية المطالِبة بحقوقٍ فئويةٍ أو محليةٍ وضرورة الإصلاح الشامل سياسيًّا واقتصاديًّا وضرورة النهوض اجتماعيًّا.

 

وهذا يقتضي قيام أجهزة الإعلام بالاستمرار في تسليط الضوء على المطالب الشعبية وقيام المنظمات الحقوقية بتبنِّي المطالب العادلة للمحتجِّين والدفاع عن المظلومين والمعتقلين منهم ومحاولة تنظيم هذه الجهود لتصبَّ في تحقيق نجاحات ولو محددة تشجيعًا للشعب على المطالبة بحقوقه.

 

ويقتضي من القوى الشعبية السياسية والحزبية الالتحام بالشعب المنتفض والدفاع عن حقوقه المهدرة بدلاً من السعي إلى صفقات حزبية مع النظام أو الاكتفاء بالسقف العالي المطالِب بالحريات السياسية فقط.

 

رابعًا: الضغوط المتواصلة على الهيئات الرسمية التي تم إنشاؤها خلال السنوات الماضية، كالمجلس القومي لحقوق الإنسان الذي يشكِّل وفق قانون تأسيسه الهيئة الاستشارية للنظام والحكومة ومكوِّناتها، والذي يقوم بدور حائط الصد والدفاع عن النظام في الهيئات الدولية ضد التقارير المنهمرة من المنظمات الدولية، والتي تدافع عن حقوق الإنسان، وكذلك تقارير المجالس التابعة للأمم المتحدة، والتي أدانت النظام على مدار الربع قرن الماضي.

 

لقد بدأت الأسر المضطهدة نتيجة غياب أهلها ورعاتها بالاعتقال أو السجن أو المطاردة، بالاتجاه إلى المجلس ولقاء المسئولين به وتنظيم وقفات احتجاجية أمام مقر المجلس للتعبير عن ألمها ومطالبها.

 

أيضًا لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشعب عليها دَور؛ فلا يجب الانسحاب منها كما هدد نواب الإخوان- الذين أعلنوا أن هناك تجميدًا لدور اللجنة، وأن رئاسة مجلس الشعب وهيئة مكتبه واللجنة العامة مسئولون عن تفعيل اللجان كافة- بل يجب أن يستمروا ويُجبروا اللجنة والمجلس على الاهتمام بقضية حقوق الإنسان، وعليهم أن يتواصلوا مع كافة المهتمين بالقضية وعلى رأسها المنظمات المعينة محليًّا وإقليميًّا وعربيًّا، وعليهم ألا ييأسوا أبدًا، وعلينا جميعًا مساندة تلك الهيئتين الرسميتين بدورها المنوط به قانونًا.

 

خامسًا: الإعلام المكثف عن حقوق الإنسان وحسن استخدام وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة بكفاءة عالية وبمجهودات فردية، كالموبيل والإنترنت والمواقع الحيوية، مثل الـ"فيس بوك" و"اليوتيوب" وغيرها لفضح الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان في كافة أنحاء مصر والعالم، بل وتدريس وتوعية الشعب بالحقوق الأساسية للمواطنين.

 

كان هذا محور حديثي، وتحدثت عن ضرورة وجود أجندة محلية منبثقة من ثقافتنا العربية والإسلامية والمسيحية، وعدم الخضوع لابتزاز وتركيز المنظمات الدولية التي تتبنَّى قضايا تُعَد بالنسبة لنا صادمةً أو هامشيةً، مثل حقوق الشواذ أو إلغاء عقوبة الإعدام أو ختان الإناث.

 

وأشرت إلى خطورة ما تقدَّمت بها حكومتا فرنسا وهولندا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحالية بإصدار قرار يدعم حقوق الشواذ جنسيًّا، والذي دعمه الاتحاد الأوروبي؛ لأن إثارة مثل هذه القضايا يسبِّب نفورًا في مجتمعاتنا الشرقية عمومًا والإسلامية والعربية خاصة بمسلميها ومسيحييها المتديِّنين بفطرتهم.

 

كان تعقيب الأستاذ نجاد البرعي مهمًّا مدافعًا عن المنظمات الدولية وأجندتها، مفنِّدًا بعض ما قلته، وليس هذا مجال الرد والتعقيب.

 

وأثار تعقيب الأستاذ د. ناجي فوزي تعليقات عديدة بسبب دفاعه القوي عن الحق في الإبداع وعدم تقييده بأي قيد، وضرب مثالاً بفيلم "بحب السيما".

 

العجيب أن 90% من مداخلات الحضور الذين بلغ عددهم حوالي الخمسين مواطنًا ومواطنة اتجه إلى هموم الإخوة المسيحيين المعروفة والمكرَّرة، محمِّلين الإخوان المسلمين المسئولية عن إهدار حقوقهم وسوء معاملتهم، بينما لم يعقِّب أو يتدخَّل سوى ثلاثة فقط من المسلمين.

 

في ختام الندوة قلت بوضوح: "إننا لم نأتِ لمناقشة هموم أو وضع حلول لمشاكل الإخوة المسيحيين، وإن وجهة نظري التي أؤكدها باستمرار أن الحل الحقيقي لمشاكلهم ومشاكل بقية المواطنين أفرادًا وجماعات هو في تبنِّي قضايا الوطن عمومًا وعدم الانزواء والاكتفاء بالمطالب الفكرية وعدم الهجوم على قضايا ثابتة لن تحقِّق سوى الإثارة والتعقب والعداوة، مثل الحديث عن إلغاء المادة الثانية من الدستور، والتي أقرَّها المصريون جميعًا في دستور 1923م، الذي شارك في إعداده كافة الاتجاهات، وتم قبل ظهور الإخوان المسلمون أو ولادة الرئيس السادات رحمه الله".