الصورة غير متاحة

أنس إبراهيم عبد العزيز

 

يعرِّف علم الاجتماع السياسي الشرعية السياسية على أنها "القبول الشعبي بالنظام الحاكم والقانون المطبق داخل حدود الدولة كسلطة حاكمة"؛ ففي كتابه (مقالتان عن الحكومة Two Treatise on Government) يربط فيلسوف الأخلاق والسياسي الإنجليزي جون لوكJohn Locke (1632 - 1704) بين الشرعية Legitimacy والرضا Consent في الوعي واللا وعي القومي على حدٍّ سواء.

 

في المقالة الثانية يؤكد "لوك" أن التعلق الأخلاقي لمسألة "الشرعية" أشدّ من التعلق السياسي؛ فأصحاب النفوذ والسلطة السياسية يحتاجون- كما يتصور الفيلسوف السياسي الأمريكي روبرت دال Robert A. Dahl- إلى شعبية تمنحهم الشرعية التي إذا حرموا منها يصبحون سادةً على أرض لا حكامًا لشعب، إضافةً إلى ذلك شبَّه "دال" حجم التكثيف الوظيفي بين السلطة والشرعية بحوض الأسماك؛ فالحوض هو القبول والماء يمثل الشرعية والأسماك هي النخب الحاكمة، فزيادة القبول والالتفاف الشعبي حول النظام الحاكم يعمِّق من شرعية وجوده كمثل حوض الأسماك المحكم الذي يحافظ على الكائنات الحية بداخله والعكس صحيح.

 

قانونيًّا يدَّعي أستاذ القانون الدستوري في جامعة بوستون راندي بارنت في كتابه (استرجاع الدستور المفقود Restoring the Lost Constitution) أن نظرية "رضى المحكوم Consent of the Governed" تعد أساسًا في تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم لا القانون الدستوري، وإلا أصبح هذا الدستور الذي تم وضعه لتلبية رغبات الشعوب هو سبيل نكدهم وتعاستهم؛ حيث نعته بارنت في هذه الحالة بـ"حصان طروادة".

 

شهد النصف الثاني من القرن العشرين معظم حركات التحرر الوطني التي أدَّت في النهاية إلى خروج المستعمر الغربي من البلدان والأقاليم التي وقعت تحت تصرفه طيلة عقود بل وقرون، وعلى الرغم من اتفاقيات التنسيق والتفاهم التي أجرتها القوى الإمبريالية حيال تنسيق المواقف وتوزيع الأدوار وتقاسم أسلاب الأسد العثماني المترنّح خصوصًا في المنطقة العربية (انظر اتفاقية سايكس بيكو واتفاقية الشريف حسين- مكماهون)؛ إلا أن البراجماتية الميكافيلية جعلت من حلفاء الأمس أنداء اليوم.

 

فقد قامت معظم القوى الإمبريالية بدعم حركات التحرر داخل مستعمرات الأخرى لحجز دور فاعل على خريطة العلاقات الدولية في عصر ما بعد الإمبريالية، ومن هنا شهدت معظم الانقلابات العسكرية والثورات التي تمت في المنطقة دعمًا وتأييدًا مباشرًا أو على الأقل مباركةً من قبل الدول صاحبة المصالح، والتي يأتي على قمَّتها الولايات المتحدة الأمريكية التي أرادت استثمار الانتصارات التي حقَّقتها في الحرب العالمية الثانية في صياغة نظام عالمي جديد بدأ بحلم.

 

ظهر جليًّا في عالم السياسة أن ما سمِّي قبل ذلك بـ"الحكم بالوكالة Proxy Government" قد أصبح ظاهرةً يندر أن تحدث في عالمنا إلا بتدبير خفي سياقيًا؛ يعني هذا المصطلح أن القوى الإمبريالية سمحت بوجود سلطات "وظيفية" يقوم "القائمون عليها" على خدمة مصالح هذه القوى في المستوطنات القديمة.

 

يُذكر أن أجهزة الاستخبارات كانت أكبر لغز أحاط بعملية التحوُّل تلك من عصر الإمبريالية إلى الحكم بالوكالة، فقد تسارعت أجهزة المخابرات- وبالأساس وكالة الاستخبارات الأمريكية التي كان من أهم مساعيها توطيد سيطرة الولايات المتحدة على العالم عبر العبث في خرائط النفوذ السياسي وبالأخص في منطقة العالم العربي التي تحتل قلب العالم- بل وتصارعت على دعم كثير من الانقلابات العسكرية "الظاهراتية" والثورات الاجتماعية "النادرة" في بلدان العالم الثالث لإيجاد أدوار لحكوماتها بعد تضاؤل قدراتها على السيطرة عليها كمستوطنات لما أصابها من إنهاك في الحربَين العالميتين الأولى والثانية، إلى جانب التركيز على إزالة مخلَّفات الحرب العالمية الثانية الحسية والمعنوية على حدٍّ سواء.

 

من هنا نجد أن عصر التحوُّل هذا لم يشهد سوى خروج السلطة العسكرية الإمبريالية وإحلال السلطة العسكرية الوطنية مكانها؛ فالجنرالات كرومر وكيتشنر وألينبي ولويس صامويل وجورست وليون بلوم وجوراد وفيتشي وجراتزياني لم يحلوا بعيدًا عنا؛ حيث وُجد في المنطقة من ترعرع على أفكارهم، ووجدوا في ممارساتهم في الحكم والسيطرة نبراسًا يومض لهم بأفكار يتبرَّأ منها نمروذ بن كنعان.

 

قامت النسخ الوطنية من تلك الجنرالات- ولا تزال- بالتعاطي مع شعوبها كملف أمني بالدرجة الأولى؛ حيث قامت بامتهان الحقوق الأساسية للشعوب؛ ناهيك عن الحقوق المدنية والسياسية التي وقعت عليها، وضعضعة نواصي العلم، وسحق هامات الفكر وساقت الشعوب أمامها؛ لا بسنان البنادق بل بـ"البيادات"؛ استهانةً بهم وحقدًا عليهم، وتنفيذًا لمقرَّرات من أتى بهم منذ نصف قرن وأكثر، ولله درُّ الشاعر حين قال:

والعسكري بليد للأذى فطن *** كأن إبليس للطغيان ربَّاه

عن الحقيقة أعمى ليس يبصرها *** وللنصيحة يبقى فاغرًا فاه

يحمي اللصوص به بعض عورتهم *** فإن تخلى عن بابهم تاهوا

يرمي الرصاص على الأطفال مبتهجًا *** ويرتمي ليقبِّل رِجل (مولاه)

 

تغاضت هذه الحكومات الإستراتوقراطية Stratocratic Governments، المدعومة من حلفاء الخارج عن "الشرعية المدنية"؛ التي هي بالأساس حقٌّ للشعوب، وتمادت في حكمها بـ"بيادات" أحقر حرّاسهم، ولم يسلم من ركلهم ورفسهم عاقل أو مفكر أو مبدع أو غيور على وطنه، واستحدثوا نوعًا جديدًا من "الشرعية" لم يكن معروفًا في عالم السياسة؛ ألا وهو "شرعية البيادة".

 

لكنَّ ذات "البيادة" التي استمد منها الطغاة شرعيتهم دافع عنها ابن عمِّها "الحذاء" في وقعة رجم بوش؛ حيث برهنت تلك الوقعة على أن "البيادة" لم تتعدَّ كونها وسيلةً، فلا تلام عندئذٍ في ظلم أو طغيان، لكنه يمكن أن تكون رافعةً للرءوس ومجليةً للنفوس.

 

إن سطحية التعامل مع مثل هذه الأحداث (رجم بوش بالحذاء) يؤدي إلى مزيد من تغييب الوعي القومي الذي بذل الصحفي منتظر "حريته" من أجل إفاقته، فمما أثارني في تلك الوقعة ذكاء الصحفي في رجمه بوش بنعليه في وجود مندوبه السامي على العراق نوري المالكي؛ حيث يؤشر هذا إلى معرفة الشعوب بعدوِّها الحقيقي، فما قيمة "البيادة" إذن في معادلة الطغيان من غير وجود من يقوم بالركل بها؟

 

فالجنرالات الموجودة ليست أكثر من "جنود خدمة" في كتيبة صقور البنتاجون تحت إمرة أمير حربهم بوش، كما أن الصحفي "منتظر" قد مثّل المظلومين في أرجاء الدنيا من جراء البلطجة الأمريكية في محفل رسمي، لا أظنه وقع منذ زمن طويل؛ فالمحافل الرسمية لا تقع إلا في القلاع العاجية العالية؛ حيث تعد الأنفاس وتخرس أصوات المظلومين ويشدو المتملِّقون بأهازيج الشكر وترانيم البركات، ويختفي فيها أصحاب الشكاوى والمظالم.

 

من المدهش أن الدول الغربية لم تفهم العمق الفلسفي والغور الأخلاقي لحادثة الرجم تلك لأول وهلة، ومن جانبها تبارت وسائل الإعلام ووكالات الأنباء فيها لتثقيف الشعب الغربي عما هو مراد بتلك الوقعة، وأنها ليست مجرد "لفت انتباه" كما قال الغبي بوش.. أنا متيقن أنه بعد مرور هذه الساعات على تلك الوقعة، فإن عقلاء الغرب قد استوعبوا مخاطر التحالف مع الضعفاء المتغطرسين ضد الأقوياء الحلماء.. يبدو للعيان أن شرعية "البيادة" آخذة في التلاشي بعد استفاقة بعض من "سُحِقوا بها" زهاء نصف قرن.

 

"... أدت التوسعات الإمبريالية التي قامت بها حكومات أمراء الحرب الأوروبية حتى أوائل القرن العشرين إلى قصور وظيفي في إدارة شئونها الداخلية؛ قاد بعد ذلك إلى خروجها بعد أن خلَّفت وراءها من استمدَّ شرعيته من "الدبابة" وحكم الشعب بـ"البيادة"...".