إجماعٌ غيرُ مسبوق، ذلك الذي حَظِيَ به حادثُ الحذاء الطائر في وجه بوش، إجماعُ فرحةٍ واهتمام بين شعوب الدول العربية والإسلامية، وكثير من دول العالم، إجماعٌ لم يشذ عنه سوى قلائل، ممن تحفظوا حرصًا على آداب الإتيكيت ولياقة الحوار وقواعد الدبلوماسية ومراسم المؤتمرات الصحفية، أمام مجرمِ حربٍ أهلك الحرث والنسل، وقتل مئات الآلاف، وصمَّ أذنيه وأغمض عينيه، عن كل قواعد البروتوكولات وأبسط قواعد الإنسانية.

 

وهناك من القلائل أيضًا من قلَّلَ من شأن الحدث، وقاسه قياسًا ماديًّا فقط، وقال هل يمكن لرميةِ حذاء أن تثأرَ من جرائم بوش التي تجاوزت كل الحدود، وخشوا أن تكون مجردَ تنفيسٍ عن مشاعر الغضب عند الشعب العربي المكلوم، ولكنَّ أثر الإعلام الحديث ودوره في حسم كثيرٍ من الأمور كبير، وبوش أتي من بلاده ليُحرزَ هدفاً إعلاميًّا: أنه ما زال بطلاً، وأنه أدخل الديمقراطية والإصلاح في العراق، وأن الشعب العراقي يُقدِّر هذا ويعترف به، فخسر الرئيس المعركة بجدارة، وانقلب السحر على الساحر، ورجع بخفَّي منتظر.

 

إنَّ رميةَ الحذاء ضربةٌ جويةٌ إعلامية، يمكن أن تُدرَّسَ عواملُ نجاحِها في معاهد الإعلام، شأنها شأن إظهار أبو تريكة لعبارة "أغيثوا غزة" في مباراة الكرة، إن مشاعر الناس في ظلِّ الكبت المفروض عليهم من كثيرٍ من الحكام الآن، تحتاج كلَّ فترة إلى بالونات اختبار، لتبين هل تلك الشعوب ما زالت بها حياة أم لا، وتجاوب مشاعر الناس مع المُحاصَرين في غزة، ومع رمية الحذاء في وجه بوش، تدل على أن الحياةَ ما زال بها نبض، حتى يأذنَ الله تعالى بالإفاقة الكاملة عن قريب.

 

إنَّ الحذاءَ لم يُصِبْ بوش بأذًى مادي، ولكنه أصاب الولايات المتحدة في عهده بأذًى معنويٍّ بالغ، وحطَّ من سمعتها وكرامتها، ببيان مدى السخط لدى الشعوب على سياسةِ الاغترار بالقوة والاستقواء بالباطل، لغزو الشعوب واحتلالها ونهب خيراتها، واتخاذ ذرائعَ وحججٍ ساقطة لتبرير كل هذه الجرائم، ثم تقديم اعتذارٍ سخيف، لا عن قتل مئات الألوف من هذه الشعوب، وإنما عن قتل بضعة ألوفٍ من الأمريكان، الذين طارت نعوشهم، كعربونٍ للسقوط الكبير الذي ظهر عندهم مؤخرًا، في شكل أزماتٍ وكوارث مالية واقتصادية.

 

وزادت البجاحة عند بوش، أن قد جاء زائرًا، باحثًا عن بقية ماء وجه، ومُكررًا في صفاقةٍ يُحسدُ عليها، أنهم أتوْا بالديمقراطية وبالخير الكثير، تلك البجاحة التي أوصلت ذلك الصحفي إلى ألاَّ يجِدَ أبلغَ من بُلغته، ولا أجزمَ من حذائه، ليقذف به في وجه ذلك الكذاب الأشر، فتتجاوب مع رميته الملايين، في إجماعٍ فريد، وحَّدَ مشاعر الغاضبين على هذا المجرم.

 

ولكن السؤال الذي لم نتبين إجابته، هو ما هي مشاعر أصدقاء بوش من قادة وحكام المنطقة إزاءَ هذه الضربة الجوية؟، هل مشاعرُهم تُطابقُ مشاعر الفرحة عند شعوبهم، أم تُخالفها؟، هل تُوازيها أم تُقاطعها.. هؤلاء الحكام، الذين قدموا له عندما جاء غازيًّا ومتعديًّا ومتطاولاً ومتغطرسًا وناهبًا وسالبًا ومجرمًا، وللصهاينة مساندًا، وللأمم المتحدة والأعراف الدولية مخالفًا ومعاندًا.. قدَّموا وسهَّلوا له المرور، وفتحوا له الممرات للعبور، وهيأوا له المطارات، وقدَّموا له الخدمات، وحرسوا له القنوات.. بل واختلقوا له التبريرات، حتى إذا ما جاء في النهاية، وزادت عليه في بلاده الانتقادات، لما حلَّ بهم من نكبات، وزادت وارداتهم من نعوش الأموات، ونزلت باقتصادهم الأزمات.. اعتذر متعللاً بأخطاء الاستخبارات!!.

 

فما موقف حكامنا الذين هللوا له في البداية، من ذلك الاعتذار الساقط في النهاية؟، وهل هم مُشاركونا في الفرحة والرغبة في أن تطوله النعال، أم يودُّون لو كانوا حراسًا له، يتلقفون عنه ما يُلقَى عليه من أحذيةٍ ولعنات؟!.

 

هل يكون لذلك الحذاء المقذوف في وجه بوش، ولذلك الوداع المهين له، أثرٌ في أن يُراجعَ حكامنا حساباتِهم، ويصالحوا شعوبهم، ويُعِدُّوا ليوم الوداع عدته؟.

 

إن كثيرًا من حكامنا ساروا وراء بوش، وحذوا حذوه عندما كان في أوج غروره، وقوة دولته، فهل يسيرون وراءه ويحذون حذوه أيضًا، بعد أن رُمي بالحذاء، وأحلَّ بلاده دار البوار، بنكبات المال والاقتصاد؟، وهل من يأتي بعده سيعتبر بما حدث له أم سيحذو حذو الحذاء؟.

 

إن حكامنا مسلمون.. يختلفون عن بوش وغيره، في أنهم ربما يعلمون أن الظلم عاقبته أليمة، وخاتمته وخيمة، وإن أفلت الظالم في الدنيا من ضربِ النعال، فلن يفلت في الآخرة من عَذَابٍ بَئيسٍ وضربٍ للوجوه والأدبار، ربما يعلمون قيمة دعاء المظلوم، وخطره على الظالم، وقيمة حسبنة المظلوم على الظالم بقول: حسبي الله ونعم الوكيل، ربما يعلمون أن كلَّ حقٍّ اقتطعه ظالمٌ من غيره، وكلَّ حُكْمٍ ظالمٍ تسبب فيه، سوف يُخَلّصُ منه في الدنيا، قبل الآخرة، من ماله، من ولده، من صحته، وصحة من هو حريصٌ عليهم، ربما يسمعون عن أن مَن طال عدوانه زال سلطانه، ربما يقرءون ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم: من الآية 42).

 

 تُرى، هل يعي الظالم خطورة أن ينتبه المظلوم ليلاً، فتؤرقه كربتُه، ويزداد عليه همه وغمه، ولا يجد تفريجًا لكربته، إلا أن يرفعَ يديه إلى المولى عزَّ وجل، يشكو بثَّه وحزنه، ويدعو على من ظلمه.

 

المشكلة أن الظالمَ يُحاط غالبًا، أو يحيطُ نفسه، بمن يُزينون له الظلم على أنه عدل، أو يحجبون مظالم الناس عنه، أو يقلبون له الحقائق، ليرى الشرير طيبًا، ويرى الطيب شريرًا، ويبينون له مدى سعادة الناس بسياساته، ورضاهم عن قراراته، وتشوقهم لتوجهاته، حتى يُفاجأَ المسكين بلطمةِ الحذاء، التي تُكَذِّبُ ما يقولون، وتفضح ما يمكرون.

 

فهل من معتبِرٍ؟ وفي العمر قليلٌ من المتسع، أن نجرب العدل وننحاز إلى الشعب، ولا نوالي الظلم والبغي.

فلم أر مثل العدل للمرء رافعًا      ولم أر مثل الجور للمرء واضعًا

-----------

* ahmadbelals@yahoo.com