أظن أن الاتفاقية الأمنية التي وافق عليها البرلمان العراقي هي أحدث مسلسلات الأساطير القانونية التي تنطلي على المتخصصين العرب قبل غير المتخصصين، خاصةً أن مجلس الأمن والولايات المتحدة وبريطانيا قد شاركت في عملية التدليس القانوني، وسكتت عنه الدول العربية وبقية دول العالم؛ مما يلزمني أخلاقيًّا بالتصدي لهذه الأساطير حتى تستقيم أفهامنا القانونية.

 

ولقد أوضحت جوانب من هذه الأساطير مع كل تطور في العراق ولكنها معالجات جزئية، وآن الأوان لأن ندرس بجدية مسلسل الأساطير في صفحات السياسة والتاريخ العربي المعاصر.

 

والحق أن هذه الأساطير لم تبدأ بما حفلت به الاتفاقية الأمنية، ولكنها بدأت على الأقل بقرار مجلس الأمن رقم 688 في أبريل 1991م، الذي صدر لوضع ترتيبات التعاون بين المنظمات الإنسانية والحكومة العراقية؛ لمواجهة الأزمة الإنسانية الناجمة عن تصدي حكومة بغداد للانتفاضة الكردية والشيعية ضد صدام حسين خلال عملية تحرير الكويت، التي ارتكبت خلالها كما نعلم تجاوزات وجرائم يجل عنها الوصف ضد العراق وقواته في الكويت.

 

ومع ذلك لم تعترض الدول العربية على زعم الولايات المتحدة بأن القرار 688 يسمح لها بإنشاء مناطق الحظر والمناطق الآمنة، ربما لأن غزو العراق للكويت قد أحرج جميع الدول العربية التي عجزت عن منع الغزو، كما عجزت عن تحرير الكويت.

 

أما الأسطورة الثانية من الناحية القانونية فهي القرار 678 الذي رخص للدول المتحالفة مع حكومة الكويت باستخدام كافة الوسائل الممكنة لتحرير الكويت طوعًا أو كرهًا، ورغم العوار القانوني في هذا القرار إلا أنه البديل الوحيد الممكن في تلك الظروف التي لا يوجد فيها جيش دولي يقوم بهذه المهمة، ولكن واشنطن اعتبرت أن الترخيص باستخدام القوة ضد العراق مفتوح ودائم، وهذا غير صحيح بطبيعة الحال؛ لأن القرار رخص مرة واحدة إلى أن يتم تحرير الكويت وأستنفد القرار أغراضه ولم يعد هناك أسباب لإثارته.

 

أما الأسطورة الثالثة القانونية فهي التي وردت في قرار مجلس الأمن 1441 الخاص بالتفتيش على أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق، والتي أعترف الرئيس بوش يوم 2/12/2008م أنه أسف لاعتماده على معلومات مضللة من المخابرات الأمريكية، ولا نزال نذكر تلك المعركة الطاحنة التي جرت في جلسة مجلس الأمن يوم الخامس من فبراير عام 2003م، والتي حاول فيها كولن باول وزير الخارجية الأمريكي حينذاك أن يفسر قرار التفتيش بأنه أشبه بالقرار 678 الذي يرخص للولايات المتحدة وحدها باستخدام القوة ضد العراق، على افتراض أن العراق يخفي أسلحة الدمار الشامل، وقد أعرب كولن باول يوم 3/12/2008م عن خجله الشديد بسبب إصراره على معلومات خاطئة كان يعلم أنها وضعت خصيصًا لتبرير قرار غزو العراق، وأنها نقطة سوداء في سجله الأخلاقي.

 

أما الأسطورة القانونية الرابعة، فهي التي وردت بالتفصيل في القرار 687 والذي لا يتسع المقام لتفصيله، وغني عن الذكر أن فكرة تقسيم العراق بدأت فعليًّا بالقرار 688 الذي أعترف العالم العربي فيه بالتفسير الأمريكي ولم يجد القدرة على الاطلاع على القرار ومذكرة التفاهم، وقد كتبنا في ذلك كثيرًا دون جدوى فيما يبدو.

 

ثم كانت الأسطورة القانونية الخامسة في التفسير الأمريكي البريطاني لقرار مجلس الأمن رقم 1483 الصادر عقب غزو العراق في مايو 2003م، والذي زعمت واشنطن بأن هذا القرار اعترف بشرعية الاحتلال، والصحيح أن القرار 1483م قد اعترف بواقع الاحتلال ونظمه بما يتفق مع قانون الاحتلال الحربي، ومن حيث إن الاحتلال حالة واقعية مؤقتة غير مشروعة، فكيف يضفي مجلس الأمن المشروعية على العمل الباطل بطلانًا مطلقًا، وهو المجلس الذي كلفه ميثاق الأمم المتحدة بأن يؤكد على عدم التدخل في الشئون الداخلية أو استخدام القوة بشكلٍ غير مشروع أو المساس بسيادة الدول الأعضاء، حيث يمثل الاحتلال انتهاكًا لهذه المبادئ الثلاثة الواردة في المادة الثانية من الميثاق.

 

والغريب أن الكتاب العرب وعددًا من المدرسين في الجامعات قد اعتنق التفسير الأمريكي وأبرزه على سبيل بيان مساوئ السلوك الأمريكي في العراق.

 

أما الأسطورة القانونية السادسة فهي القرار 1546 الصادر عام 2004م والذي ضرب مثلاً في التدليس القانوني؛ حيث بشر بأن القوات المحتلة قد أصبحت بقدرة قادر قوات حليفة للحكومة العراقية الطائفية التي أنشأها الاحتلال، والتي يقول عنها إنها تشكَّلت في انتخابات حرة، فأراد القرار أن يعطي انطباعًا خاطئًا بأمور ثلاثة:

الأمر الأول هو أن تغير الوصف القانوني للقوات المحتلة يكفي لكي يوهم بأن هذه القوات جديدة، وأنها جاءت خصيصًا لمساندة الحكومة العراقية الحليفة ضد الإرهاب، مع أن هذه القوات المحتلة هي نفسها القوات المتعددة الجنسيات المحتلة أيضًا، والتي استمرت في احتلالها وممارسات الاحتلال المعروفة.

 

الأمر الثاني هو أن القرار أوهم بأن القوات الأمريكية المحتلة سلمت السيادة للحكومة العراقية، وهذه مغالطة قانونية قمة في التهافت؛ لأن السيادة عند الاحتلال تكمن في الشعب المحتل إلى أن يزول الاحتلال فتمارس حكومة الدولة التي تحررت السيادة نيابة عن الشعب؛ ولذلك فإن لهذه الأسطورة جانبين، الأول هو أن القوات الأمريكية لا تستطيع أن تزعم ممارسة السيادة، وبالتالي لا تستطيع أن تزعم أنها تملكتها وسلمتها، والجانب الثاني هو أن الحكومة العراقية مهما كانت طريقة تشكيلها ومآخذنا عليها فهي حكومة في دولة محتلة، ولا تستطيع أن تزعم أنها تمارس السيادة؛ ولذلك أستدرج نورى المالكي رئيس الوزراء العراقي، وهو يروج للاتفاقية الأمنية بأنها سوف تؤدي إلى استكمال تمتع العراق بسيادته.

 

الأمر الثالث هو أن القرار 1546 قد بشر ببدء عملية سياسية تهدف إلى إنشاء نظام سياسي في العراق يحل محل نظام صدام حسين الذي أسقطه الغزو، وهذا غير جائز في ظروف الاحتلال، لأن كل نظام ينشأ في ظل الاحتلال ويعيش في كنفه هو بطبيعته نظام غير مشروع بقدر عدم مشروعية الاحتلال.

 

الأسطورة القانونية السابعة هي أن الاتفاقية الأمنية يجب أن تبرم بين دولتين مستقلتين والصحيح أن العراق دولة ناقصة السيادة بسبب الاحتلال، ولم يحدث في التاريخ أن أُبرم اتفاق دوليّ بين الدولة المحتلة والإقليم المحتل، وقد شددت اتفاقية فينيا لقانون المعاهدات على أهلية الأطراف المتعاقدة ورضاها وإرادتها الحرة، فاشترطت أن تكون المعاهدة بين شخصين من أشخاص القانون الدولي، ولا أظن أن العراق يتمتع تحت الاحتلال الأمريكي بأهلية إبرام المعاهدات.

 

أما الأسطورة القانونية الثامنة فهي المتعلقة بالدستور العراقي الدائم، ولم يحدث في تاريخ الاحتلال أن وضع الاحتلال دستورًا إلا في إطار الترتيبات الأمنية ومعاهدة الصلح التي ابتدعتها واشنطن مع اليابان، فوضع دستور اليابان تحت إشراف الجنرال الأمريكي والحاكم العسكري لمستعمرة اليابان ماك آرثر، وهذه سابقة سيئة لا يقاس عليها في مجال القانون الدولي.

 

وقد عمدت واشنطن إلى وضع دستور يكون دائمًا للعراق يضمن تقسيمه وتفتيته والقضاء على عروبته، فيما ورد فيه من أن كل علاقة العراق بالأمة العربية هو أن السنة العراقيين وحدهم هم الذين يعتبرون جزءًا من الأمة العربية، أما العراق نفسه فقد وصفه الدستور بأنه مجرد عضو مؤسس في الجامعة العربية.

 

وليس هناك دساتير دائمة في العالم سوى الدساتير التي لها ظروف خاصة، وهما الدستور العراقي تحت الاحتلال، والدستور المصري الذي وصف بأنه دائم تمييزًا له عن سلسلة الدساتير المؤقتة السابقة عليه.

 

الأسطورة القانونية التاسعة هي ما ورد في الاتفاقية الأمنية من أن القرار 661 الصادر في 16 أغسطس1990 قد وضع العراق تحت الوصاية الدولية، وأن الاحتلال الأمريكي للعراق هو الذي أهل العراق لكي يسترد أهليته القانونية ويتخلص من الوصاية الدولية، وهذه أكذوبة قانونية كبرى لأن مجلس الأمن سبق أن فرض عقوبات كثيرة على عددٍ كبيرٍ من الدول مثل ليبيا والسودان ويوغوسلافيا وهاييتي وجنوب أفريقيا والنظام العنصري في روديسيا الجنوبية (زمبابوي الحالية)، ولم يدع أحد أن هذه القرارات قد وضعت الدول التي فرضت عليها تحت الوصاية الدولية، كما أنه من العبث القول بأن الاحتلال الأمريكي كان مشروعًا وكان نبيلاً، على أساس نبل أهدافه التي كشف الرئيس بوش عن عكسها.

 

أما الأسطورة القانونية العاشرة فهي أن الاتفاقية الأمنية هي التي تحدد مستقبل العراق وتؤمن لشعبه الديمقراطية والاستقرار، رغم أن هذه الاتفاقية كانت مطلوبة أمريكيًّا وربما عراقيًّا في فترة معينة، ولكن الحماس الأمريكي لها قد فتر تمامًا، بينما لا يزال الحماس العراقي للحماية الأمريكية المباشرة خوفًا من سطوة المقاومة في مرحلة ما بعد الانسحاب.

 

تلك هي الأساطير القانونية العشرة التي تحيط بالمركز الدولي للعراق تحت الاحتلال، والتي تؤكد أن الاحتلال قد نال من سيادة العراق، وأن العراق سوف يستعيد سيادته عندما تنسحب الولايات المتحدة، وعندما تستقر في ربوعه علامات الرضا والتوافق بين طوائفه وأعراقه، ليعود مرةً أخرى عراقًا عربيًّا ديمقراطيًّا نافعًا لشعبه وأمته ومحيطه الإقليمي، آملاً أن يتنبه الكتاب العرب إلى هذه الحقائق، وأن يهتم الفقه العربي بإبرازها خدمة لعلم القانون وللحقيقة والمصلحة العربية.