لم يكن اعتقال د. جمال عبد السلام مدير لجنة الإغاثة والطوارئ باتحاد الأطباء العرب مفاجأةً؛ فكلنا ينتظر الاعتقال في أي وقت، وعندما تقترب سنة 2008م من نهايتها ويبدأ جرد الحساب فإن البعض في الأجهزة يلوم نفسه: لماذا أفلت فلانًا هذا العام من الاعتقال؟!
المفاجأة كانت في توقيت الاعتقال ونوعية الاتهامات وأسماء من تم إضافتهم إلى قضيته المنظورة أمام نيابة أمن الدولة العليا التي يجب على النائب العام اتخاذ قرار جريء وشجاع بإنهاء عملها وتوزيع القضايا على النيابات العادية؛ لأنها لم تَعُد تشغل نفسها بأمن الدولة كما أنشئت، ونضبت قضايا العنف والإرهاب، بل إن قضايا العنف أصبح يتم التحقيق فيها من خلال بالنيابات الأخرى، وأصبحت نيابة أمن الدولة متخصصةً في الخصوم السياسيين للنظام كالإخوان وكفاية وشباب 6 أبريل وبعض الأفراد الذين لا ينظمهم تنظيم أو جماعة، بل هو مجرد تيار عام، كالسلفيين أو ما يسمى السلفية الجهادية.
تعكس نوعية الاتهامات وما سبقها من اعتقالات للإخوان في الإسماعيلية والشرقية والإسكندرية مدى التخبط المصري في إدارة الملف الفلسطيني.
يتردد في كواليس الساسة أن السبب الرئيسي في ذلك التخبط وحالة التيه والارتباك هو دخول رجال أمانة السياسات والفكر الجديد الموالين لأمريكا المنهارة والمنهكة والراغبين في الحصول على الرضا الصهيوني، على خط توجيه الأجهزة السيادية التي تحتكر الملف الفلسطيني منذ زمن طويل، وزرع موالين لها في تلك الأجهزة.
مظاهر التخبط متعددة وما زالت تتوالى أمامنا، ومنها:
1- تصريحات وزير الخارجية أحمد أبو الغيط، والتي لا تتوقف، مهاجِمًا فيها أطرافًا فلسطينية مقاومة كحركة حماس بالذات والدفاع عن موقف العدو الصهيوني مثلما حدث مؤخرًا في اجتماع دولي حول حقوق الإنسان وحصار غزة، كما نقلته الصحافة العبرية والصهيونية، وإن تدخل الوزير المصري أنقذ وزيرة خارجية العدو من حصار اللجنة واتهاماتها الشديدة؛ مما دفع الوزارة بمصر إلى إصدار بيان رسمي تنفي فيه الوقعة.
والسؤال: إذا لم تكن الوقعة حقيقيةً فما الذي يدفع الصحافة الصهيونية اختلاقها؟! والسبب هو السلوك المتكرر للوزير المصري الداعم للعدو الصهيوني الذي يهاجم باستمرار موقف المقاومة الفلسطينية.
2- أحداث سيناء واعتداءات الأمن المصري على القبائل والبدو والحصار الخانق الذي تفرضه السلطات المصرية على أهالي سيناء اقتصاديًّا يُنذِر بعواقب وخيمة على الأمن القومي المصري، بينما لا يوجد تنمية حقيقية في سيناء تحقق لأهلها موارد جيدة.
لقد تم إبعاد المخابرات العامة بحنكتها وقدرتها السياسية ومرونتها وبُعد نظرها عن إدارة ملفات سيناء لصالح جهاز أمن الدولة الذي تعوَّد على تنفيذ التعليمات دون المشاركة بجدية في صياغة السياسات، وتعوَّد على الأساليب الفظة والغليظة؛ لأن مهمته تركِّز على حماية أمن النظام والحكام ضد الشعب المصري الثائر أو الغاضب، بينما يتبلور دور المخابرات في حماية الأمن القومي المصري للشعب والبلاد والأراضي؛ بما فيها نظام الحكم الذي يكتسب شرعيته- في نظر المخابرات والقوات المسلحة- من الرضا الشعبي والقبول العام وقدرات النظام على إرادة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والخارجية والعسكرية بكفاءة لصالح الاستقرار العام بمفهومة الشامل.
وعندما يصرِّح زعيم الأغلبية في لجنة الدفاع والأمن القومي بأن منع قوافل الإغاثة إنما يتم للتصدي لمخططات الصهيونية التي ترمي- كما نقلت صحف الخميس 18/12 عن د. عبد الأحد جمال الدين- إلى إعلان غزة منطقةً محررةً وتحمّل مسئوليتها للنظام المصري، وبذلك تصدِّر مشاكلها إلى مصر، وكذلك تصريحات متعددة لبرلمانيين وسياسيين أن هناك خطة صهيونية بتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وتزداد التخوفات عندما يتم إقرار مبدأ تبادل الأراضي الذي يقبل به محمود عباس والزمرة المحيطة به, وعندها سيكون مبدأ تبادل الأراضي مستقرًّا.
هل يكون التصدي للمخططات الصهيونية حول غزة وتكريس انفصالها والأطماع في سيناء بمثل هذه السياسات الحمقاء قصيرة النظر تجاه أهلنا في سيناء وتجاه تعمير وتنمية سيناء من الأساس؟!
إن جميع الباحثين يُجمعون على أن الحكومة المصرية المتعاقبة أهملت تنمية وتعمير سيناء وتركتها مستباحةً؛ يستطيع العدو القادم من الشرق أن يجتاحها في ساعات أو أيام كما حدث مؤخرًا في حرب 67 ومن قبلها 1956م، والتاريخ يحدثنا أن الدفاع عن سيناء ومصر يبدأ بتحصين فلسطين.. هذا درسٌ تعلمناه من رمسيس الثاني وأحمس في التاريخ القديم، ومن صلاح الدين وقطز في التاريخ لوسيط، ومن أعدائنا البريطانيين في التاريخ الحديث، فماذا فعلنا نحن؟!
شاركنا في حصار غزة وأهلها ففقدنا أي تعاطف شعبي مع مصر الرسمية، ومنعنا الإغاثة الشعبية وأحكمنا تجويع أهل غزة فأصبح الشعب المصري نفسه متهمًا بالتخاذل بعد أن كان دوره في مقاومة التطبيع والإغاثة الإنسانية يشهد به كل فلسطيني يلتمس العذر للحكومة.
الحجج التي يقدمها المدافعون عن الموقف المرتبك للحكومة والنظام المصري لا تخرج عن الحجج الآتية:
- لسنا بصدد الدخول في مواجهة مع العدو الصهيوني قد تُخرجنا إلى حربٍ جديدةٍ لم نحدد موعدها ولسنا مستعدين لها.
- القانون الدولي والشرعية الدولية تمنع مصر من فتح المعبر بصورة طبيعية.
- لا تريد مصر تبرئة العدو من التزاماته كقوة احتلال، ولا تريد أن تستقبل المشاكل التي يصدِّرها الصهاينة إلى مصر ولا الدخول في مقاومات قد تؤدي إلى ضياع سيناء.
- مصر لن تسمح بقيام إمارة إسلامية في غزة على حدودها تقودها حماس التي خرجت من مدرسة الإخوان المسلمين؛ وبذلك يتكرر سيناريو حدث مع السودان منذ عشرين عامًا، فهل يقبل النظام لمصري أن يحاصر بأنظمة إسلامية؟!
- الخروج من المحور الأمريكي الصهيوني- العربي مكلِّفٌ للخزانة المصرية وللاستقرار، ويهدد سيناريو انتقال السلطة في مصر الذي قد يحدث في أي وقت؛ مما قد يفجِّر الأوضاع الداخلية تمامًا، وقيود كامب ديفيد تكبلنِّا تمامًا.
- مصر خرجت من الصراع مع العدو، واعتبرت حرب أكتوبر آخر الحروب، ودعمت فتح مهمة التحرير بقيادة عرفات طوال الـ45 سنة الماضية، ويصعب عليها أن تحوِّل بوصلتها من جديد في ظل الانقسام الفلسطيني الحاد حاليًّا.
لسنا بصدد تنفيذ تلك الحجج؛ فقد كتب ويكتب كثيرون بكفاءة عالية حول تلك الحجج، ومن أبرزهم د. عبد الله الأشعل وم. محمد عصمت سيف الدولة، لكني أركِّز هنا على حجةٍ سخيفةٍ، وهي أن الموقف الشعبي- وفي القلب منه الإخوان المسلمون- ليس لوجه الله ولا لدعم قضية فلسطين، بل هو انحياز لحركة حماس التي تنتمي لمدرستها، وأن الصراع القائم والمواجهة المحتدمة بين النظام والإخوان وضع النظام المصري في حالة ارتباك أدت إلى أن يتم احتسابه- من جانب المراقبين- في صف العدو الصهيوني عندما يدمر الأنفاق ويحكم الحصار في غزة ويترك شعبًا من مليون ونصف المليون وقيادته الميدانية تحت سيف القتل البطيء أو الاغتيال السريع بحجة مواجهة الإخوان وفي إطار الصراع معهم.
لقد بدأ اهتمام الإخوان بالقضية الفلسطينية عام 1931 و1936م قبل وأثناء ثورة الانقسام، وجمعوا التبرعات لصالح الشعب الفلسطيني، واستمر ذلك الاهتمام، ولمن يريد المزيد فليراجع كتاب "مقالات حول القضية الفلسطينية" وهو الكتاب الـ11 في سلسة "من تراث الإمام البنا" التي يصدرها ويعدها مركز البصائر للبحوث والدراسات بجهد متميز من شباب الباحثين؛ في مقدمتهم الأستاذ إسماعيل تركي.
لقد تنوَّع اهتمام الإخوان بقضية فلسطين ماديًّا (بالتبرعات) وإعلاميًّا بكل الطرق والوسائل، وسياسيًّا واقتصاديًّا، وتكلَّل ذلك كله بالجهد العسكري الفدائي بالمشاركة العملية في حرب فلسطين 1948م، وقد خصَّص المرحوم كامل الشريف كتابه "الوثائق" حول تلك المشاركة- وهو مشهور- كانت أولى خطوات الإخوان هي الرسالة التي أرسلها المرشد العام إلى مفتي فلسطين الأكبر السيد محمد أمين الحسني عام 1931م وتلقَّى عليها ردًّا بالشكر.
تضمَّنت تلك الرسالة مقترحات الإخوان لعلاج بذور المشكلة الفلسطينية لكف المعتدين وشل حركاتهم في حدود السلم والقوانين في أربعة محاور:
الأول: للدفاع عن فلسطين: بإنشاء صندوق مالي إسلامي لقطع الطريق على شراء اليهود للأراضي، وتأليف اللجان في كل البلاد الإسلامية للدفاع عن المقدسات.
الثاني: لنشر الثقافة الإسلامية: بإنشاء جامعة فلسطين بالقدس وجامعة أخرى بمكة، ونداء لعلماء المسلمين لتهذيب الكتب الإسلامية وتصنيف كتب جديدة تفي بحالة العصر، ونداء لأغنياء المسلمين للاكتتاب لإصدار يومية من القاهرة.
الثالث: لربط الشعوب الشرقية: والسعي نحو الاتحاد مثلما يحدث في أوروبا بإنشاء عصبة للأمم الشرقية.
الرابع: الدفاع عن العقيدة الإسلامية.
ثم أضاف المرشد مشروعين مهمين: إنقاذ سكة الحديد الحجازية من اليد الأجنبية من إستنابول إلى المدينة المنورة، والثاني: مشروع مكتب الاستعلامات الإسلامي.
وظل اهتمام الإخوان بقضية فلسطين يتصاعد حتى وصل إلى ذروته بإعداد كتائب الفدائيين مع القوى الوطنية، وزارهم المرشد بنفسه على أرض فلسطين، وكانت النتيجة:
1- حل جماعة الإخوان المسلمين بقرار من الحاكم العسكري النقراشي باشا، واعتقال المجاهدين وإرسالهم إلى المعتقلات، وكان رد الفعل هو اغتيال النقراشي.
2- اغتيال حسن البنا الذي استحق لقب شهيد فلسطيني.
وبالفعل تم تحجيم أي نشاط للإخوان بصدد فلسطين حتى عاد الإخوان بقوة إلى الساحة مع إطلاق حركة المقاومة الإسلامية حماس منذ 21 عامًا في غزة والضفة والشتات التي تواجه اليوم تحديات جسيمة قد نعود إليها في مقال آخر.
قدَّم الإخوان تضحيات كبيرة من أجل فلسطين في سبيل الله تعالى، ومن أجل المصلحة الإسلامية والعربية والمصرية العليا، لا من أجل الإخوان أنفسهم؛ فما كان أغناهم عن تلك المحن المتتالية لو كانوا يعملون لأنفسهم وجماعتهم!!.
والآن مع اختتام هذه الكلمات، وصل قارب الكرامة من قطر "مبادرة أهل قطر" من لارنكا إلى غزة بدعمٍ من الحكومة القطرية وبجهودٍ لهيئات الإغاثة الخيرية، كجمعية "الشيخ عيد" المباركة، وأتحسَّر على الموقف المصري المرتبك والمريب الذي لم تَكْتَفِ الحكومة فيه ببيع الغاز المصري بأسعار بخسة للعدو الذي يمنع عن غزة الغذاء والدواء والكهرباء والطاقة، بل تدمر الأنفاق التي تعد شريان الحياة للقطاع المحاصر، كما قال تقرير الأمم المتحدة، بل تمنع الجهود الخيرية والحركات الشعبية المطالِبة برفع الحصار لتقديم العون للصامدين المجاهدين في قطاع غزة.
هل كل ذلك من أجل عيون محمود عباس؟! أم من أجل عيون جورج بوش؟! أم من أجل شيمعون بيريز؟! أصدقائنا الجدد وحلفائنا الجدد، أم من أجل عيون شخص آخر لا نملك اسمه حتى الآن؟!
المؤامرة على فلسطين والعرب والمسلمين ومصر أكبر وأخطرها مما نتصور.
فواصل
* عزاء واجب:
منعني دور برد من الذهاب إلى عزاء د. نور فرحات في وفاة شقيقه، وإلى النائبة جورجيت قلليني في وفاة والدتها، فخالص العزاء للأسرتين.
* الفائدة "صفر":
البنك المركزي الياباني ومعه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وصلا إلى الفائدة "صفر".. أين خبراء الاقتصاد من كافة الاتجاهات لتحليل هذا التوجه الذي يؤكد اليقين الإسلامي بأن الفائدة هي الربا المحرم وهي ليست أداةً فعَّالةً لتشجيع الادخار أو الاستثمار؟! أين البديل في منظومة متكاملة؟! أين يا شيخ الأزهر؟!
* ستون عامًا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
ستعقد نقابة الصحفيين الإثنين ندوة لكافة الاتجاهات حول حقوق الإنسان في مصر في ظل الذكرى الستين لصدور الإعلان العالمي.. موعدنا السادسة مساءً.
* القتل السهل والتعذيب الأهلي:
ضرب التلاميذ تحوَّل إلى قتلٍ مباشرٍ، ومطاردة المجرمين تحوَّلت إلى قتلٍ مباشرٍ، والخناقات الزوجية والخلافات العائلية ورفض الخاطبين تحوَّل إلى قتلٍ مباشرٍ.. إلى أين تتجه مصر؟! وما السبب في ذلك؟! وهل أصبحنا- كمجتمع- نقلِّد الحاكمين ولم تعد الشرطة وحدها في قفص الاتهام؟!
* محافظ المنيا والنحس الملازم له:
اللواء السابق أحمد ضياء الدين الذي تولَّى الدفاع عن الداخلية والحكومة ثم أصبح محافظًا للمنيا.. مكافأةً له يواجه سلسلةً من الكوارث الشنيعة التي سوَّدت صفحته كمحافظ.. هل هو عقاب إلهي؟! أم هو "خازوق" حكومي على رأي المثل "آخر خدمة الغز علقة"؟!