بعد أيام من الاعتقال والتحقيق والتعذيب أُحيل الصحفي العراقي منتظر الزيدي مراسل قناة (البغدادية) الفضائية إلى القضاء؛ بعد أن أعطى الرئيس الأمريكي المرتحل "قبلةً وداعيةً" بطريقة غاضبة جدًّا!! عبَّرت عن ضمير الملايين والملايين؛ من العرب والمسلمين والأحرار في العالم.

 

ولم تستمع الحكومة العراقية للمطالب الحقوقية والإعلامية بالإفراج الفوري عن منتظر؛ الذي رمى بحذائه الرئيس الأمريكي جورج بوش أثناء مؤتمر صحفي في بغداد؛ عقب توقيع الاتفاقية الأمنية، وذلك على هامش زيارة مفاجئة ووداعية له قبيل انتهاء فترة رئاسته رسميًّا الشهر المقبل.

 

وإذا أضفنا هذا السلوك الحكومي إلى جانب ردود الأفعال الضعيفة من جانب بعض منظمات حقوق الإنسان العراقية والعربية والدولية؛ التي لم تعبِّر عن وقوفها وتضامنها الكافي مع الزيدي، رغم أن حياته وسلامته في خطر حقيقي؛ فإننا نقف حائرين عند البحث عن تفسير لذلك.

 

إن من يستحقُّ المحاكمات في العراق أو أمام المحاكم الدولية المختصة هم رموز الإدارة الأمريكية الجمهورية التي قامت بغزو العراق تحت دعاوى التحرير ونشر الديمقراطية والرفاهية للشعب العراقي، في مقامرةٍ كاشفةٍ لنوع من النزوع الاستعماري الأهوج؛ حسب رأي الإستراتيجي الأمريكي زبيجنو بريجنسكي.

 

وقد خالفت هذه الحرب التي شنَّها بوش ورموز إدارته من الصهاينة واليمين المحافظ القانون الدولي؛ حيث حاولت واشنطن وبريطانيا الحصول على تشريع من مجلس الأمن للحملة العسكرية، ولكنَّ هذه المحاولات فشلت، إضافةً إلى أن الحرب خالفت أيضًا البند الرابع من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة؛ التي تنص على أنه: "لا يحق لدولة عضو في الأمم المتحدة تهديد أو استعمال القوة ضد دولة ذات سيادة لأغراض غير أغراض الدفاع عن النفس".

 

ولم تتحقق الديمقراطية؛ حيث كانت نتائج الغزو الأمريكي البريطاني كارثيةً على الشعب العراقي؛ فتعرَّضت هذه الدولة العربية لانهيار كامل خلال السنوات الماضية، ورمى جيش الاحتلال الأمريكي العراق بحمم من الموت والدماء والتعاسات والآلام، كما تم استغلال النزعات الطائفية للقيام بمجازر مروِّعة وتطهير مذهبي وتهجير سكاني، ووفقًا لأحد الإحصاءات يوم 8 أبريل 2007م قدّر عدد القتلى من المدنيين العراقيين الذين ثبتت وفاتهم بوثائق شهادة الوفاة بـ"التسعين ألفًا و149 إنسانًا"، فيما بلغ عدد القتلى من المدنيين العراقيين بدون وثائق شهادة الوفاة بعدد يفوق السبعة والأربعين ألفًا.

 

وفي هذا السياق من المفيد أن نشير إلى أن الكونجرس الأمريكي نفسه قد وجه اللوم لبوش ورامسفيلد؛ لأنهما ادَّعَيا وجود أسلحة دمار شامل بالعراق من أجل تبرير الغزو للرأي العام الأمريكي حيث أقرت لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأمريكي في سابقة هي الأولى من نوعها 7 يونيو 2008 تقريرًا مكتوبًا يوجه اللوم بشكل مباشر إلى الرئيس المرتحل- الذي وجَّه إليه الصحفي الزيدي حذاءه- بتهمة إساءة استخدام المعلومات الاستخباراتية لتبرير حرب العراق.

 

إن هذه المخالفات للقانون الدولي والجرائم ضد الدولة والشعب في العراق التي تسبَّبت فيها إدارة الرئيس الأمريكي المرتحل لم تكن تمثل الدافع الوحيد لغضب الصحفي منتظر الزيدي الذي عبَّر عنه بـ"قبلة وداعية على طريقته الخاصة"، وإنما كانت هناك أيضًا الاتفاقية الأمنية التي جاء الرئيس بوش في زيارة مفاجئة من أجل التوقيع عليها.

 

فالعراق قانونيًّا وواقعيًّا يعتبر بلدًا محتلاً حسب قواعد القانون الدولي المعاصر، واستنادًا إلى ذلك فإن مركزه القانوني غير متكافئ؛ مما يعني أن الاتفاقية تم توقيعها بطريق الإذعان؛ حيث تعتبر اتفاقية فيينا حول "قانون المعاهدات" لعام 1969م أن المعاهدة متكافئة إذا كانت بين طرفين متكافئين، وتم توقيعها على أساس الإرادة الحرة وبعيدًا عن الإكراه أو التدليس أو الغش، وهو ما لم يتحقق في تلك الاتفاقية التي فرضها المحتل الأمريكي على الحكومة العراقية.

 

وبناءً عليه: فإن كثيرين يتفهَّمون تمامًا غضب الصحفي منتظر الزيدي من هذه الاتفاقية التي فُرضت على العراق فرضًا مع غياب أي ضمانات لمساءلة جنود الاحتلال قانونًا، أو انسحاب المحتل الأمريكي عام 2011م؛ حيث تنتهي مدّة بقاء القوات الأمريكية في العراق؛ نظرًا لأن واشنطن يمكنها أن تتعلَّل بعدم تأهيل الجيش العراقي والحاجة إلى ضبط الأمن الداخلي ضد الإرهاب ومواجهة التهديد الخارجي كذرائع للبقاء دون تحديد سقف زمني للانسحاب.

 

إن حكومة المالكي مطالَبةٌ بالإفراج الفوري عن منتظر الزيدي انطلاقًا من الديمقراطية وحرية التعبير التي وعدت حكومة الرئيس بوش الشعب العراقي بها عند غزو البلاد سنة 2003م.

 

كما أن الإدارة الأمريكية الجديدة مطالبة هي الأخرى بإثبات حسن نواياها؛ من خلال التوسط في هذه القضية ومطالبة الحكومة العراقية بإطلاق سراح الزيدي وعدم توجيه اتهام له طبقًا للمادة 223 من قانون العقوبات العراقي، والتي تؤدي إلى حبسه سبع سنوات ونصف بتهمة الشروع بالاعتداء على رئيس دولة أجنبية، أو حتى المادة 413 من ذات القانون والتي تؤدي إلى حبسه لمدة حوالي سنة أو الغرامة أو أحدهما بتهمة إهانة رئيس دولة أجنبية.

 

وإذ تزداد المخاوف على سلامة حياة الزيدي بعد أن كشف شقيقه ضرغام لوسائل الإعلام عن أنه يتعرَّض لاعتداءات بدنية عنيفة خلال التحقيقات الجارية معه حاليًّا من قبل الحكومة العراقية؛ فإن الصحفيين العرب والكتاب والمثقفين مطالبون بدورهم بعدم الصمت تجاه مسلسل استهداف الصحفيين والأكاديميين والنشطاء، الذين يعبِّرون عن ضمير شعبهم ويكشفون للعالم الجرائم اليومية التي ترتكب في العراق.

----

* صحفي.