من المقرر قانونًا ودستورًا أن النائب يتحصَّن بعدة ضمانات دستورية حمايةً له من أن يُنتزَع من مقعده ويُحال بينه وبين مباشرة مهامه الدستورية كنائبٍ عن الأمة أو أن يُمنَع من حضور الجلسات.

 

وهناك قاعدتان دستوريتان في هذا الشأن:

الأولى: قاعدة عدم مسئولية النائب عن الأعمال البرلمانية:

نظَّم الدستور المصري في مادته (98) هذه القاعدة، وجاء النص الدستوري واضحًا بغير لبسٍ أو غموض؛ وذلك كالتالي: "لا يؤاخذ أعضاء مجلس الشعب عما يُبدونه من أفكار وآراء في أداء أعمالهم في المجلس أو في لجانه".

 

ومفاد هذا النص الدستوري أن النائب لا يُحاسَب على رأيه أو فكره حين يُبديه، وهو يؤدي أعماله البرلمانية في المجلس أو في لجان المجلس، سواء أكان ذلك من خلال وسائل الرقابة البرلمانية كالأسئلة أو طلبات الإحاطة أو الاستجوابات التي يُقدِّمها ضد الحكومة أو أعضائها أو طلبات المناقشة العامة أو الاقتراحات برغبة أو بقرارٍ أو لجان تقصي الحقائق أو لجان الاستطلاع والمواجهة أو العرائض والشكاوى، أم خلال حديثه في أية مناقشةٍ تجري في المجلس أو لجانه.

 

وقد تقرَّرت تلك القاعدة لتبث الطمأنينة في نفس النائب وهو يؤدي مهامه الدستورية في مواجهة الحكومة كرقيبٍ عليها، وهي تعني أن النائب حرٌّ لا قيودَ عليه؛ فهو نائبٌ عن الأمةِ يُمثِّل مصالحها ويُعبِّر عن تطلعاتها.

 

وأحبُّ التأكيد أن الأصلَ التاريخي لهذه القاعدة نشأ في إنجلترا، حين طالب النواب بها لحمايتهم من سلطان وسطوة الملوك والأمراء في إنجلترا، وحرصت كافة الدساتير في دول العالم على احترام تلك القاعدة والنص عليها كحقٍّ دستوري يحظى به النائب.

 

** نطاق تطبيق هذه القاعدة المهمة أنها تُغطي كافة أعمال الوظيفة البرلمانية والمهمة النيابية التي يؤديها النائب.

 

أما الأعمال التي لا تتعلق بهذه الوظيفة- حتى وإن تمَّت تحت قبة المجلس- يُسأَل عنها النائب كأي مواطنٍ، ولا تنسحب عليها أحكام تلك القاعدة، كما لو اعتدى النائب على زميله أو أي فردٍ بالضرب أو القتل فإنه يُحاسَب على ذلك.

 

نعم.. قد يُساء استخدام تلك القاعدة من البعض/ ووقتها تصبح سيفًا مصلتًا، وينحرف بها لتحقيق أغراض شخصية أو خدمة أهداف سياسية أو تصفية حسابات للنفس أو لصالح الغير، وهذه أسوأ ما في الممارسات النيابية.

 

هذه القاعدة ممتدة الأثر ذات أثر مطلقٍ، ولا تقتصر على فترةِ العضوية أو دور الانعقاد أو الفصل التشريعي، بل تمتد إلى الأبد، فلا يُسأل النائب عمَّا يُبديه من آراء وأفكار في المجلس أو في لجانه، حتى بعد انتهاء العضوية أو الفصل التشريعي، حتى لو حُلَّ المجلس أو فقد النائب مقعده بالإبطال أو الإسقاط.

 

كما أن هذه القاعدة من النظام العام فلا يستطيع النائب التنازل عنها، بل تقضي المحاكم بها وتُطبَّق أحكامها حتى ولو لم يتمسَّك بها النائب فيطبقها القاضي من تلقاء نفسه.

 

وأرى كذلك أن مقتضى إعمال تلك القاعدة (عدم مسئولية النائب) يمتد لتشمل غير النائب؛ فوسائل الإعلام وهي تمارس مهامها المهنية وتقوم بتغطية أعمال البرلمان تنقل إلى الرأي العام ما يدور بداخل المجلس ولجانه وتنشر آراء النائب وأفكاره منسوبةً إليه؛ فإذا كان النائب لا يُسأل عن آرائه وأفكاره التي يطرحها فمن بابٍ أولى لا يُحاسب الإعلامي الذي قام بنشرها كتغطيةٍ إعلاميةٍ لأعمال البرلمان ونوابه.

 

الضمانة الثانية: الحصانة البرلمانية:

وهذه ضمانة دستورية ثانية يتمتع بها النواب حمايةً لهم وضمانًا لوظيفتهم الدستورية، وقد نظَّم الدستور المصري قاعدة الحصانة البرلمانية في مادته (99) كالتالي: "لا يجوز في غير حالة التلبس بالجريمة اتخاذ أية إجراءاتٍ جنائية ضد عضو مجلس الشعب إلا بإذنٍ سابقٍ من المجلس".

 

وفي غير دور انعقاد المجلس يتعين أخذ إذن رئيس المجلس، "ويخطر المجلس عند أول انعقادٍ له بما اتخذ من إجراء".

قاعدة تمتع النواب بالحصانة البرلمانية قاعدة إجرائية تحول دون اتخاذ أي إجراءات جنائية ضد عضو مجلس الشعب إلا بعد أخذ إذنٍ من المجلس أو رئيسه في غير دور الانعقاد، وهذه القاعدة مقرَّرةٌ حمايةً للنائب أن يُحال بينه وبين مباشرة مهام وظيفته البرلمانية وحضور جلسات المجلس، كما أنها حماية وضمانة مهمة للمهمة النيابية التي يُؤديها النائب؛ حتى يشعر النائب بالأمان وكامل الحرية فيمضي في أداء مهامه البرلمانية دون خوفٍ من أية سلطةٍ أو سلطان.

 

والملاحظ أن الحصانة الممنوحة دستورًا للنائب تحول دون اتخاذ الإجراءاتِ الجنائية فقط إلا بإذنٍ، ولكنها لا تحول دون الدعاوى المدنية، فلا يتمسك بها النائب أو وكيله أمام المحاكم المدنية.

 

والحصانة مقرَّرة ضد جرائم الجنايات والجنح والمخالفات، ولا تقتصر على القبضِ أو الحبس الاحتياطي فقط، بل تمتد إلى سائر الإجراءات الجنائية في مقابلةِ النائب من سماع أقوال أو اتهام أو توجيه سؤال.

 

وتسري الحصانة من القسم حتى انتهاء العضوية؛ فهي تدور مع العضوية وجودًا وعدمًا، وتستمر أثناء دور الانعقاد وأثناء فترة العطلة البرلمانية.

 

أما في حالات التلبس بالجريمة فليس للحصانة أثر مانع أو موقف للإجراءات الجنائية؛ فحالة التلبس تُبيح لسلطة الضبط القبض فورًا على النائب واتخاذ كافة الإجراءات الجنائية في مقابلته، بل والحكم عليه دون حاجةٍ لاستئذان المجلس.

 

ويثور خلاف بين فقهاء القانون عن أثر اكتساب النائب للعضوية وتمتعه بالحصانة ضد الإجراءات الجنائية التي اتخذت قبل أن يصبح عضوًا، فهل توقف العضوية اتخاذ بقية الإجراءات؟ وهل تحول الحصانة البرلمانية التي اكتسبها النائب حديثًا دون استكمال الإجراءات الجنائية ضده عن فعل مؤثم منسوب إليه ارتكابه قبل العضوية؟

 

والراجح عندي أن الإجراءات السابق اتخاذها تستمر في مواجهة النائب ما دامت قد بدأت صحيحةً.

 

الحصانة لا توقف تنفيذ العقوبة الصادرة على النائب حتى ولو كانت مُقيِّدةً للحرية؛ فإذا حُكِمَ عليه بالسجن أو الحبس مثلاً يقضي النائب هذه العقوبة، فضلاً عن أنه قد يُعَد فاقد الثقة والاعتبار، ومن حق المجلس أن يُسقط عضويته لذلك.

 

جديرٌ بالذكر أن قاعدةَ الحصانة البرلمانية قاعدة إجرائية بحتة؛ من شأن إعمالها أن توقف اتخاذ إجراءات جنائية في مواجهة النائب حتى يأذن المجلس، لكنها لا ترفع عن الفعل المنسوب للنائب صفة الجريمة.

 

على عكس قاعدة عدم مسئولية النائب عن الأعمال البرلمانية فهي قاعدة موضوعية ترفع صفة الجريمة عن مجموعةٍ من الأعمال يقوم بها النائب، وهي ما يُبديه من آراءٍ وأفكارٍ في المجلس أو لجانه.

 

وكلتاهما من النظام العام؛ لا يجوز للنائب التنازل عنهما، ولا يستطيع قبول التحقيق معه أو المحاكمة دون إذنٍ سابقٍ من المجلس.

 

حق المجلس في الإذن باتخاذ الإجراءات الجنائية ضد نوابه حق أصيل بنص الدستور؛ حمايةً للمجلس ونوابه، ويختص المجلس- دون غيره- بالتحقق من أن هذه الإجراءات الجنائية المراد اتخاذها ضد النائب لم يقصد بها منع النائب من مباشرة وظيفته البرلمانية وأداء مهامه الدستورية والتأكد من عدم الكيدية وتصفية الحسابات من قبل خصومه.

 

نواب مجلس الشورى يتمتعون بالحصانة البرلمانية وعدم المسئولية عن الأعمال البرلمانية؛ شأنهم في ذلك شأن أعضاء مجلس الشعب.

 

نص الدستور المصري في مادته (205) على أنه "تسري في شأن مجلس الشورى الأحكام الواردة بالدستور في المواد...، (98)، (99)...".

 

وهذا النص الدستوري حاسمٌ في تمتع نواب الشورى بالحصانة المقررة لنواب مجلس الشعب.

 

وأخيرًا.. نظرًا لتمتُّع النواب بالحصانة البرلمانية ضد اتخاذ الإجراءات الجنائية أصبحت عضوية البرلمان مطمعًا ومطمحًا للكثيرين الراغبين في الحصانة، ولم تَعُد العضوية منحصرةً في السياسيين فقط؛ فقد شهدت الفترة الماضية توافد طائفة رجال الأعمال وأصحاب المال على البرلمان بمجلسيه، وفي برلمان 2005م شهد زحفًا من هذه الطائفة على حساب رجال السياسة.

 

وهذا الوضع يُثير قلقًا ويبعث مخاوف عدة؛ فالمال قوة طاغية تكتسح كافة الميادين، فإذا انضم إلى قوة المال سطوة السلطة واقترن المال بالسلطة اقترب الجميع من الخطر الداهم الذي يهدِّد الدولة والمجتمع والحاضر والمستقبل.

 

بعض رجال الأعمال وأصحاب المال لا يكتفي بقوةِ المال فيريد أن يتوسَّع في نشاطاته المالية، وأن تنفتح له بعض الأبواب الخاصة التي يحتكرها أصحاب النفوذ في الدولة، فيشق طريقه إلى البرلمان على أمل أن يخترق هذه الدائرة النافذة القادرة فيحقِّق لنفسه النمو والانتشار.

 

والبعض منهم ليس في حاجةٍ إلى النمو أو الاختراق أو الانتشار، ولكنه يرغب في تأمين كافة المكتسبات التي حصدها من قبل، ويرغب في أن يتحوَّل إلى محميةٍ سياسيةٍ، وترفع بجواره لافتة "ممنوع الاقتراب أو التصوير"، فترتفع حوله الجدران العازلة التي تحمي أنشطته- سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة- وتمنع البصاصين أو المتطفلين من النفاذ إلى محميته المالية السياسية.

 

كما أن شهوة المال وتوابعها من نفوذٍ واستحواذٍ واقتناءٍ تتأجَّج في نفس البعض، فلماذا لا يضمُّ مقعد البرلمان إلى مقتنياته الغالية التي تتخذ مثالاً للفخر والاعتزاز.

 

إن اقترانَ سلطة المال وسطوة السلطة يفتح الباب على مصراعيه لشبهات الفساد والإفساد والاستحواذ، وينعكس سلبًا على الأجيال الشابة التي تتطلَّع أمامها فتجد البلاد انحصرت واختزلت في مجموعةٍ من الأفراد والعائلات حازت كل شيء.. المال والأعمال والبرلمان والمقامات، ولم يتبقَّ لهم شيء ذو قيمة، ولو استمرَّ الأمر هكذا نخشى أن تفقد هذه الأجيال ولاءها للوطن وانتماءها.

 

لو كان المناخ السياسي السائد في مصر ملائمًا لحياةٍ سياسيةٍ صحيةٍ قويةٍ تسمح للجميع أن يعمل بحريةٍ كاملةٍ وديمقراطيةٍ صحيحةٍ حقيقيةٍ وَفْقَ منظومةٍ قانونيةٍ متكاملةٍ تحافظ على الحقوق الأساسية للمواطن، وفى مقدمتها حقوقه السياسية، وتضمن تداولاً حقيقيًّا للسلطة وإعلامًا محايدًا متاحًا للجميع، لو كان الأمر كذلك ربما يقل انزعجنا من ظاهرة اقتران المال بالسلطة.

 

وإلى حين أن تدرك الحياة السياسية في مصر هذا الأفق الذي نتطلَّع إليه ويترقبَّه كل المخلصين لبلادهم، فإن علامات الخوف والقلق وإشارات الإنذار وشارات التحذير تزداد يومًا بعد يوم.

--------

* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.