منتظر الزيدي.. الصحفي العراقي الذي قذف الرئيس بوش بحذائه.. حظي بتعليقات سياسية واسعة وشغل الإعلام والرأي العام، وعبَّر عن مشاعر المنطقة والعالم بطريقة عبثية تتلاءم تمامًا مع عبثية سياسات بوش في العراق، وأقنعتْه بأن شعوره بالفخر لأنه حرَّر العراق ليس له أساس، فلم يستقبله الشعب العراقي والعربي بالورد لأنه حرَّر شعبًا عاجزًا أمام رئيسه من هذا الطاغوت، وربما ظن بوش أن النموذج العراقي مطلوبٌ في عدد آخر من الدول العربية، وبالفعل أزعج بهذه السابقة بعض الزعماء العرب.
ولكن الشعوب العربية التي تناضل ضد حكامها في الداخل لا تخلط بين ضياع الوطن وسقوط النظام، ولا تقبل هذا المحتل بأي ثمن، وتلك باختصار كانت رسالة الحذاء في هذه الوقعة، كما كانت أبلغ رد على توقيع الاتفاقية الأمنية التي أريد بها حماية النخبة السياسية التي تُقيم بمقر قوات الاحتلال، وأن يستمر الدجل القانوني الذي بدأ منذ عِقدين على الأقل مما فصلناه في مناسبات أخرى؛ إذ تزعم واشنطن أن الاتفاقية الأمنية هي الأساس الجديد البديل عن "قوات التحالف"، وفق قرار مجلس الأمن رقم 1790 في ديسمبر 2007م، وأنه بهذه الاتفاقية أصبح العراق مستقلاًّ عن وصاية الأمم المتحدة التي فرضتها بالقرار 661 عام 1990م، وكلها أساطير قانونية لا تقنع إلا أصحابها، ولا سند لها في القانون الدولي.
فما هو الوضع القانوني للصحفي العراقي في خارج دائرة الإعلام والسياسة، والذي يجب الإصرار عليه في التعامل مع هذه القضية؟!
هناك نظريتان تتنازعان حكم هذه الحادثة..
النظرية الأولى: ترى أن العراق دولة مستقلة ذات سيادة؛ وفقًا للبيانات والمقولات الأمريكية وقرارَي مجلس الأمن 1546، 1790 وغيرهما والاتفاقية الأمنية، بعد نفاذها في يناير 2009م، ومن ثم يشكِّل عمل الصحفي العراقي اعتداءً على رئيس دولة حليفة للحكومة العراقية يزور العراق ليؤكد ما قدَّمه للعراق من حرية وديمقراطية وازدهار في هذه الحالة، يقدم الصحفي إلى القضاء العراقي المختص ويخضع لطائلة القانون العراقي الجنائي 111 الصادر عام 1969 وخاصة المادة 226 منه والتي تعالج حالات الاعتداء أو النيل من رؤساء الدول الأجنبية أو ممثيلها الدبلوماسيين وغيرهم أو المنظمات الدولية، أو مباني البعثات والمنظمات والعاملين فيها، وتتراوح العقوبة بين ثلاثة وسبع سنوات أو بغرامة أو بالسجن والغرامة وفق ظروف القضية.
وتطبيقًا لهذه النظرية يمتنع على السلطات الأمريكية أو القوات الأمريكية التعرُّض للمواطن العراقي، وتسأل الحكومة العراقية وحدها عن سلامته وفترة احتجازه وعن محاكمته محاكمةً عادلةً؛ وفق المعايير الجنائية المعروفة في النظم القانونية الوطنية والدولية، ويجوز أن تحضر المنظمات الحقوقية جلسات المحاكمة والاطِّلاع على صحيفة الدعوى، وأن تراقب سلامة الإجراءات، بشرط أن يحاكَم الصحفي المتهم أمام قاضيه الطبيعي ووفق القانون القائم، ولا يزال العالم يذكر سابقة محاكمة صدام حسين وفق المزاج الأمريكي.
النظرية الثانية: أن العراق إقليم محتل تحكمه أحكام القانون الدولي، وأن الدولة المحتلة هي التي تضع القوانين وتعيّن القضاة وتعدّ الأحكام وتنفّذها بأيدٍ عراقية، وهي التي وضعت للبلاد دستورًا يناسب السلطة المحتلة.
يترتب على ذلك أن ما قام به المواطن العراقي قانونًا عملٌ من أعمال المقاومة هذه المرة؛ ليس ضد سلطات الاحتلال وإنما ضد رأس الدولة المحتلة، الذي جاء إلى العراق ليضلِّل الجميع، خاصةً أنه أعلن أسفه لما ألحقه بالعراق وغزوه واحتلاله، بناءً على معلومات استخباراتية ملفّقة، وهو يعلم أنه هو الذي لفَّقها وأمَر بإعدادها، وسوف يتعرَّض يومًا للمحاكمة على الدور بأكمله.
في هذه الحالة فإن اتفاقية جنيف الثالثة هي التي تحكم وضع الصحفي؛ باعتباره أسير حرب، ويجب أن تتدخل اللجنة الدولية للصليب الأحمر لضمان سلامته وإبراز مسئولية دولة الاحتلال- القوة الآسرة- عن سلامته، وأن تتم محاكمته أمام محكمة دولية ووفق أحكام القانون الدولي.
ولا يجوز الاعتداد بما تقوله الحكومة العراقية من أنه بحوزتها، وأنها هي التي تتولى ملفَّه؛ لأن الحكومة والاحتلال سواء، لا فرق بينهما في هذا السياق.
إن قذف الرئيس بوش بالحذاء هو أعظم تعبير من العالم العربي عن شعوره تجاه بوش والاتفاقية والجرائم التي ارتُكبت في العراق وامتهان الإنسان العراقي، وأوقع في الدلالة من اغتيال الرئيس.
لقد فتح التاريخ للصحفي العراقي صفحةً نادرةً لتسجيل هذا العمل، كما أتاح لبوش قبل أن يرحل من يُفهمه أنه يُفسد في الأرض ويدَّعي أنه يُحسن صنعًا، ولعل الرئيس بوش لا يزال يعتقد أنه أحسن إلى قوم أساءوا إليه.
وأخيرًا.. فإن هذا الترتيب الإلهي أراده الله حتى يبرِّئ السماء مما زعمه بوش بأنه دمر العراق بتكليف من الله وأنه مبعوث العناية الإلهية، فكان الحذاء العراقي أبلغ رسالة احتقار بعد أن نبذه الشعب الأمريكي في أوسع استفتاء على سياساته خلال انتخاب أوباما، ونرجو أن يكون ذلك عبرة لكي يراجع الحكام أعمالهم، ومما يعزز هذا التحليل- حتى وفقًا للرواية الأمريكية- لا يزال العراق محتلاًّ وأنه سيستعيد سيادته على الورق طبعًا في الأول من يناير القادم بعد نفاذ الاتفاقية الأمنية.