مظاهرات تَعُمّ جميع المدن اليونانية.. اعتصامات.. دعوة إلى إضرابات عامة.. كل هذا من أجل قيام أحد ضباط الشرطة بإطلاق الرصاص على الصبي "إلكساندروس جريجوروبولوس" (15 عامًا) فأرداه قتيلاً!.

 

وزير الداخلية اليوناني قال للشعب: إن الصبي كان يرشق سيارة الشرطة بالحجارة، وإن الطلقات كانت تحذيريةً فكان الرد الحاسم، وهل الطلقات التحذيرية تصيب فتقتل؟! قدَّم وزير الداخلية استقالته على الفور، إلا أن رئيس الوزراء اليوناني أرجأ النظر فيها.

 

هذا هو الحدث الجلل التي تعيشه اليونان هذه الأيام؛ فهو حدثٌ يستحق غضب شعب متحضِّر؛ لأن إنهاء حياة شاب في مقتبل العمر بهذه الصورة وتصدير الحزن لأهله وذويه أمرٌ خطيرٌ وعظيمٌ؛ فإعدام الأشخاص لا يتم عن طريق رجال الشرطة المنوط بهم حفظ أرواح المواطنين لا سرقتها.

 

حتى لو أخطأ "إلكساندروس" وقذف الشرطة بالحجارة وكدَّر الأمن العام واندسَّ مع القلة المندسَّة، فكل هذا لا يعطي أحدًا الحق في أن يسحقه ويمحوَه من ذاكرة الوطن والحياة.

 

أما القتل بدم بارد فليس في قاموس تلك الشعوب، مثله مثل التزوير تمامًا؛ فهم يعرفون تزوير النقود.. تزوير المستندات، لكنَّ في تزوير الانتخابات يستنكرون ويعجبون بشدة، ويقولون: كيف تكون انتخابات وتُزوَّر؟! فلماذا إذن من الأصل عمل انتخابات؟!

 

وللأسف.. هم لا يعلمون أنه ما زال هناك شعوب بأكملها يتم ضربها على قفاها واستغفالها برضاها أو بغير رضاها ما دامت هذه الشعوب لا تريد العزة والكرامة ولا تريد أن تحيا مثل بقية خلق الله.

 

نعود إلى الأخبار الواردة من اليونان؛ فهي تفضحنا و"تجرِّسنا" كشعب عريق مثل شعب اليونان، الذي ينتفض ويهبّ؛ ليس للبحث عن القصاص لمقتل الصبي؛ فهذا أمر بديهي، ولكن لتوصيل رسالة مفادها: لا.. نحن شعوب محترمة.. ليس هكذا يتم التعامل معنا.. عندنا آدمية وإيجابية.. عندنا كرامة.. لن نفرِّط في حريتنا وكرامتنا وأرواحنا.

 

فالسكوت عن حادثٍ مثل هذا يرشِّحه للتكرار، وفي مفهوم الشعوب الواعية أن السكوت عن الظلم يجعله ينتشر ويطال الجميع.

 

أما في مصرنا الحبيبة المشغولة حاليًّا بغيبوبة شعبان عبد الرحيم وموسم التحرُّش السنوي بعد هدوء عاصفة سوزان تميم وليلى غفران، فمثل هذه الحوادث تمر عابرةً عليها!.

 

فمقتل ميرفت عبد الستار قتيلة سمالوط وهي حامل في بيتها بدون أن تقذف أحدًا بحجارة أو ترشّه بقطرة ماء؛ مر كخبرٍ تتناقله الصحف والفضائيات، وتكرر بصورة مذهلة بعدها في مقتل بطل كرة اليد في مدينة نصر وفي أسوان، وقبله عشرات وعشرات، دون أن يرمش جفن لهذا الشعب الطيب المهاود "ابن الحلال".

 

وأزعم أن حالةً مثل مقتل ميرفت عبد الستار وهي حامل؛ لو حدثت في اليونان لاستقال جميع المسئولين هناك، وربما مسئولو الدول المجاورة!.

 

أعجب دائمًا من كرم الشعب المصري مع المسئولين في هذا البلد!! تُرفع الأسعار.. تنتشر البطالة والعنوسة.. تُجمَّد الأحزاب والنقابات.. تُزوَّر الانتخابات.. تُسرَق ثروات البلاد.. يَعُم الفساد.. تُملأ المعتقلات.. يُعذَّب المئات.. يُقتَل العشرات؛ ولا يشكو ولا يتذمَّر ولا يتضايق!!.

 

يمكن أن يتمتم ببعض الكلمات بأنها أيامٌ لا يعلم بها إلا ربنا، ولا يبذل مجهودًا ليتعرَّف على حقيقة هذه الأيام ومحاولة تغييرها.

 

يا شعب مصر..

لماذا هذا التفريط الخيالي في أمور حياتك بل وفي أرواحك وأرواح أولادك؟! لماذا تبذل أرواحك رخيصةً في الشوارع وفي أقسام الشرطة؟!

 

يا شعب مصر..

يمكن أن تُمنَح علاوة.. منحة، لكن الحقوق والكرامة والحريات لا تنتظر أن يتم توزيعها؛ فسنَّة الله في أرضه تحتاج إلى تضحيات لتُنتَزع.

 

يا شعب مصر..

لك في شعب اليونان قدوة حسنة.

---------

* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان

haythamabokhalil@hotmail.com