ماذا قدمنا لأجل غزة؟ ولم لا نفعل كذا وكذا وكذا؟! أسئلة تتردَّد في نفسي ونفوس إخواني..
لكن السؤال الذي ينبغي أن يقضَّ حقًّا مضجع صاحبه: ماذا فعلت أنا من أجل غزة؟! وكم بذلت مباشرة لنصرتها؟!

 

ماذا أنفقت من مالي الخاص لإطعام الجوعى وعلاج المرضى وإغاثة الملهوفين هناك؟! كم شغلت أهل بيتي ودفعتهم معي لنصرة هؤلاء المستضعفين؟ وكم من أقاربي وجيراني وزملاء عملي أجهدت نفسي لتبصرتهم بفداحة ما يحدث واشتراكهم في المسئولية تجاه القضية؟ كم خاطرة في مسجدي ألقيتها؟ وكم رسالة محمول أرسلتها؟ هل أسارع في حضور مؤتمرات نصرة غزة، فضلاً عن الدعوة إليها بكامل طاقتي دون حاجة إلى من يدفعني، ودون تردّد ولو كان فيه اعتقالي مثلما يلبِّي المجاهد نداء الجهاد؟! ثم.. هل قدَّرت مسئوليتي إذا ما قصَّرت واستشعرت أنني أحدُ أسباب وهن الأمة وتخاذلها إذ اكتفيت- كغيري- بالمطالبة دون العمل؟!

 

لست أدري لِمَ يستثني بعضُنا نفسَه من بعض ذلك أو كله، ويكتفي بمطالبة إخوانه، متعلِّلاً بأعذار  حياتية أو دعوية؟ وهذا خطأٌ محضٌ، ولو كان صحيحًا، ومفاده أن ينسحب هذا الاستثناء تدريجيًّا على الغالبية للعلة ذاتها والتي لا ينفك منها أحد؟!

 

لقد لفتت أحداث غزة وردود الفعل تجاهها انتباهي، وأحيت هذا المعنى بشدَّة في نفسي مرةً أخرى، إنه لمن الضروري أن ينظر كل منا إلى نفسه في كل موطن من مواطن البذل ليعلم أين مكانه.. بين أهل القول أم أهل العمل؟!

 

كم من المرات ألزم الأخ منا نفسه قبل السعي لنصح إخوانه؟ وبتعبير أوضح: كم من المرات بدأ بنفسه قبل البدء بالآخرين؟ ومتى سعى إلى العمل قبل الكلام؟

 

إن فاقد الشيء لا يعطيه، وكما أن أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم؛ فإن الأسرع في إنفاذ النصيحة هو حرص صاحبها على تطبيقها أولاً على نفسه.

 

ما أكثر من بُحَّ صوته منا لدفع من حوله إلى قيام الليل دون جدوى؛ لأنهم لم يلمحوا فيه يومًا سمت القوَّامين، ولم يشتمُّوا منه رائحة المتبتِّلين، ولم يرَوا منه غير النصح والإرشاد.

 

موهوم أنا وأنت لو ظننا أن نصائحَنا ينبغي الأخذ بها دون أن تمتزج بعرَقنا وجهادِنا ليرى الآخرون قيمتَها الحقيقية، فضلاً عن قابليتها للتطبيق!، وعجبًا لي ولك عندما نستنكر تقصير الآخرين، رغم نصائحنا لهم، بينما نحن أول المتخلِّفين، وليغفر الله ذنبي وذنبك إذا شُغِلْنا بنصح الآخرين ولم ننصح أنفسنا أو أَجَدنا الكلام دون فعل يصدقه.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3)﴾ (الصف).

 

ورحم الله إمامنا الشهيد حينما قال: "أيها الإخوان: ميدانكم الأول أنفسكم؛ فان انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإن أخفقتم في جهادها كنتم عما سواها أعجز؛ فجرِّبوا الكفاح معها أولاً".