لم تسلَّط الأضواء كما يجب على المؤتمر الدولي لتمويل التنمية الذي بدأ أعماله يوم السبت الماضي في الدوحة بحضور الأمين العام للأمم المتحدة وممثلي 145 دولة؛ بينهم رؤساء دول عربية وإسلامية وأجنبية.
فمؤتمر الدوحة الدولي كان اقتصاديًّا في عنوانه ومضامينه، لكنه كان أيضًا سياسيًّا بامتياز في الخطب المهمة التي حملتها جلسته الافتتاحية والجلسات التالية، لا سيما لجهة كشف الثغرات الكامنة في العلاقات الدولية الراهنة، وفضح المؤسسات البالية التي تدير شئون العالم، لا سيما الاقتصادية منها؛ مما يسمح بتسمية هذا المؤتمر بمؤتمر "تعرية" للنظام الدولي القائم ومؤسساته لا بمؤتمر "تنمية" فقط.
لقد تناوب أمير قطر ورئيس الجمعية العمومية للأمم المتحدة الثائر النيكاراجوي العتيق، والرئيس الفرنسي الذي مثَّل الاتحاد الأوروبي، والرئيس الإيراني في كلماتهم على تحميل النظام الاقتصادي الدولي الراهن مسئولية الأزمات التي يواجهها عالم اليوم، خصوصًا مع "مؤسساته البالية" التي تعود إلى القرن الماضي، حسب كلام ساركوزي، ومع "دول متقدمة" تحاول تحميل غيرها مسئولية ما تتحمل هي مسئوليته، حسب كلام أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والذي لم يُخْفِ بدوره أيضًا تبرُّمه من "إملاءات" هذه الدول المتقدمة، متمنيًا لو أن ما أنفق في الحروب على الإرهاب أنفق على التنمية التي هي وحدها مظلة للأمن والاستقرار والسلام في العالم.
لم يخرج العديد من الرؤساء- بمن فيهم من هو معروف بصداقته لواشنطن- عن هذا السياق الاتهامي الواضح للنظام الدولي الاقتصادي والمالي والأحادي القائم، بل إنهم بكلماتهم تلك سمحوا لنا بالقول إن هذا المؤتمر كان علامة جديدة من علامات التحول البارزة في عالم القرن الحادي والعشرين، بل أكدوا أن هذا المؤتمر مثلما هو تعبير صارخ عن هذا التحّول، فهو في الوقت نفسه إسهام فاعل في عملية التحول ذاتها.
وإذا كان من المؤسف أن العديد من وسائل الإعلام العربية لم يُعطِ هذا المؤتمر- على أهميته- حقَّه، فإن جميع الدارسين والمحللين في الاقتصاد والسياسة مدعوون إلى متابعة مداولات المؤتمر وقراءتها بدقة من أجل أن يدركوا حجم "الانتفاضة" التي يشهدها العالم على سياسات المرحلة الماضية وعلاقاتها ومؤسساتها.
إن "التغيير" الذي كان شعار أوباما وقاده- من ضمن أسباب أخرى- إلى الوصول إلى البيت الأبيض، يتحول ليصبح شعارًا عالميًّا لا يردده الثوار واليساريون والاشتراكيون فقط، بل يحمله أيضًا رموز عريقة من قلب اليمين الغربي ومن قلب الأنظمة المحافظة في العالم.
لقد كشف مؤتمر قطر- كما كشفت قمة العشرين قبله في نيويورك، ومعها الكثير من التحولات الإستراتيجية في العالم- ما ردَّدناه دومًا بأن الذي يسقط هذه الأيام ليس مجرد أشخاص أو إدارات أو حكومات، بل هو "منظومة" ملأت الكون جَورًا وعسفًا وفسادًا، فإذ بها تختنق بما صنعت يداها.
ولكن هل يكفي أن تُهزم "منظومات" الاحتكار والاستعباد والإذلال حتى تنتصر الشعوب، خصوصًا حتى تنتصر أمتنا العربية؟ أم أن للنصر آلياته وعلاقاته وأدواته وقواعده القائمة على التواصل، المؤدي إلى التضامن، والتكامل المتجه نحو الوحدة، والتراكم المحقق للإنجاز؟ وكلها قواعد ينبغي لنا أن نتقنها لكي لا يقال إننا- كعرب- نعرف كيف نهزم أعداءنا لكننا لا نعرف كيف نحمي انتصاراتنا ونبني نهوضنا ونحقِّق أهدافنا.