لا شكَّ أن حق العودة هو حقُّ كل مواطن بصورةٍ فرديةٍ محروسًا بحماية كل الأديان والاتفاقات والمواثيق الدولية، وهو حقٌّ أصيل لا يُغني عنه تعويض أو وطن بديل!.

 

هكذا بدت قضية الشعب الفلسطيني في الشتات ومؤتمرهم المنعقد لتوكيد هذا الحق في دمشق يومي 23 و24 نوفمبر 2008م، لكن ما أريد أن أتحدَّث عنه ليس الملتقى الذي كنت مدعوًّا إليه، بل كنت مقررًا لوفد اتحاد الأطباء العرب الذي ضمَّ خيرة المقاومين في الشعب المصري مع حفظ الألقاب (د. عبد المنعم أبو الفتوح، د. علي الغتيت، د. عبد الله الأشعل، المستشار محمود الخضيري، النائبين محمد بلتاجي وحازم فاروق، والفنان عبد العزيز مخيون، ود. حسن أبو طالب، وغيرهم).

 

ولكن أمن المطار أعادني والدكتور عصام العريان فقط إلى منزلَيْنا احترامًا منه لحق العودة الفوري في حماية الأمن المصري!!، وكم ذا بمصر من المضحكات، لكنه ضحك كالبكاء!!
نعم.. فقد أنقذ الأمن المصري بثاقب رؤيته وحكمة قراره الملتقى في دمشق من عبث العابثين مثلي أنا وعصام العريان، وحافَظَ على نجاح الملتقى بتغييبنا، كما حمى الأمن القومي المصري من الاختراق والتشويه على أيدي مخرِّبين من أمثالنا!، بل لقد وفَّر وهيَّأ الأمن المصري بمنعنا من السفر حالة الاستقرار في البلاد!، باختصار.. لقد نجح الأمن المصري في إنقاذ البلاد والعباد من مصائب وكوارث قد تحدث لو سمح لنا بالسفر!!، هكذا حقَّق الأمن المصري برئاسة الوزير المُحصَّن حبيب العادلي بصورة عملية حقَّ العودة لنا، لكن على حساب من؟ أقول: على حساب الشعب والدستور والشرعية.

 

لقد تم منعي للمرة الثانية عشرة؛ لأن كمبيوتر المطار مكتوب عليه أمام اسمي "منع أمن دولة" بغير حكم أو قرار قضائي، إنما بقرار على بياض بتوقيع وزير الداخلية، وهو ما رفضته محكمة القضاء الإداري وقضت به لي ثلاث مرات؛ آخرها في سبتمبر 2007م، وهو عين ما قضت به المحكمة الإدارية العليا؛ حيث انتهى مجلس الدولة إلى عدم اختصاص وزير الداخلية بإصدار قرارات المنع من السفر، وإن كان لملاحقة المتهمين من تنفيذ الأحكام القضائية!!، ومن ثم لا يجوز لوزير الداخلية إصدار قرارات المنع من السفر؛ لكونه من اختصاص القاضي المختص بذلك أو أحد أعضاء النيابة العامة.

 

وأكدت المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة برئاسة المستشار إسماعيل صديق نائب رئيس المجلس أنه بعد صدور حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية المادتين 8 و11 من القانون 97 لسنة 1959 بشأن جوازات السفر، وبعد حكم الدستورية العليا بعدم دستورية المادة 3 من قرار وزير الداخلية 3637 لسنة 1969م، فإن قرار المنع من السفر لا يملكه إلا قاضٍ أو عضو نيابة عامة يعهد إليه القانون بذلك دون تدخل من السلطة التنفيذية!!، ورغم هذا الحسم والوضوح إلا أن الوزير لم يلتفت إلى قانونية أو دستورية قراره!، المهم هو تنفيذ الأمر.

 

ولم نغادر المطار إلا بعد أن طلبنا مدير أمن المطار، وقد جاء وردد نفس ما قاله مدير الوردية وفي وجود الأخفياء الأشقياء من أنني مجرد منفِّذ ولست صاحب قرار هنا، حتى وإن خالف ذلك القانون والدستور والعقل والمنطق!!.

 

هذا الموقف المتكرر من نظام الحكم ضد الدستور والقانون الذي صدَّعوا به رءوسنا ويطالبوننا دائمًا باحترامه دون أن يحترمه كبيرهم أو صغيرهم، بل هو ليس على خريطة الأوامر والأفعال!، يدفعنا دفعًا إلى تحليل هذا السلوك الذي يتسم بالبلطجة والاستهتار؛ فلقد فعلها النظام من قبل في أحكام النقض التي تبطل الانتخابات ولم ينفَّذ قبل أن يتم تحريفها وتزويرها داخليًّا في بعض دوائر المحكمة العريقة!، وفعلها يوم تجاهل أحكام البراءة لمعارضيه وأعاد عرضها على دوائر بعينها!، وفعلها يوم أوقف انتخابات النقابات المهنية رغم كثرة الأحكام القضائية، وفعلها يوم أهمل وتجاهل الأحكام القضائية النهائية في عودة حزب العمل وجريدته، والتي تجاوزت أحد عشر حكمًا ولم ينفَّذ منها شيء، وفعلها يوم قضت المحكمة ببطلان حصول القضاة على الورقة الصفراء قبل سفرهم إلى خارج الوطن وما زالوا ممنوعين من السفر إلا بها!.

 

وفعلها عندما طعن في الأحكام التي أبطلت وأدانت موقف وزارة الداخلية من منع مسيرة حملة فك الحصار عن غزة في محاولةٍ لتوصيل الدعم الشعبي إلى أهلنا في فلسطين المحاصَرة وقد أشرفوا على الهلاك اليوم من قسوة هذا الحصار الظالم الذي شاركت فيه مصر وكل الدول العربية والسلطة الفلسطينية في رام الله بجانب الرباعية الدولية والكيان الصهيوني وأمريكا، ووسط صمت المؤسسة الدولية التي تناشد كما نناشد نحن الغلابة!، وفعلتها الحكومة المصرية عندما استشكلت في حكم الحكمة لمنع تصدير الغاز إلى دولة الصهاينة "ببلاش كده" رغم احتياج الشعب المصري ثرواته وحرمان الشعب الفلسطيني منه!.

 

والأنكى أن الاستشكال تمَّ أمام محكمة ابتدائية غير مختصة كما يفعل القُصَّر الذين يُشرفون على الانتخابات المحلية والبرلمانية!!، وغير ذلك من الأحكام واجبة التنفيذ بالآلاف في سخريةٍ متعمدةٍ من القضاء وتهكمٍ واضحٍ على القضاة وعنادٍ لا مبررَّ له، والأهم في إصرار غريب لانعدام الشرعية!؛ فشرعية أي نظام تقوم على أمرين؛ أولهما: الرضا الشعبي، وهو ما عبَّر عنه الدستور بإجراء انتخابات حرة نزيهة يُشرف عليها القضاة أو بغيرهم طالما احترم الحكام الحرية والنزاهة!، وثانيهما: احترام القضاء والالتزام بأحكامه التي هي في هذا الوقت هي عنوان الحقيقة؛ يتساوى فيها الحاكم والمحكوم أمام رأي وإرادة القانون، وهو ما عبَّر عنه الدستور بلفظة سيادة القانون ليعلوَ العدل ولا يُعلى عليه، وهي قيمة إسلامية وإنسانية أقرَّتها كل الشرائع والأديان والاتفاقات الدولية!!.

 

ورغم ذلك فإن نظام الحكم المضطرب الآن وبالغ الضعف الذي افتقد القدرة على الإقناع أو الحوار المتكافئ لم يجد أية سبيل لبقائه إلا باعتماده على البطش والبلطجة كأسلوبٍ في إدارة البلاد وتحزيمها وقهر العباد والسيطرة عليهم، ولا شك أن هذا الإصرار من جانب الأخفياء الأشقياء يورِّط زملاءهم في الداخلية الذين تربَّوا على السمع والطاعة وإلا...!!.

 

فالخجل والحرج بادٍ على وجوه كل من نلقاه منهم في مثل هذه الظروف، وهي- على كل حال- أحاسيس مشكورة رغم عجزها، وتبريراتهم ممجوجة رغم واقعيتها! لكن الأهم الذي نخلص إليه من سلوك الإدارة المصرية تجاه معارضيها وتجاه أحكام القضاء الشريف النزيه وكذلك من سلوكها العنيف مع شعبها المسالم وتزوير إرادته باستمرار هو أن شرعيتها قد انقضت ولا محل لها في الحقيقة، ويبدو أن النظام الحاكم يعلم ذلك لذا فقد لجأ إلى العنف والاهتمام بقوات الشرطة والأمن المركزي الذي يتكون أغلبه من البسطاء الأميين في الشعب المصري حتى لا يترك لهم فرصة الفهم أو محاولة التدبر فيما يحدث بأيديهم ومن حولهم بالشعب المصري!!.

 

هذا اليقين الذي يجب أن نبحث في كيفية التعامل معه بما يناسبه حتى لا نعطي لأحد حجمًا أكبر من حجمه لمجرد أنه يملك قرارًا لقوات جاهزة لفعل ما يريد (وتخيل أنهم مغلولو الأيدي في استعمال هذه القوات إلا في إطار القانون! كيف يكون حالهم وسلوكهم عندئذ؟!!) كان هو الخلفية التي رأيتها بعيني في مطار القاهرة وأنا أُمنع من السفر للمرة الثانية عشر وفي يدي أحكام واجبة التنفيذ ودستور يستنكر هذا الفعل لكن.. كانت البلطجة هي الحل وأحيانًا الاستعباط هو الحل عندما يعرض مَن لا يملك ثروات الوطن على من لا يستحق من الحبايب في المرحلة الأولى في لعبة الخصخصة، واليوم على أصحاب الحقوق أنفسهم في لعبة توزيع الصكوك على بعض أبناء الشعب المصري!! ماذا أقول بعد ذلك غير اللهم إن لم يكن بك غضب علينا فلا نُبالي، ولكن عافيتك ورحمتك هي أوسع لنا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأَرِنَا فيهم عجيبَ قدرتك يا رب.

--------

* g.hishmat@gmail.com