كثيرًا ما أسمع عبارة "له في البتنجان" و"سلِّمْ لي على البتنجان".

وخلال السنوات الأخيرة انتشرت هذه العبارات بكثرة، خصوصًا مع أحداثٍ وأمورٍ استعصت على الفَهْم مع المواطن البسيط، فعبَّر عن رأيه بهذه العبارات، وعليه قرَّرتُ البحث عن علاقة الباذنجان بالسياسة؛ حتى لا أكون مثل "الأطرش في الزفة"، خصوصًا وأنا كلي يقين أن رجل الشارع البسيط لا يُلقي الكلام على عواهنه، ولكن لحكمةٍ بليغةٍ يمكن ألا نفهمها في حينها، ولكنها أكيد رسالة احتجاج يريد أن يوصلها إلى أولي الأمر في بلادنا.

 

وعليه قمتُ بالتنقيب عن الباذنجان كنباتٍ ونوعٍ من الخضار له خصوصية مميزة؛ فهو له مرونة كبيرة في كثرة استخدامه (محشي.. مخلل.. مسقعة.. سلطة.. صينية وبالبشاميل ومكدوس.. وكذلك مربَّى)!.

 

لقد جمع الباذنجان كل قائمة الطعام؛ فهو (فاتح شهية، وسَلَطَات، وطبق نشويات، وطبق رئيسي وحلو، حتى العصير كان للباذنجان نصيب منه)؛ فتناوُل عصير الباذنجان يقلِّل من كميةِ الكولسترول المترسِّبة في الشريان الأورطي، ويُرخي عضلات جدران الشرايين في القلب.

 

وهو أيضًا من أشكاله غريب ومحير؛ فهناك منه الأسود والأبيض والرومي، منه منتفخ ممتلئ أشبه بالكرة، والعروس رفيع كأنه في حالةِ رجيم!.

 

حاولتُ فهم ما علاقة الباذنجان بالسياسة فوجدت علاقة وطيدة:

- الباذنجان يتم طبخه والسياسة يتم طبخها!.

- الباذنجان يتم طهيه في المطبخ والسياسة لها مطبخ!.

- الباذنجان يتم عمله "سَلَطة"، والسياسة تمنح "السلطة" والنفوذ!.

- الباذنجان فيه حديد، والسياسة فيها حديد عز!.

- الباذنجان يتغيَّر لونه إلى الأسود عندما يتم تقشيره وتركه فترةً في الهواء، والسياسة تجعل حياةَ السياسي يتغيَّر لونها إلى الأسود أيضًا عندما تتخلَّى عنه وترفع عنه حمايتها وتتركه في العراء.

 

- الباذنجان لونه أسود، والقليل منه أبيض، والسياسة كذلك؛ تتلون طبقًا للحالة، الكثير منها أيامه سوداء عدا أيام قليلة بيضاء.

 

ولا يعني ذلك عدم وجود اختلاف بينهما:

- فالباذنجان مفيد والسياسة ضارة.

- الباذنجان يقلِّل الأنيميا، والسياسة تُسبب الأنيميا لبعض الشعوب!.

- الباذنجان آثاره تظهر على مَن يأكله فقط، أما السياسة فتظهر على الجميع من القريب والبعيد.

 

- والتراث الشعبي العربي يعتبر رؤية الباذنجان في المنام دليلاً على الرزق بعد التعب، ورؤية ثلاث حبات باذنجان في المنام علامة على السعادة أيضًا، في حين أن رؤية أي سياسي في الحلم دليل شؤم ونذير بوقوع مصيبة.

 

بعدما عقدت هذه المقارنة بدأت أفهم أخيرًا لماذا يقول المواطن البسيط المصري هذه العبارات؛ فهو عندما يجد حرائق غامضة تلتهم أماكن مهمة في بلاده يومًا بعد يوم، وعندما يجد الأسعار ترتفع دون مبرر، وعندما يجد الفساد يستشري في كافةِ مناحي الحياة لا يستطيع أن يُعبِّر عن المتسبب؛ إما خوفًا أو عدم معرفة، فيقول: "كله في الباذنجان"، مُحيلاً السبب إلى هذه الثمرة العجيبة التي تجمع التناقض والتكامل كله.

فلن تفرق كثيرًا: حريق.. تزوير.. فساد.. تعذيب.

 

تعددت وسائل الذل والقهر والنتيجة واحدة، مثلها مثل "المحشي والمسقعة وبابا الغنوج"، و"كله في النهاية باذنجان"!!.

------

* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان-haythamabokhalil@hotmail.Com