غريبٌ أمر قيادات الحزب الوطني الديمقراطي حين يصرون على أن يقدِّموا أدلة إدانتهم بأيديهم وأن يُثبتوا بما لا يدع مجالاً للشك صحة إرادة الشعب في ألا يصدقهم فيما يقولون وفيما يعملون.

 

في كل بلاد العالم المحترمة تخرج المشاريع الكبرى من رحم المؤتمرات الحزبية بعد مناقشاتٍ جادةٍ لها كي يقتنع بها الأعضاء ويقنعوا بها غيرهم، غير أننا نجد عكس ذلك تمامًا!!.

 

فرئيس الحزب أثناء إلقاء كلمته يقول كلامًا غامضًا ثم يسأل مستمعيه ويجيبهم في نفس الوقت "ح تعرفوا بعدين"، ثم يخرج نجلُه مبشِّرًا بالمشروع وبأنه الأكبر والأقوى والأفضل، وكأنه "جاب التايهة"!! بأن الكبار فقط سيمتلكون أسهمًا مجانية من حقوقهم في المال العام، أما الصغار- أحباب الله- فلهم صندوق يسمَّى "صندوق الأجيال"؛ ستوضع فيه نسبة من الأموال للاستثمار لصالحهم من أجل المستقبل.

 

ويخرج منظِّر الموضوع (وزير الاستثمار) للصحافة مفنِّدًا ومعرِّفًا بأن كل مواطن بالغ عاقل راشد فوق 21 سنة له أسهم مجانية في حدود ألفَيْ جنيه، وأن المشروع جاهز للعرض على مجلس الشعب خلال أسبوعين، وأن دراسة القانون امتدت إلى سنتين حتى يخرج في هذه الصورة!!.

 

ثم يخرج علينا بعد يومين في إحدى القنوات الفضائية بأن نصيب المواطن البالغ العاقل الراشد في حدود مئات الجنيهات وليس ألفَيْ جنيه، وأن المشروع سيُعرَض على المجلس خلال شهور وليس أسابيع؛ لإتاحة الفرصة أمام المجتمع للحوار حوله!!، وبالفعل يبدأ منظِّر الحزب الحوار المجتمعي الفعَّال بينه وبين "عمه" رئيس الحزب المعارض في غرفته المغلقة ودون إعلان أو إعلام مع تأجيل البيان!!، وهي بداية غير مبشِّرة؛ لأن الأَوْلى بالحوار هم أعضاء الحزب المؤتمرون في مؤتمرهم ونوابه بالبرلمان لإعلانه بعد فهمه واستيعابه، إلا أن شيئًا من هذا لم يحدث!!.

 

الغريب في الموضوع أن الحزب الوطني قد رقَّ اقتصاديًّا لحال الشعب، فردَّ عليه أمواله ولم يرقَّ له سياسيًّا، وسلب- وما مازال- إرادته واختياره؛ فما زالت الانتخابات بكافة أنواعها تلعن مزوِّريها!، فهل يمكن أن نصدِّق ادعاءات الحزب وقياداته بأنه يردُّ الثروة لمالكها وهو الشعب في الوقت الذي يسلب من هذا الشعب اختياراته وإرادته السياسية؟!! هل يمكن أن نصدِّق أن الحزب وقياداته يُنشِئون صندوقَ الأجيال لرعاية الصغار بعد أن نهبوا صناديق معاشات الكبار؟!! هل يمكن أن نصدِّق أن هذا المشروع قُتل بحثًا ولمدة عامين، وهم أنفسهم في مشروع إنشاء محافظات جديدة أكدوا أنهم درسوه 4 سنوات، وكانت الفضيحة بالقرارات الجمهورية التي تغيَّرت 3 مرات؛ منها قرار أصدره الرئيس قبل مضي 24 ساعة على القرار المدروس، ومن فرنسا؟!!

 

ماذا يفعل مواطن أو مواطنة لا يجد قوت يومه ولا يجد ما يكسوه ويكسو أولاده ببضعة أسهم لشركات خاسرة إلا أن يبيعها بأبخس الأسعار خلاصًا منها ومن عبء التفكير في استثمارها؟! وما هي مدى قوته وتأثيره بهذه الأسهم البسيطة في إدارات الشركات إن كان يريد الاستمرار في هذه المهزلة؟!

 

انظروا ماذا فعل آلاف المواطنين الذين خرجوا للخصخصة بأموال الخصخصة.. عند بداية انهيار البورصات مع الأزمة المالية وعندما وصلت خسائر البورصة الأمريكية 700 مليار دولار، انتشرت إعلانات على قنوات التليفزيون الأرضي- وهي حكومية 100%- تتحدث عن "سهم في الأيد.. إنت مالك ومستفيد، والضمان أكيد".

 

وتساءلتُ وقتها عن صاحب هذه الفكرة أو صاحب هذا الإعلان، ومن المسئول عن نشره، ولم أتلقَّ أية إجابة، والآن يفتضح أمر هذه الإعلانات ومن كان يقف وراءها وأنها كانت تُجهِّز لأكبر عملية سرقة ونهب لأموال الشعب لصالح مجموعة من رجال الأعمال!!.

 

غالب ظني أن رجال الأعمال هؤلاء خسروا أموالهم المُستثمَرة بالخارج نتيجةَ الأزمة المالية العالمية وانهيار الأسهم والبورصات فقرَّروا- وعلى عجل- تعويض خسارتهم بهذا المشروع الفاشل ونهب أموال الشعب بهذه الطريقة.. ولماذا نذهب بعيدًا وأمامنا الدليل القاطع على كذب النوايا؟!

 

إن من ارتكب جريمة تصدير الغاز إلى الكيان الصهيوني لا يريد الخير أبدًا لهذا الشعب، ولا يريد خيرًا أبدًا للأجيال القادمة، وإن أقسم لنا أيمانًَا مغلَّظة؛ فهذه جريمة لنهب أموال الشعب صغاره وكباره مع سبق الإصرار والترصُّد.

 

نحن نخسر 10 ملايين دولار يوميًّا كان أَوْلى بها من هم فوق 21 سنة لتوفير فرص عمل لهم أو تزويجهم أو صرف إعانة بدل بطالة أو توفير خبز صالح للجميع بدلاً من خبز الحيوانات، فإن توفير 10 ملايين دولار يوميًّا ووضعها في صندوق للأجيال أَوْلى من هذا العبث والادعاءات الكاذبة.

 

وإذا أرادت الحكومة فعلاً الخير لمن هم تحت 21 سنة فلتنفِّذ أحكام القضاء بعدم تصدير الغاز إلى الكيان الصهيوني وتوفِّر يوميًّا 10 ملايين دولار في صندوق الأجيال.. المفاجأة أن الحكومة طعنت في الحكم ولا ترغب في تنفيذه أبدًا، فعلامَ يدل هذا؟!

 

على الشعب أن ينهض ويدافع عن مصالحه بكافة الوسائل والطرق المشروعة لتعود الحكومة إلى رشدها، وعليه أن يضغط على النواب الموافقين دائمًا على مشاريع الحكومة مهما كانت ليتخذوا الموقف الصحيح رغبًا أو رهبًا.

 

(وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف: من الآية 21).

---------

* الأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين- أمين الإعلام.