الصورة غير متاحة

م. فتحي شهاب الدين

 

الدكتور عبد المنعم سعيد لمن لا يعرفه هو مدير مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، والرجل ذو فكر ليبرالي، يتبنَّى المشروع الأمريكي، ويرَوِّج له، ويذود عنه بشدة، وأحيانًا باستماتة.. ويظل الرجل على طول الخط لا يريد أن يتزحزح عن موقفه هذا.

 

كان أول ما لفت نظري للرجل مقالة في (الأهرام) وتحديدًا في فبراير 2003م وقبل الغزو الأمريكي للعراق مباشرةً، وبعد أن ألقى كولن باول وزير الخارجية الأمريكي خطابه الشهير في مجلس الأمن الذي اتهم فيه العراق بحيازة أسلحة الدمار الشامل؛ علَّق فيها على كلام "باول" بقوله: إن "الميزان الأخلاقي" تحوَّل بعد إلقاء الخطاب لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، ثم قال بالحرف الواحد: "إن المسرح أصبح جاهزًا للحرب، وإن على الدول العربية أن تشارك حتى تحصل على نصيبها من الغنائم العراقية".

 

وبعد أن أكدت المعلومات بعد ذلك أكذوبة أسلحة الدمار الشامل، واعترف باول نفسه بأن "الميزان الأخلاقي" لم يكن في صالحه؛ قام الدكتور محمد السيد سليم في مقال بعنوان "دروس في أصول الحوار العقلاني" بالردِّ عليه بجريدة (العربي)؛ طالبه فيه بأن يعيد قراءة ما كتبه ويستخلص دلالته بالنسبة للمشروع الأمريكي في المنطقة، والذي يدافع عنه الدكتور سعيد بكل ما أوتي من قوة، وذكَّره فيه بأن الأمريكان كانت لديهم الشجاعة للاعتراف، أما هو فلم يكن لديه الشجاعة.

 

أقول ذلك وأذكِّر بهذه الحادثة بالذات وتاريخها وأبطالها؛ لأن لها مدلولاتٍ وطنيةً وقوميةً لا تخفى على أحد، فلا توجد انتهازية أكثر ممن ينادي ويستحث العرب على الدخول مع الأمريكان لغزو العراق لقبض الثمن وأخذ النصيب من الغنائم، وأترك لذكاء القارئ توصيف كاتب مثل هذا الكلام، ومدى مصداقيته بعد ذلك؛ مما دعاني إلى عدم متابعة مقالات الرجل بعد ذلك؛ حيث كنت أراها دائمًا مسكونةً بالفخاخ لصالح مشروعه الذي يتبنَّاه.

 

إلا أن ما أثارني حقًّا هو مقال الرجل في جريدة (المصري اليوم) في 16/11/2008 بعنوان "حان وقت الحساب" فإذا بريما تعود لحالتها القديمة وتتكرر الحادثة، ولكن هذه المرة يقوم الدكتور سعيد بخلط الأوراق، ويجمع الشامي على المغربي، فيدَّعي تنسيقًا يتم بين حماس التي أسماها تهكُّمًا "إمارة حماس" وبين قبائل سيناء لإثارة القلق والقلاقل داخل مصر، وذلك- حسب قوله- حتى تتمكن من كسر العزلة المفروضة عليها دوليًّا وداخليًّا ويطالب بفتح الملف؛ حيث إن وقت الحساب قد حان بين مصر وحماس!!.

 

الدكتور سعيد الإستراتيجي يطالب الدولة- بدلاً من فك الحصار عن أهالي غزة- بفتح ملف "الإمارة" وعمل اللازم بناءً على طلبه؛ للحفاظ على هيبة الدولة وعدم السكوت على الأنفاق التي تُحفَر بمساعدة أهل سيناء لتقديم السلاح لحماس؛ حسب قوله.

 

لقد فعلت الحكومات العربية ما طلبه الدكتور سعيد، وأخذت حصَّتها فعلاً من الغنائم على جثة الشعب العراقي المكلوم، فماذا سوف يحصل النظام من "إمارة" غزة يا ترى وهي تعاني الجوع ونقص الأنفس والثمرات؟!

 

وأنا أقول للدكتور سعيد الإستراتيجي: إذا كنت جادًّا في قولك ولست هَزِلاً فلماذا لا تطالب الدولة بفتح ملف الانتهاكات الصهيونية على الحدود المصرية؛ التي راح ضحيتها العشرات من جنود مصر بنيران القناصة الصهاينة وليس بنيران "إمارة حماس"؟!

 

ولماذا يا دكتور لم تطالب الدولة بفتح ملف الأسرى المصريين الذين دفنهم الكيان في رمال سيناء، وإمعانًا في الذل والإهانة قام بنشر شريط فيديو يصوِّر تلك الجرائم؟ لماذا لم تحرِّك ساكنًا يا دكتور فتطالب الدولة بفتح الملف أم أن أرواح المصريين لا تعنيك في شيء كما لم تعنِك أرواح العراقيين الذين طالبت بغزوهم للحصول على الغنائم؟!

 

دعنا من شأن غزة والعراق، ولندخل في لجنة السياسات؛ بصفتك عضوًا فيها وأنت تفخر بذلك.. أما جال بذهنك في يومٍ ما أن تفتح ملف الفساد الذي استشرى في أرجاء مصر وأصبح ظاهرةً وصلت للأعناق وليس للركب كما قلتم؟! وملف التزوير الذي طال كل الانتخابات التي تمت بمصر؛ ابتداءً من انتخابات الشعب والشورى والمحليات وحتى الاتحادات الطلابية؟! أما جال بذهنك أن تفتح ملف مهزلة بيع مصر وأصول الدولة التي اخترعتموها في لجنة السياسات؟!

 

أرجو من الدكتور الإستراتيجي أن يوفر جهده وتفكيره في وضع حلول للكوارث الكبرى التي أوقعنا فيها هو وزملاؤه في لجنة السياسات، وأن يحاسبوا أنفسهم بدلاً من محاسبة "إمارة حماس".

 

يا سيدي الدكتور.. لقد حوَّلتم مصر إلى إمارة صغيرة أصغر من إمارة "قطر" بفكركم وفعالكم.. إنك تغرد خارج السرب، وأنصحك بأن "الميزان الأخلاقي" ليس في صالحك.