من رحم الحركة الصهيونية العالمية وُلِدَ الكيان الغاصب- الذي يفتقد الشرعية والقانونية- على أرض فلسطين، والذي اعتمد رهان بقائه على قاعدة معنوية ونفسية أكثر منها ماديةً، وهي قاعدة" تيئيس الشعوب العربية والإسلامية من المقاومة، وأن الكيان قدر لا فكاك منه"، مستخدمًا أدواته الإعلامية والمالية والاستخباراتية في استيعاب الأنظمة والنخب العربية.
وتنامى المشروع عندما تحالفت الحركة الصهيونية مع التيار المحافظ في أمريكا ليأخذ المشروع أبعادًا عقديةً واقتصاديةً وأمنيةً في آنٍ واحدٍ، واتفق الطرفان على هدف إستراتيجي؛ هو" فرض الهيمنة الصهيوأمريكية على مستوى الفكر والثقافة والسلوك"؛ أي إيجاد نوع من الأستاذية على العالم، خاصةً العربي والإسلامي.
وقد لقي المشروع مقاومةً في البلدان العربية والإسلامية؛ حيث رفضته الحكومات حفاظًا على مقاليد الحكم ودوام السيطرة ورفضته المعارضة وقوى الإصلاح حفاظًا على السيادة الوطنية وعدم إحلال المستبد الأجنبي محل المستبدّ المحلي، وكانت المقاومة بشقَّيها السلمي السياسي أو الحربي العسكري هي وسيلة التصدي، وقد تحققت كثير من الإنجازات؛ أكدت تقدم المقاومة وتعثر- بل وانهيار- المشروع الوافد.
مكتسبات ونجاحات
* الفشل الأمريكي في العراق وأفغانستان على جميع المستويات سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا وإعماريًّا، رغم التكلفة (10 مليار دولار يوميًّا وعشرات الآلاف من القتلى والجرحى).
* فشل المؤامرات والمناورات التي قادتها الفاشلة رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في تكوين أي تحالف عربي ضد تيار المقاومة؛ مما دعاها مؤخرًا إلى التصريح بأن أمريكا ليس لها أعداء دائمون، ولا مانع لديها من زيارة طهران ودمشق! والحوار مع حماس.
* صمود المقاومة الوطنية المسلَّحة في فلسطين وجنوب لبنان والصومال وأفغانستان، وتحقيق نجاحات سياسية وعسكرية مبهرة.
* إصرار التيارات السياسية الإسلامية على الحضور والمشاركة؛ رغم سياسة القمع التي تعانيها لفرض الإصلاح على الأنظمة المستبدة الفاسدة الخاضعة للهيمنة الصهيوأمريكية.
* تنامي التأييد الشعبي للحركات الإسلامية المقاومة سياسيًّا وعسكريًّا، وتحقيق تقدم جيد في كل الانتخابات البرلمانية التي تلت أحداث سبتمبر 2001م؛ ومنها فوز الإخوان في مصر وحماس في فلسطين والعدالة في المغرب وتركيا.
* تنامي المقاطعة الشعبية للمنتج الأمريكي والصهيوني، بل إن سلاح المقاطعة صار حاضرًا في كثير من النزاعات بين المسلمين وغيرهم.
* التصريحات المتتالية لقيادات الكيان الصهيوني أخطرها تصريحات أولمرت حول حلم "إسرائيل الكبرى"؛ الذي اعتبره وهمًا وخدعةً تروِّج منذ زمن 15/9/2008م)، وأننا إذا كنا مصمِّمين على بقاء الكيان دولةً يهوديةً وديمقراطية؛ فإنه لا بد أن نتخلى عن أجزاء من الكيان، وكذلك عن أحياء عربية في القدس، والعودة إلى حدود عام 1967م مع إجراء بعض التعديلات (10/11/2008م).
بل القديم الجديد ما أكده مفكرو الصهيونية منذ عقود ولكننا لا نقرأ!! وتحديدًا سنة 1956م وحديث بن جوريون أحد أهم رجالات الحركة الصهيونية، وأبرز من لعب دورًا في إنشاء الكيان الصهيوني وأول رئيس لوزرائها، إلى ناحوم جولدمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، قائلاً إن "الدولة اليهودية ستستمر في العشر أو الخمس عشرة سنة القادمة، ولكن احتمالات وجودها بعد ذلك هي 50%.
وبعدها أكد ناحوم جولدمان مقولة بن جوريون، وهو يكتب مقالته التي نشرها في مجلة (الفورين أفيرز) سنة 1975م؛ إذ نبَّه جولدمان إلى أنه "لا يوجد للكيان مستقبل على المدى الطويل دون تسوية سلمية مع العرب"، واعترف بأن "مطالبة الصهاينة بدولة يهودية، كانت تتعارض بشكل تام مع كل مبادئ القانون الدولي والتاريخ الحديث".
هذا ما يعتقده قادة الكيان الصهيوني ومفكروه في الوقت الذي يصرّ قادة أنظمة الحكم في بلدان العرب أن الكيان الصهيوني قدرٌ لا فكاك منه، وتعلن سلطة عباس بأن التسوية السلمية هي الخيار الأوحد، بينما توقن المقاومة بأن جميع الخيارات ممكنة، وأكثرها فاعليةً ضد المحتل هو الخيار المسلح؛ لأن ما أُخذ بالقوة لن يُرد بغيرها.
-------------