عندما أعلنت كوسوفا استقلالها من طرفٍ واحدٍ يوم 23 فبراير 2008م اعترف بها حتى الآن 52 دولةً، منها بعض الدول الإسلامية مثل تركيا والسنغال وماليزيا ودولة الإمارات العربية المتحدة، وكان مفترضًا أن تقوم الدول العربية والإسلامية جميعًا بالاعتراف بها، على الأقل لسببين ظاهرين:
الأول أنها دولة إسلامية يقطنها أكثر من 95% من المسلمين، وهي دولة جديدة تُضاف إلى العالم الإسلامي.
والاعتبار الثاني، هو أن الذي دفع إلى استقلالها هي الولايات المتحدة، وأنها يفترض أن مواقفها تُؤثِّر في مواقف العالم الإسلامي والعربي، كما أن الدول الأوروبية الكبرى مثل فرنسا وبريطانيا وإيطاليا هي التي اعترفت بها.
وأما العامل الثالث هو أن هذا الاستقلال جاء في إطار الصراع الروسي الأمريكي، وإصرار واشنطن على استقلالها مقابل إصرار روسيا على تعويق هذا الاستقلال، قد جعل هذه القضية أحد عوامل القرار بالنسبة للدول القريبة أو ذات المصلحة مع روسيا.
أما السبب الثاني المفترض لعدم الاعتراف هو خشية الدول العربية والإسلامية من أن واشنطن قد دفعت بهذه السابقة حتى تُسهِّل تمزيق العالم العربي والإسلامي، وتجعل ذلك أمرًا مقبولاً.
وهكذا سيطرت فكرة السابقة، وهي انتزاع إقليم من دولة قائمة ضد رغبتها لأي سبب هو خروج ظاهر على مبدأ وحدة إقليم الدولة وسلامة أراضيها.
في هذا الموقف يتصارع اثنان من مبادئ القانون الدولي: المبدأ الأول هو وحدة أراضي الدولة وهو مبدأ بالغ الأهمية في القانون الدولي، حفظ الدول من كل محاولات الانفصال والتشرذم والتفتيت، وذلك مقابل المبدأ الثاني وهو الجيل الثاني من مبدأ حق تقرير المصير، الذي عرف الجيل الأول وهو تقرير المصير من الدول المستعمرة ثم تقرير مصير الأقليات من الدول المركزية عندما يفشل التعايش بين أجزاء الدولة.
وهكذا سيطرت فكرة السابقة المرتبطة بكوسوفا مقابل فكرة الوضع الفريد المتميز بكوسوفا عن غيره من المواقف الكثيرة التي يظن أنها تخضع لقاعدة عامة.
والحق أنني كنت أكثر ميلاً إلى أن حالة كوسوفا تمثل سابقةً خطيرةً؛ ولذلك قررتُ أن أتقصى بنفسي في زيارة خاصة امتدت أسبوعًا في أوائل نوفمبر 2008م التقيتُ خلالها بمن وثقتُ في النهاية بأن حالة كوسوفا حالة فريدة متميزة؛ ولذلك فإنني أرجو أن يسمح القارئ بأن أضم صوتي إلى أصوات الذين يطالبون بالاعتراف الدولي الشامل وخاصةً الإسلامي والعربي بهذا الكيان الوليد.. صحيح أن روسيا قد أعلنت استقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية على سبيل الانتقام من واشنطن بسبب استقلال كوسوفا، ولكن هذا الإعلان لم تطلب روسيا الاعتراف به، والأرجح أنه قابل للنقض باعتباره عملاً من أعمال الضغط والانتقام، رغم أن أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية يختلفان كل على حدة مع سكان جورجيا في كل شيء.
ولكن حالة كوسوفا مختلفة من هذه الزاوية من حيث أن إصرار أهل كوسوفا على أن يعيشوا أحرارًا عن الصرب بعد أن تخلَّصوا من ظلمهم، واعتراف هذا العدد من الدول الكبيرة يجعل هذا الاستقلال نهائيًّا، ومن ثَمَّ فإنه لم يعد هناك الكثير من المنطق في تأخُّر الدول العربية والإسلامية في ذلك.
من ناحية أخرى فقد لمستُ أن اعتزاز سكان كوسوفا وعشمهم في الاحتضان العربي والإسلامي أقوى بكثيرٍ من الغربي، وهم يلحون في الالتحام بمجالهم الطبيعي النفسي والثقافي والحضاري، وقد لمستُ ذلك فيمن يتحدثون العربية وحصلوا تعليمهم من المراكز الإسلامية العربية أو غيرهم حتى من أهل الأديان الأخرى.
أما السبب الرئيسي الذي يدعو إلى الاعتراف بهم فهو أن إعلان الاستقلال كان إعلانًا متأخرًا؛ لأن الإعلان الأول تم عام 1992م عندما أعلنت أجزاء الاتحاد اليوغوسلافي استقلالها جميعًا، ولكن صربيا هي التي تعقبتهم وحاولت أن تنشب أظافرها في أجسادهم حتى ترغمهم إرغامًا على البقاء في اتحادٍ أسهمت هي في تقويضه والقضاء عليه؛ ولذلك فإن الجرائم التي ارتكبها الصرب ضد سكان كوسوفا وما رأيته من آثار المذابح ومقابر لأسرٍ كاملةٍ جعل العلاقة مع صربيا مستحيلة.
كما علمتُ أن أهل كوسوفا هم من الألبان على العموم ولم يأتلفوا يومًا منذ أن تعاقب عليهم الصرب في العصور الوسطي والعثمانيون بعد ذلك ثم تحلل الاتحاد اليوغوسلافي في عام 1990م، وقد لوحظ أن روسيا التي ورثت الاتحاد السوفيتي قد سهَّلت انفصال أعضاء الاتحاد السوفيتي، وأبقت على علاقةٍ طيبةٍ معهم؛ وذلك عكس الصرب الذي نشر الرعب والكراهية والحقد حتى نفر منه مَن يضم بين سكانه نسبًا عاليةً من الصرب، وكان آخرها جمهورية الجبل الأسود.
فلماذا تتمسك صربيا بكوسوفا رغم جرائمها ضد سكانها إلا أن يكون ذلك استئنافًا لنهش الضحية التي أدمنت دماءها ولحومها؛ وليس هناك أبلغ من أن صربيا نفسها قد سمحت بانفصال الجبل الأسود، بل إن الجبل الأسود ومقدونيا وبقية أعضاء الاتحاد اليوغوسلافي السابق قد اعترفوا بجمهورية كوسوفا الجديدة، وأن اعتراف مقدونيا والجبل الأسود كان يحمل التحدي للصرب لأنه أُعلن صبيحة صدور قرارٍ من الجمعية العامة للأمم المتحدة إرضاءً للصرب وتمشيًّا مع رغبتها في تأخير حصول كوسوفا على الاعتراف الدولي، عندما طلبت الجمعية العامة في أكتوبر 2008م من محكمة العدل الدولية أن تصدر رأيًا استشاريًّا حول مدى توافق إعلان استقلال كوسوفا مع القانون الدولي، علمًا بأن كل الكيانات المُشكَّلة للاتحاد اليوغوسلافي قد انفصلت دون أن يقول أحد إن استقلالها يتناقض مع القانون الدولي.
أما السبب الخامس الذي يدعو إلى الاعتراف بكوسوفا فهو أن كوسوفا قد عانت الأمرَّين من الصرب، وكان عذابها مثلاً في النضال والصبر والجهاد، خاصةً أن اضطهاد الصرب لهم كان جزءًا من اضطهاد المسلمين في جميع الجمهوريات المشكلة للاتحاد اليوغوسلافي.
وقد التقيتُ برموزٍ من المجاهدين الذين أمضوا في سجون الصرب أكثر مما قضى مانديلا في سجون النظام العنصري في جنوب أفريقيا، وقد أبدى مَن قابلتهم وعلى رأسهم رئيس الجمهورية عجبًا من التناقض بين إقبال العالم العربي والإسلامي على مساندتهم في محنتهم والجهود الإنسانية والإنقاذية التي تبذل الآن لهم، وبين التنكر السياسي والمعنوي لاستقلالهم، وهم يذكرون في هذا المقام أن محنتهم قد دفعت الغرب إلى التصدي لقوة الصرب عام 1999م، وأن الإدارة الدولية لكوسوفا ثم تقرير أهتيساري مفوض الأمم المتحدة في كوسوفا قد جزمت بأن العيش مع الصرب قد أصبح مستحيلاً بكل المقاييس، وأن الاستقلال وترتيب أوضاع البلاد وعلى هذا النحو بدستورٍ جديدٍ يتحلى بالتسامح واحترام كل الأعراق والديانات كان هو الحل البديل النهائي.
إن اعتراف العالم العربي والإسلامي بكوسوفا هو دعمٌ لخلاصها وتكفير عن تأخُّر العالم العربي والإسلامي عن احتضانها، وأن إقبال المستثمرين العرب والمسلمين على بنائها قد أصبح ضرورةً اقتصاديةً وسياسيةً ومعنوية، ورغم أنني قد تعاطفتُ كثيرًا مع الاعتراف بكوسوفا من منطلق إسلامي، إلا أن مطالبتي بالاعتراف بها يتجاوز هذا الإطار إلى الإطار الإنساني الأشمل الذي نلتقي عنده مع أطرافٍ أخرى لا علاقةَ لها بالإسلام.
والخلاصة.. إنني أصبحتُ مقتنعًا بأن كوسوفا لا تُشكِّل سابقةً يُقاس عليها؛ لأن المعلوم هو أن الدول الكبرى هي التي تخلع على الواقعة الصفة التي تُريد؛ ولذلك فإن فكرة السابقة فكرة مرنة، وإن ما يجعل قضية كوسوفا حالةً فريدةً يطغى بكثيرٍ على ما تُمثِّله من سابقةٍ في الحياة الدولية المعاصرة.
----------
* E-mail: alashaal2004@hotmail.com