معتصم أحمد دلول

بذلت جمهورية مصر العربية مشكورةً جهودًا حثيثةً من أجل إنجاز حوار فلسطيني بين الإخوة الفرقاء (حركة المقاومة الإسلامية حماس وحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح)؛ وذلك بالتوافق مع باقي الفصائل الفلسطينية الأخرى، وكان الجميع متفائلاً بنجاح هذا الحوار، سيما أن الإدارة الأمريكية والإدارة الصهيونية في حالة انشغال عن مثل هذه القضايا، ولعل هذا يجعلهما بعيدَين عن التأثير على هذا الحوار.
ولكن- وللأسف- يبدو أن هناك أطرافًا لا يعنيها نجاح هذا الحوار؛ لأنها ستجد نفسها قد وُضِعَت في الزاوية وليس أمامها إلا الانقياد خلف المشروع الوطني الذي يعاكس وجهة النظر الأمريكية والصهيونية.
لعل قائلاً يقول: إن وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس أتت إلى الأراضي الفلسطينية واجتمعت مع القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية ومارست دورها بفرض الإملاءات المعتادة التي تقضي بالمُضِي قُدُمًا في الحفاظ على الأمن الصهيوني على حساب الحقوق الفلسطينية، فما الجديد في الأمر؟!
صحيحٌ أنها جاءت لنفس الغرض، ولكن الذي يتابع الوضع الفلسطيني يعلم أن اجتماع الفصائل الفلسطينية على كلمةٍ سواء يعني تهديدًا للصهاينة؛ لأن الكلمة الوحيدة والبرنامج الوحيد الذي يتقاطع مع أهداف كل الأحزاب الفلسطينية هو المقاومة؛ ولذلك إذا اجتمعت الفصائل على هذا الهدف فإنه يعني قلقًا، بل دمارًا للكيان الصهيوني.
لذلك، فإن الأمر بدا واضحًا أن الصهاينة لا ينامون ولا يغفلون لو للحظة واحدة عن ملاحقة الفلسطينيين وعدم فتح المجال أمامهم للتصرف دون ما يخدم مصالح أمنهم، وأن أمريكا التي استجابت لدعوة الكيان الصهيوني لإرسال رايس من أجل الضغط بشأن التأكد من أن الحوار لن يخرج عن الإطار المتفق عليه، ما هي إلا أداة في يد الصهاينة؛ يحرِّكونها كيف يشاءون.
طبعًا هذا هو السبب الرئيس الذي أدى إلى عدم الوصول إلى طاولة الحوار؛ حيث إن الرئيس محمود عباس وزمرته يعلمون جيدًا أن حماس لن توافق على مناقشة بنود لحوار يحمل في طياته حماية للصهاينة وتنازلاً عن الحقوق ومصادرةً لسلاح المقاومين وملاحقةً للمقاومة بشتى صورها.
أما بخصوص الأسباب التي أوردتها حركة المقاومة الإسلامية حماس، والتي يتربَّع على رأسها قضية الأسرى السياسيين في سجون السلطة و"فتح" في رام الله، فإن ذلك أمرٌ لا يمكن أن يكون؛ سواء من أجل الحوار أو غير ذلك.
فأسباب الاعتقال في الضفة الغربية ليست على خلفية الانتماء الحزبي فحسب، بل على خلفية المقاومة أيًّا كانت، ودليل ذلك أن هناك اعتقالات- وإن كانت قليلة- في صفوف كوادر الجهاد الإسلامي، وهناك اعتقال لعناصر من شهداء الأقصى.
وفوق هذا وذاك، هناك تنسيق أمني على أعلى المستويات يتم إنجازه والترتيب له من خلال اجتماعات كبار ضباط الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية مع نظرائهم في جيش الاحتلال الصهيوني، وقد نشرت إذاعة العدو الصهيوني كثيرًا من التقارير التي تحدثت عن ذلك- لا مجال هنا للحديث عنها؛ لأنها كثيرة- وقد ظهر فيها ضباط الأجهزة الأمنية وهم يتفاخرون بأنهم متميزون في ملاحقة المقاومين وعلى دراية دقيقة بكل ما يُخطِّط له المقاومون.
والأدهى من ذلك أن هناك تقاسمًا في الأدوار في هذا التنسيق الأمني؛ حيث تقوم الأجهزة الأمنية باعتقال الأفراد العاديين من المقاومين، ويقومون بالاعتداء وتخريب المؤسسات الصغيرة، ويقوم الاحتلال باعتقال القيادات وكبار المسئولين، مثل نواب المجلس التشريعي، وأعضاء المكتب السياسي لحماس، والمسئولين البارزين، ويقوم الاحتلال أيضًا بتخريب المؤسسات الكبيرة، مثل مجمع نابلس التجاري وغيره.
ومن الأمور التي تقف حائلاً في وجه الحوار العصيان المدني التي أعلنته رام الله في غزة؛ حيث أمرت الموظفين، خصوصًا المعلمين والأطباء، بعدم الالتزام بأعمالهم، وقطعت رواتب الكثير ممن لم يلتزموا بذلك.
هم يسمون ذلك إضرابًا للمطالبة بحقوق واستعادة مظالم، ولكنه ليس كذلك؛ إذ إنه- وكالعادة- توجد حقوق مهضومة ليطالبوا بها، ويوجد هناك مظالم تُذكر ليستردوها، وإنما أطلقوا اسم إضراب على هذا العصيان المدني من أجل تخفيف وقع الكلمة على المتضررين منه من ناحية، ومن أجل محاولة إقناع أكبر عدد ممكن من الموظفين للمشاركة فيه من ناحية أخرى.
وإن كان الآخرون لا يعتبرون هذه الأسباب وغيرها من الأسباب الكثيرة ذريعةً لمقاطعة الحوار، فإن تاريخ حركة المقاومة الإسلامية على المدى القريب، والذي لم يَنْسَهُ العالم بعد، يشهد لها بأنها ما فتئت تسعى إلى الوحدة ولو كان ذلك على حساب بعض التنازلات والتغيرات في المواقف لا المبادئ، وما اتفاق القاهرة ببعيد، وما اتفاق مكة الذي لطَّخته حركة فتح بدماء أحد قادة القسام في قطاع غزة بعد توقيعه بلحظات ببعيد أيضًا، وما المبادرة اليمنية التي تبعها انقسام ومشاجرات بين قيادات حركة فتح مع بعضهم البعض على شاشات الفضائيات ببعيد أيضًا!!.
وإن كانت حكومة الضفة الغربية لا تعتبر كل ذلك في ميزان المخالفات الوطنية فلتنظر إلى نفسها في ميزان القانون الفلسطيني؛ فستجد أن وجودها- طبعًا- مخالفة قانونية وجريمة في حق الديمقراطية وانتكاسة لواحدة من أطهر وأنزه الانتخابات على مستوى العالم بأسره بشهادة العدو قبل القريب.
لذلك، يكفي مهاترةً في المواقف ويكفي تلفيقًا للكذب ويكفي محاربةً للمقاومة ويكفي تنسيقًا أمنيًّا ويكفينا تضييعًا للوقت ولهثًا خلف السراب الذي يُسَمَّى السلام المزعوم، ولعل إدارة جورج بوش الرئيس الأمريكي، الذي بدا وكأنه أكثر حر في العالم يريد أن يخدم الفلسطينيين؛ حيث اخترع فكرة حل الدولتين، والذي دامت إدارته 8 سنوات؛ أكبر دليل على أن كل تلك الجهود المبذولة من أجل السلام هي هباء منثور؛ فعلى ما يبدو أن الأمور واضحة أن بوش لم يجد متسعًا من الوقت أمامه ليحل المشكلة الفلسطينية الصهيونية، وهذا دليل جديته وجدية عملية السلام!.
فلتضعوا يا أهل رام الله أيديَكم في أيدي إخوانكم في غزة، ولتعلنوها مدويةً أمام العالم أن ما أُخِذَ بالقوة لا يرجع إلا بالقوة، وأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن برنامج الوحدة الوطنية هو برنامج المقاومة والثبات وعدم التنازل عن الحقوق.