د. محمد سعد

 

تابعنا باندهاش المسرحية الكوميدية المسمَّاة (مؤتمر الحزب الوطني)، والتي صدَّعوا أدمغتنا فيها بأرقام وإحصائيات نعلم جميعًا حجم الكذب والمغالطات فيها.

 

لقد ارتدى قادة الفكر الجديد ثياب المهرِّجين وهم يُطلقون تصريحات- كأنها "بجد"- عن معدلات التنمية واقتصادنا القوي الذي لم تهتز له شعرة، وعن ديمقراطيتنا الواعدة التي أفرزت أغلبيةً ساحقةً للحزب الوهمي في انتخابات الشعب والشورى والمحليات، مؤكدةً وجود كوادره في كل ربوع مصر!!.

 

حديث طويل عن الديمقراطية ونحن نشاهد كل يوم سحلاً واعتقالاً للمعارضين من شتَّى التوجهات.

 

يستغرب المرء من تلك الحملة غير المبرَّرة من قِبل الأجهزة الأمنية في مطاردة واختطاف العديد من قيادات وكوادر الإخوان المسلمين من أجل مقعد في محافظة نائية (كفر الشيخ) في فصل تشريعي بقي منه عامان على أقصى تقدير!.

 

أين ثقة الحزب في وجوده ورجاله في كل ربوع مصر؟! أم هي الثقة في قدرة رجال الأمن على تزوير الانتخابات ببراعةٍ يشهد بها الجميع؟! إلا أن الدهشة والاستغراب سرعان ما تزول وأنت تراقب ذلك المشهد الفوضوي الذي تحياه مصر في هذه الأيام.

 

فنحن أمام نظامٍ فشل في كل المجالات؛ بدايةً من كوب الماء ورغيف العيش، وانتهاءً بدعاية فجة لمشروع نووي لن يتحقق، مرورًا بأصفار الرياضة في كأس العالم وبكين، وانتهاءً بهزائمنا السياسية في محيطنا العربي والإقليمي، وتراجع دورنا في المنطقة لنصبح مجرد وكيل لتمرير المصالح الأمريكية والصهيونية، وأصبحت الشقيقة الكبرى لا تملك النزاهة والحيدة لتتوسط بين فريقي كرة من الأشبال في إحدى حارات مقديشو.

 

والمتابع لكل هذا الفشل وهذه الإخفاقات يتوقَّع من النظام تهدئة للأجواء وبحثًا عن مواطن الخلل لعلاجها واحتواءً لسخط الناس وغضبهم المرشح للانفجار في أية لحظة وهم يرون أعمدة النظام الحاكم تتهاوى بتهم الفساد والقتل والتزوير.

 

إلا أن المخيف في الموضوع أن أجهزة الدولة تتعامل مع كل هذه الملفات وكأن شيئًا لم يكن، بل وتُحيلها إلى جهات ليست من اختصاصها أو أهلاً لحلها، فتزداد الأمور سوءًا ويكاد القِدر المكتوم أن ينفجر دون سابق إنذار.

 

ولإخواننا القائمين على المؤسسة الأمنية نقول:

من هنا وجب علينا التحذير من أن تحميل الأمن ملفات السياسة والتعليم والأوقاف والنوادي والمساجد والجامعات أضرَّ بأمن المواطن المصري، وانتشرت جرائم لم تكن معهودةً في مجتمعنا، مثل السرقة بالإكراه، والتجارة العلنية للمخدّرات، وجرائم النصب والاغتصاب وهتك الأعراض.

 

قد يظن ظانٌّ أننا نريد تقليص مزايا وسلطات طالما تمتعت بها القوى الأمنية لفترات طويلة، والعكس هو الصحيح؛ فنحن نريد لها أن تكون قوية وقادرة على ضبط الجريمة وإرهاب المجرمين وتهيئة الأجواء الصحية لعملية تطور ديمقراطي سلمي؛ يكون الأمن فيها هو الحكم بين الخصوم، مُهيِّئًا أرض الملعب لمبارزات السياسيين؛ لأن الحاكم اليوم سيكون غدًا في مقاعد الجماهير، وسيأتي غيره ليتسلم السلطة بما فيها سلطة الأمن.

 

لذلك على العاقلين في المؤسسات الأمنية أن يكونوا بمنأى عن هذه الصراعات السياسية ويدركوا خطورة دورهم المنوط بهم للعبور بمصر إلى بر الأمان في ظل هذه الأوضاع المتفجرة وأوقات التغيير القادم في مصر عن قريب، ويكونوا على يقين أن الإخوان المسلمين هم عامل تهدئة لا تهييج ولا ثورة، وأنهم القوة الأكثر قدرةً على ضبط حركة الشارع المصري في وقت المصائب والمحن؛ لأننا قوة إصلاح وتغيير جذري لا فوقي؛ نربِّي شعبنا ونُمتِّن صفَّنا ولا نستعجل الخطوات؛ فتغييرنا متدرِّج لا فوري؛ لا نؤمن بالثورة طريقًا للتغيير، بل باختيار الشعب.. سنحكمه إن أراد؛ فإصلاحنا المنشود دائم لا وقتي.

 

ولا نريد للخصومة أن تتحوَّل إلى خصومة شخصية أو خصومة ثأرية يتم فيها تخريب الممتلكات وترويع الأهل والأبناء، فلا طائل من وراء ذلك إلا إيغار الصدور وعداوات لا تنتهي.

 

وللإخوان المسلمين حبات القلوب أقول:

أنتم تدركون حقيقة المعركة وحجم التحديات؛ فالرؤية عندنا واضحة، نعرف أهدافنا وطريقنا الموصلة إليها، ونعرف ميدان المعركة الحقيقي.. ميدان التربية والتكوين والتمتين للصف والبنيان؛ لا نتورَّط في اتخاذ أدوات أو أجهزة أعداءً لنا أو أهدافًا من غير العدو الحقيقي (رأس الأفعى).

 

أيها الإخوان..

لا تنزعجوا أو تخافوا؛ فإنما هي حبالهم وعصيهم؛ يخيل إليكم من سحرهم أنها تسعى.. "ألقوا ما في أيمانكم تلقف ما صنعوا.. إن ما صنعوا كيد ساحر، ولا يُفلح الساحر حيث أتى".
ويا نافخ الشمس لتطفئها.. سينقطع نفسك!.

ويا ناطح الصخرة.. لتوهنها سينكسر دماغك!.