انتهت الانتخابات الأمريكية وفاز أوباما ليستكمل الرحلة التي بدأتها "ليزا باركس" الفتاة السمراء التي جلست ورفضت أن تنتقل من مقعدها في الحافلة، والذي كان مخصصًا للبيض، ثم أكمل الرحلة "مارتن لوثر كينج" ليجني ثمارها الأسمر "أوباما" ليُعلن أن الرجل المولود لأب كيني وأم أمريكية، والمحمول بحرًا لخدمة الرجل الأبيض في أرض العالم الجديد، جاء ليُغيِّر من الوجه القبيح لأمريكا.
قد لا اتفق كثيرًا مع ما يتوقعه البعض من نتائج فوز "أوباما" في تلك الانتخابات؛ فإن الكثيرين من العرب ينظرون إليه باعتباره المُخلِّص، باعتباره جاء ليُصلح ما أفسده "بوش" ورفاقه، لكني في الوقت ذاته لا أقلِّل من أهمية الحدث الذي أثبت للعالم أن الولايات المتحدة الأمريكية دخلت في طورٍ جديدٍ من التغيير ربما سيكون للأفضل؛ فحتى اللحظات الأخيرة ويساورني شعور حول احتمالية أن يفوز رجل أسود بالإقامة في البيت الأبيض للسنوات الخمس القادمة، ولم يكن أعتى المحللين السياسيين يتوقع ذلك رغم استطلاعات الرأي التي كانت تسير في صالحه.
كل تلك المقدمات وغيرها وما ضربته لنا تلك الانتخابات التي تقف في مقدمة أهم الانتخابات الأمريكية على مدار تاريخ الولايات المتحدة القصير؛ فقد كسرت تلك الانتخابات الأرقام القياسية في حجم المبالغ الفلكية التي أنفقت فيها والنسبة الأعلى في المشاركة السياسية.
لكننا لا بد- ونحن في أوج الاهتمام بتلك الانتخابات- ألا ننسى واقعنا.. تلك الانتخابات أوحت لي بفكرة ربما يكون فيها نوع من الحراك للخروج من حالة الركود الديمقراطي الذي تعيشه مصر، وربما قد يخرج من بين أضلعنا نحن المصريين رجل كأوباما يقول للمصريين كما قالها أوباما لبني وطنه: "ساعدوني لكي نغيِّر العالم".
أقترح على النظام المصري أن يكون صادقًا مع نفسه ويُعلن أن حزب الحكومة لا يستطيع منافسة معارضيه أيًّا كان اتجاههم، سواء الإخوان أو فصائل المعارضة الأخرى، في أي انتخابات نزيهة، وبالتالي يعلن وقف جميع أنواع الانتخابات؛ ابتداءً من مراكز الشباب وانتهاءً بمجلس الشعب مرورًا بالنقابات المهنية ونوادي أعضاء هيئة التدريس بالجامعات واتحادات الطلاب؛ وذلك لمدة 10 سنوات قابلة للزيادة إلى أن يتمكن الحزب الحكومي من إعادة ترتيب صفوفه.
وهذا الاقتراح- في تصوري- له مزايا عديدة؛ أولها عدم إهدار ميزانية الدولة في تمثيلية عبثية؛ يعلم الجميع في الداخل والخارج أنها مزورة، ثانيها إعفاء الحكومة من "الكسوف" أمام منظمات الشفافية الدولية، ثالثها أن تتجنَّب الحكومة سخطًا شعبيًّا عارمًا يتجدد ويتراكم مع كل انتخابات بسبب اعتقال المعارضين، خاصةً الإخوان، والتضييق المستفز على مرشحيهم.
وهكذا يمكن للحكومة المصرية أن تريح وتستريح، ولكن عليها أن تقطع على نفسها عهدًا أمام شعبها وأمام المجتمع الدولي أن مصر (صاحبة حضارة 5 آلاف عام) سوف تلحق حتمًا بعد هذه السنوات العشر بالدول الإفريقية الرائدة في الديمقراطية، مثل السنغال وبوركينا فاسو، إذا أفاق الشعب من غفوته وأخذ حريته قبل فوات الأوان.
----------
* طبيب بمستشفى دمياط العام.