كانت هذه العبارة التي قالها إمام المسجد الذي صلينا فيه الجمعة في قطاع غزة بعد أن يسَّر الله سبحانه وتعالى أن نصل ونكسر الحصار عبر البحر، لنتواصل مع أهلنا وأحبتنا، ولنحرج أشقائنا وإخوتنا.

 

رحلة عاصفة في بحر هائج قادتنا نحو قطاع غزة، بعد أن سدَّت مصر معبر رفح في وجه الجميع، دون أي عذر مقبول، وبقسوة غير مبررة، محوِّلةً قطاع غزة إلى أكبر سجن في التاريخ.

 

في ذات الأسبوع الذي أبحرنا فيه منعت السلطات المصرية 53 نائبًا أوروبيًّا من الوصول إلى غزة عبر معبر رفح، سألني أحدهم: لماذا؟.. لم أستطع أن أجيب، لا توجد إجابة واحدة مقنعة، أيعقل أن يتداعى العشرات من النشطاء الأجانب ليخاطروا بأنفسهم من أجل كسر الحصار عن غزة، بينما تغلق مصر الحدود في وجه المرضى والطلبة والعالقين، ليقضي حتى اللحظة قرابة 260 مريضًا فيما يشبه الإعدام الجماعي، وتكون مصر هي المسئولة عن ذلك؟! أمر لا تفسير له ولا مبرر.

 

نعم.. الحمد لله الذي جعل لغزة بحرًا كما قال خطيب الجمعة، وأزيد عليها: الحمد لله الذي جعل لغزة بحرًا لا يقف عليه جندي عربي يوجِّه بندقيته نحو المحاصرَين من أهل غزة.. أرض العزة.

 

ما الفائدة؟

تساءل البعض: ما فائدة سفن فك الحصار؟ وزاد البعض الآخر: هي فقط إعلامية تخص من عليها، واسمحوا لي أن أرصد الرسائل التي جاءت بها تلك السفن، خاصةً الرحلة الثانية:

- أثبتت هذه السفن أن العالم لم ولن ينسى غزة، ولن يتركها وحدها.

- على متن السفينة في رحلتها الثانية كان هناك فلسطينيون من الضفة والقدس وغزة والداخل (48) والشتات، لتثبت أننا شعب واحد مهما باعدت بيننا المسافات.

- تكرار الرحلات فرض معادلة جديدة ودشن خطًّا بحريًّا بين غزة والعالم الخارجي.

- شجعت هذه الرحلات الوفود البرلمانية الدولية على سلوك نفس الطريق وصولاً إلى غزة لتأكيد خيار الشعب الفلسطيني الديمقراطي.

- حملت السفينة على متنها مساعدات طبية رمزية لتؤسس لمبدأ العون عبر البحر.

- أحرجت هذه الرحلات الحكومات العربية التي تساهم بشكل مباشر وغير مباشر في حصار الشعب الفلسطيني في غزة.

- كما أحرجت جامعة الدول العربية التي فشلت وعبر عقود من الزمان في تقديم أي شيء يُذكَر للقضية الفلسطينية، واكتفى أمينها العام بالتصفيق للمتضامنين الأوربيين بدلاً من أن يكون معهم.

- سحبت هذه الرحلات أي مبرر وعذر لإبقاء منفذ غزة البري للعالم الخارجي مغلقًا.

- بالتأكيد.. إن احتياجات مليون ونصف المليون فلسطيني لن تحملها سفن صغيرة، ولن تحل المساعدات التي تحملها مآسي القطاع، لكن التشكيك الذي يأتي من تيار فلسطيني معين يساهم بشكل مباشر في حصار غزة، هو تشكيك مُشكّك فيه.

 

أجانب ولكن..

قبل الانطلاق جلس الجميع يتدارسون الاحتمالات والسيناريوهات المتوقعة، نتحدث هنا عن أجانب من 13 جنسية مختلفة، لا يربطهم إلا رفضهم للظلم والحصار على غزة، تنوعت الاحتمالات والتوقعات؛ كان منها أن تعترض بحرية الاحتلال السفينة، أو أن تصعد على ظهرها للعربدة، أو اعتقال كل أو بعض من عليها، أو إطلاق النار وإصابة النشطاء، وفي هذا الاحتمال تحديدًا طال الحديث: هل تعود السفينة إذا أصيب أحدهم أم تكمل؟ من يتخذ القرار؟ ولهذا الغرض شكِّلت لجنة طبية لتقييم الموقف حال حدوثه.

 

الغريب أن الإجماع كان الاستمرار بهذه الرحلة مهما كان الثمن والتضحيات، بل إن أحدهم قال: لو أُصبت ألقوا بي في عرض البحر وأكملوا!!.

 

عندما تراءت لنا غزة في الأفق تعانق الأجانب وذرفوا الدمع، وبدأ بعضهم بالهتاف أو الغناء، كانوا جميعًا في سعادةٍ لا توصف، ونشوة انتصار غامرة، من الصعب فَهْم ما جرى، ومن الصعب فَهْم مواقف إخوتنا وأشقائنا.

 

أين علماء الأمة وقادتها؟! أين الشخصيات الاعتبارية والسياسية؟! أين الجامعة العربية؟! أين وأين وأين؟! غزة يصلها أجانب مخاطرون بحياتهم ومستقبلهم، ويتمنَّع عنها علماء وقادة، يا الله.. ما أصعب هذه المعادلة!، ويا عاركم من مواقفكم!.

 

نتائج وبشائر

دخلنا غزة والجو مكفهر عاصف، وغادرناها وشمسها مشرقة، وبين الوصول والمغادرة أيام قليلة حملت بشائر جديدة، لا ندَّعي أنها من بركات الرحلة، لكنها بالتأكيد من آثارها، وهذا بعضها:

- قبل أن تصل السفينة إلى ميناء لارنكا القبرصي أُعلن عن رحلةٍ ثالثةٍ تحمل على متنها ثلاثة عشر برلمانيًّا من عدة دول أوروبية: بريطانيا، إيطاليا، تركيا، سويسرا، اسكتلندا، وأيرلندا، وهم يمثلون الوفد البرلماني الدولي المكون من 53 نائبًا برلمانيًّا دوليًّا الذي منعته مصر من دخول غزة عبر معبر رفح، إلى جانب نشطاء سلام وحقوقيين.

- في اليوم التالي لمغادرة السفينة وصل 8 من البرلمانيين الأوربيين من الذين منعتهم مصر من عبور رفح إلى غزة عن طريق معبر بيت حانون (إيريز)، وأعلنوا وقوفهم مع خيار الشعب الفلسطيني الديمقراطي، أليس من المخجل أن تمنع مصر ويسمح الاحتلال؟!

- تمت دعوة نواب المجلس التشريعي إلى القيام- ولأول مرة- بزيارة رسمية لمقر البرلمان الأوروبي في بروكسيل العام القادم، وتحديدًا شهر آذار/مارس 2009م.

- التغطية الإعلامية هذه المرة أعادت قطاع غزة إلى الواجهة، خاصةً بعد أن غطَّت وكالات أنباء وصحف عالمية تلك الزيارة ولأول مرة، مركَّزةً على أهدافها وعلى معاناة القطاع.

- نشطت حركة اللاجئين الفلسطينيين في الخارج، وبدءوا بالتحرك لدعم أهلهم في الداخل.

- خلال وجودنا في غزة أعلنت الحكومة عن إطلاق سراح كافة المساجين السياسيين لديها، وقد كان ذلك، في بادرةٍ تفتح طاقة أمل في إنهاء هذا الملف، طبعًا في حال استجابت رام الله لذلك.

- وخلال تلك الأيام أيضًا خفَّضت الحكومة أسعار المشتقات النفطية رغم الحصار، وهو ما ينعكس على الأسعار بشكل عام، ويخفِّف الأعباء عن المواطن.

- اليوم فتحت الحكومة المصرية معبر رفح لمدة ثلاثة أيام وفي الاتجاهين وللجميع، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح نأمل أن تستمر دون إغلاقات.

 

خلاصة الأمر أن غزة وفلسطين من بحرها لنهرها هي في قلوبنا، وقلوب كل مُحبٍّ للعدل والحق، ولن ننساها أو نتقاعس عن واجبنا تجاهها، وهذا أضعف الإيمان.

--------

* DrHamami@Hotmail.com