جاء وعد بلفور بعد مفاوضاتٍ استمرَّت ثلاث سنوات دارت بين الحكومة البريطانية واليهود البريطانيين والمنظمة الصهيونية العالمية قبل أن يخرج بشكل خطاب موجَّه من آرثر بلفور وزير الخارجية البريطانية يوم 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد روتشيلد، وهذا نصه:
"يسرني جدًّا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود الصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:
إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتسهل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليًّا أنه لن يؤتى بعملٍ من شأنه أن يضير الحقوق التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.
سأكون ممتنًا لكم لو أبلغتم هذا التصريح إلى الاتحاد الفيدرالي الصهيوني.
المخلص/ آرثر بلفور".
ومن الجدير بالذكر أن نص تصريح بلفور كان قد عُرض على الرئيس الأمريكي ولسون، ووافق على محتواه قبل نشره، ووافقت عليه فرنسا وإيطاليا رسميًّا سنة 1918م، ثم تبعها الرئيس الأمريكي ولسون رسميًّا وعلنيًّا سنة 1919م، وكذلك اليابان.
وفي سنة 1920 وافق عليه مؤتمر "سان ريمو" الذي عقده الحلفاء لوضع الخريطة السياسية الجديدة لما بعد الحرب، وضمّنه قراره بانتداب بريطانيا نفسها على فلسطين، وفي سنة 1922م، وافقت عليه عصبة الأمم وضمّن صك الانتداب البريطاني على فلسطين.
أسباب وعد بلفور
1- القيمة الإستراتيجية لفلسطين باعتبارها بوابة العبور إلى آسيا، كما وصف هيرتزل دور الدولة اليهودية في فلسطين بقوله: "سنكون بالنسبة إلى أوروبا جزءًا من حائط يحميها من آسيا، وسنكون بمثابة حارس يقف في الطليعة ضد البربرية".
2- محاولة بريطانيا كسب تأييد الطوائف اليهودية في العالم لها في أثناء الحرب العالمية الأولى.
3- التخلص من موجات الهجرة اليهودية داخل أوروبا وتوجيهها إلى فلسطين.
4- اكتشاف حاييم وايزمان الصهيوني لمادة الأسيتون وصنع المواد المتفجرة التي ساعدت بريطانيا في الحرب العالمية الأولى.
بطلان وعد بلفور
يعتبر وجود وعد بلفور من الناحية القانونية في الوجود البريطاني أثناء إعطاء الوعد وجودًا غيرَ شرعي أصلاً؛ لكونها دولة احتلال، ومن المتفق عليه قانونًا أن الاحتلال لا يُفيد بالملكية؛ لذلك فبريطانيا العظمى لا تملك أرض فلسطين حتى تتكرَّم وتعطيَها يهود الأرض؛ لذلك اصُطلح على تسمية هذا الوعد، "وعد مَن لا يملك لمن لا يستحق".
وإذا كان هذا الوعد من الناحية القانونية وعدًا باطلاً فكل ما نتج منه فهو باطل أيضًا، أي إن قيام دولة "إسرائيل" على الأرض العربية في فلسطين هو وجود باطل، ويجب أن يُزال طبقًا للقاعدة القانونية التي تنص على أن ما بُني على باطل فهو باطل، وأية مبادرات للسلام دولية كانت أو عربية فإنها تصب في هذا البطلان، ولا أساس لشرعيتها.
يقول بن جوريون: "من كان مؤمنًا فيجب أن يعيش في إسرائيل، وكل يهودي يعيش خارجها فلا إله له"، وكان يشجِّع على الهجرة ويُبيد الفلسطينيين بالقتل والحرق والهدم.
خطاب بن جوريون الذي أعلن فيه قيام "إسرائيل": "نحن أعضاء مجلس الشعب.. ممثلي المجتمع اليهودي في أرض إسرائيل والحركة الصهيونية.. في يوم انتهاء الانتداب البريطاني على أرض إسرائيل، وبفضل حقنا الطبيعي والتاريخي بقوة القرار الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة، نجتمع لنعلن بذلك قيام الدولة اليهودية في أرض إسرائيل، والتي تدعى دولة إسرائيل، ونعلن أنه منذ لحظة الانتداب هذه الليلة عشية السبت السادس من أيار (مايو) 1948م حتى قيام سلطة رسمية ومنتخبة للدولة، وفقًا للدستور الذي تقره الجمعية التأسيسية المنتخبة، في مدةٍ لا تتجاوز أول تشرين الأول (أكتوبر) 1948م، منذ هذه اللحظة سيمارس مجلس الشعب سلطات مجلس دولة مؤقتًا، سيكون جهازه التنفيذي الإدارة الشعبية، بمثابة الحكومة المؤقتة للدولة اليهودية، التي تدعى إسرائيل".
ويقول الحق جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 60)، وهذا هو وعد الله.
إن القوة هي السبيل، فما أُخذ بها لا يرد بغيرها.