تتسم الأنظمة العربية في مجملها بسوء الإدارة لمقدرات وإمكانات شعوبهم وإلا ما كنا وصلنا إلى ما نحن فيه بعد أكثر من ثلاثين عامًا من السير في طريق السلام المزعوم والذي أهدر الحقوق وأضاع البلاد وأفسد العباد؛ لأنه لم يَنبنِ على أصول حقيقية؛ بل استثمر الحكام هذا الاستسلام ليقدموا أوراق اعتمادهم للقوى العظمى الحامية للكيان الصهيوني؛ عسى أن يرتبط بقاؤهم ببقاء هذا الكيان المغتصب!!.

 

جاء السلام وفي المقابل ضاعت المكانة الدولية في كل المجالات، وانهارت المؤسسات رغم وجود هياكلها، وكذلك القيم رغم وجود مصادرها.. جاء السلام وتدهورت الحالة الاقتصادية وزاد الفقر وانتشر الجهل وارتفعت نسبة الإصابة بالأمراض النفسية والعضوية، ولم تصب معدلات التنمية التي صدَّعوا بها رؤوس الشعب إلا في جيوبهم وجيوب من التفَّ حولهم من المسخ البشري الذي افتقد الكرامة والصدق والإنسانية!.

 

جاء السلام فاستثمره الصهاينة لصالح مشروعهم الإحلالي التوسعي، وما أفسده عليهم سوى المقاومة العفية، ورجالها الأشداء المخلصين، بينما نصب الحكام بالسلام على شعوبهم! وما زالت حالة التردِّي قائمةً طالما لم يعترف الحكام الفشلة بما ساقوا إليه الأمة من إهانة ومهانة، فإذا بنا نجد قرارات ومواقف يتخذونها- من غضب الله عليهم- بلا رؤية ولا بصيرة، وإنما طاعة لولي أمرهم وحامي عروشهم كما يظنون! من تلك المواقف والقرارات:

1- في الوقت الذي فيه تدعو مصر للحوار الفلسطيني؛ نجدها تنحاز فيه لطرف على طرف طبقًا للمعايير الأمريكية!! كما لم ينسَ الوزير الأفشل للخارجية المصرية الذي لا دور لوزارته- بعد انتقال الملفات المهمة منها لجهاز المخابرات العامة- أن يسخر ويهين أحد أطراف الحوار الفلسطيني الذي تستضيفه بلده وينزع منها الشرعية لحساب الطرف الذي باع نفسه للصهاينة والأمريكان!.

 

2- في الوقت الذي تحرز فيه المقاومة العراقية انتصاراتها على المحتل الأمريكي وحكومة الاحتلال بعد أن كادت الدولة العظمى أن تشهر إفلاسها وأنقذتها الأموال العربية المهربة أو المستثمرة بالمليارات بعيدًا عن أرض الوطن.. إذا بنا نجد حكام مصر والأردن يرسلون سفراءهم ليتم حصارهم في المنطقة الخضراء بلا عمل حقيقي يؤدونه لقلة عدد البعثة التي اختزلت في السفير ونائبه!!

 

إذن لماذا هم هناك؟ كي يمدوا حكومة الاحتلال وإدارة المحتل بأنابيب الأكسجين كى تُبقى عليه أو تخرجه بلا حرج أو إهانة كي يستمر مسلسل إذلال العراقيين تحت مظلة الجامعة العربية!.

 

3- اتفق الجميع على أن النظام الحاكم في مصر منهار بعد أن خرَّب الديار وأفسد الذمم وأحال مصر إلى ركام، ولا حل ولا مخرج من سيناريوهات الفوضى أو العنف سوى الإجماع الوطني؛ بعد أن يعترف المسئولون بفشلهم وبحجم الفساد المتراكم الذي تسببوا فيه؛ وذلك بتشكيل حكومة وحدة وطنية ليس فيها أحد ممن سبق أن تولَّى مسئولية وزارية وأفسد فيها؛ في محاولة لتنقية وتهيئة المناخ لإعادة الحياة لمصر والمصريين تحت محددات متفق عليها للإجماع الوطني، يترك فيها الشعب مع كافة ضمانات الحرية والشورى والعدل الذي لا يفرق بين أحد من أبناء الأمة لاختيار حكامه ونوابه ومسئوليه في هدوء دون عنف أو فوضى.

 

ورغم ذلك جاءت فرصة الأزمة المالية العالمية لتلتفَّ الشعوب حول قادتها من مختلف الاتجاهات لتداول الأمر واتخاذ القرارات المصيرية دون تفرُّد من المسئولين في كل أنحاء العالم إلا في مصر؛ فقد ضيع النظام الجهنمي الفاشل الفرصة ولم يلتفت لأحد ممن حوله؛ اعتقادًا منه بالتفرد والتميز وبفضله على كل من عاداه بل كابر وعاند، وذلك دليل شؤم على مجريات الأحداث في الأيام القادمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

4- في ظل الغضب الذي اجتاح مصر كلها نتيجة العنف والإجرام والممارسة غير الشرعية لقوات الشرطة في كل مكان؛ تستمر سياسة النظام في حماية المتهمين في قضايا القتل العمد والتعذيب في الإسكندرية وسمالوط والفيوم والقاهرة؛ حيث يقدَّم المخبرون وأمناء الشرطة كبش فداء مع وعد بإخراجهم من القضايا كالشعرة من العجين فيما بعد!! دون أي مراعاة لشعور الغضب الساري في نفوس كل الناس، وهو ما يهدد بتولي كل ضحية مهمة الأخذ بثأرها لغياب العدل والمساواة!! ورغم ذلك فلا قرار بمحاسبة كل من يتهم في هذه القضايا فور الإبلاغ عنها، ولا تعديل تشريعيًّا يسوي في المسئولية بين المحرِّض والفاعل والصامت والآمر الناهي؛ فكلهم في الإدانة والعقاب متساوون! وهو ما يدل على غباء منقطع النظير قد يعجِّل بفوضى أو بعنف في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية! مصر في حاجة إلى زعماء لا إلى عملاء.

 

اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا وأرشدنا إلى طريق الخير، وقرِّب بين صفوف أبناء الأمة، وأخلص نواياهم لنصرة الحق والعدل والحرية، اللهم احمنا من غدر وخسة أهل الداخل، أما من في الخارج فنحن بإذن الله بوحدتنا ووعينا كفيلون بهم.. اللهم آمين.

-----------

* g.hishmat@gmail.com