أجمع خبراء سياسيون على رفضهم التام للاتفاقية الأمنية التي يسعى الاحتلال الأمريكي لتطبيقها في العراق، موضحين أن الاتفاقية تمثِّل آخر إبداعات المحتل في المكر والخديعة، مع حكومة مدعومة وعميلة، ومع سياسيين عندهم استعداد لبيع وطنهم لمصالح شخصية.

 

وأكدوا- في المائدة المستديرة التي عقدتها لجنة العراق باتحاد الأطباء العرب لمناقشة الاتفاقية الأمنية مساء أمس- أن الموافقة على الاتفاقية بمثابة مكافأة للمحتل وإعطائه شرعيةً لا يستحقها؛ بعد أن دمَّر العراق ومزَّقه، وزرع الطائفية، وأذلَّ شعبه، وهتك عرضه.

 

 الصورة غير متاحة

السفير إبراهيم يسري

 أشار إبراهيم يسري السفير الأسبق في العراق ومدير إدارة القانون الدولي والمعاهدات الدولية بوزارة الخارجية المصرية سابقًا إلى أن الطعنة الغادرة التي وجِّهت للعراق بالاحتلال الأمريكي جاءت نتيجة أهمية الوجود العراقي للبلدان العربية والإسلامية الذي- فضلاً عن كونه بلدًا عربيًّا إسلاميًّا- هو أيضًا حارس مرمى شرق الأمة وقوة كان يحسب لها كل حساب.

 

وأضاف السفير أن ميثاق الأمم المتحدة ينص على عدم جواز استخدام القوة في حالة المنازعات الدولية؛ لذلك يجب حذف كلمة "حرب" من قاموس القانون الدولي؛ لأنه لم يعد مسموحًا بها، كما أن جميع البلدان لها نفس الحق في السيادة على أراضيها.

 

أما بالنسبة لأمريكا فنحن نتحدث عن قانون القوة وليس قوة القانون، وأن المشكلة الحقيقية التي نواجهها الآن هي قلة حاكمة في العراق تستند إلى انتخابات يزعمون بأنها كانت حرةً ونزيهةً، وأتت بحكومة شاغلها الأول هو النمو والأمن العراقيان؛ فالحكومة العراقية تريد الموافقة على اتفاقية تسيطر على العراقيين؛ في حين أنها حكومة خاضعة لسيطرة الاحتلال الأمريكي؛ لذا فإن الاتفاقية تعدُّ باطلةً وغير ملزمة لشعب العراق.

 

وانتقد السفير يسري بعض المواد والفقرات التي تمس أمن المواطن العراقي بصورة كبيرة، مشيرًا إلى أن المادة 4 فقرة 5 في نص مسودة الاتفاقية تحدُّ من حرية العراقيين في الدفاع عن أنفسه، سواءٌ أفرط في استخدام القوة أم لا، كما وجَّه النقد للمادة 13 التي تشير إلى حرية تنقُّل القوات الأمريكية في العراق دون قيود في الانتقال من وإلى الدولة العراقية، كما انتقد المادة الخاصة بإلغاء الجمارك الرقابية على ممتلكات الاحتلال الأمريكي، وتنظيم حرية حركة الطيران والمواصلات بما يوفِّر للأمريكان منتهى الحرية، واصفًا ذلك بأنه من أشدِّ السفور العلني للاتفاقية.

 

وأضاف: إن هناك مآخذ عامة على صياغة الاتفاقية التي نرفضها جملةً وتفصيلاً؛ تكمن في أننا يمكننا وصفها بالخديعة الكبرى وعملية إخلال بالدساتير والقوانين الدولية المتعلقة بسيادة الدولة، كما أنها كانت مليئةً بالنصوص المطاطة مثل المادة 26 التي تنص على أنه يجب على القوات الأمريكية الانسحاب من العراق في مدة لا تتجاوز "..." تُركت فارغةً حتى يتم التلاعب فيها.

 

وقال السفير: إن التاريخ مليء بالمعاهدات والاتفاقيات المماثلة؛ مثل اتفاقية 1936م ولا يوجد بالمجتمع الدولي معاهدات تنادي بالسلام على الورق، فالسلام يعني توازن القوى؛ بمعنى أن السلام في العالم الإسلامي والعربي يتحقق حينما تمتلك الدول العربية القوى اللازمة لإتمام عملية السلام من موقف قوة وليس من موقف ضعيف متخاذل.

 

وأشار السفير إلى الدور "الخسيس الخبيث"- على حدِّ قوله- الذي تمارسه السلطات الحاكمة في العراق التي مهَّدت للاتفاقية منذ شهور عديدة بالسماح لجنود الاحتلال بشراء عقارات متعددة داخل بغداد وغيرها، مؤكدًا أن العراق لن يُحكم أبدًا مهما طال الأمد بهؤلاء؛ رعاة البقر المتوحِّشين المعتدين على الأطفال والنساء، كما يجب ألا نتوقع من الأنظمة العربية الفاشية أي رد فعل قوي؛ لأننا لم نتعوَّد منهم التعقيب على أي أمر؛ بل اعتدنا الصمت المهين.

 

 الصورة غير متاحة

م. محمد عصمت سيف الدولة

 وسرد محمد عصمت سيف الدولة الباحث في اتفاقيات الدول والمعابر قصة نشأة هذه الاتفاقية، مشيرًا إلى أنه في 16/10/2003م أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1511 الذي أعطى للقوى متعددة الجنسيات- تحت جبهة موحدة- اتخاذ التدابير اللازمة لحماية العراق على أن يُجدَّد هذا القرار سنويًّا، وفي 26/11/2007م تم توقيع إعلان مبدئي بين (بوش ورئيس وزراء العراق نوري المالكي؛ ألزم قوات الاحتلال تقديم طلب جديد لمجلس الأمن بتجديد فترة وجود القوة متعددة الجنسيات في العراق للمرة الأخيرة، وفي 18/12/2007م وافق مجلس الأمن على مدِّ الفترة للمرة الأخيرة بموجب القرار رقم 1790 لمجلس الأمن، ينتهي الإذن في 31/12/2008م وهو ما سيجعل الولايات المتحدة تفقد السند القانوني والشرعي لوجودها بالأراضي العراقية إذا لم توقع على هذه الاتفاقية.

 

وانتقد سيف الدولة بنود الاتفاقية؛ بدءًا بالديباجة التي جاء فيها "اتفق الطرفان.."، مشيرًا إلى أن الاتفاقية بصدد طرف واحد، فالاتفاقية بين (رئيس ومرءوسه) أو بين (محتل وعميله) فالاتفاقية باطلة من جميع الجوانب؛ فالوجود الأمريكي ما هو إلا احتلال وعدوان والحكومة ما هي إلا حكومة تابعة وعميلة ومصطنعة، وبذلك يثبت بطلان جميع الأطراف المنوطة بتشريع الاتفاقية التي تعطي غطاءً شرعيًّا لوجود غير شرعي.

 

وأشار سيف الدولة إلى أن المخطط الأمريكي للاستيلاء على المنطقة كشفت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية رايس في المقال الذي كتبته في ذكرى اقتحام العراق بأنهم "سوف تكون لهم مشاركة طويلة الأمد مع أفغانستان والعراق وشراكة خاصة مع دول الخليج، يتقدم كل هذا أساس ديمقراطي، يهدفون منه إلى التوصل لشرق أوسط جديد معدّ إستراتيجيًّا للتطور والنمو".

 

وأوضح أن هناك ضغطًا سياسيًّا من بعض القوى السياسية لقبول الشرعية الأمريكية، ولكن الشعوب لن تستسلم، فالأراضي العربية ملك للأجيال كلها، ولا يجوز لأي جيل التفريط فيها، وما تفعله الجامعة العربية والحكومات والأنظمة العربية من تبادل دبلوماسي مع الحكومة العراقية يُكسب الاحتلال الأمريكي شرعيةً تؤكد عدم وجود تيار قومي محدد.

 الصورة غير متاحة

م. سعد الحسيني

 

وأكد النائب سعد الحسيني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الشئون العربية بمجلس الشعب أن طريق الخلاص من هذا الاحتلال هو التوازن السياسي وتوحيد الرؤى والقوى السياسية.

 

 وأضاف: نحن الآن نواجه دولةً هشةً من داخلها (العراق) ودولةً قويةً تحرك حكومتها (الاحتلال الأمريكي)؛ فالأمريكان أجادوا بشدة صياغة الاتفاقية؛ مما يقدم صياغةً جديدةً لاحتلال جديد، يجعلنا لا نفرق بين قوى الاحتلال الأمريكية والصهيونية في دهائهم وظلمهم.

 

وأشار إلى أن قضية الشعب العراقي تعرَّضت لظلم وتجاهل شديدَين لتعدُّد الخلافات العقائدية بين العراقيين، وانحراف كذلك صور المقاومة ولجوء بعض الفصائل إلى التنازع فيما بينها، مشدِّدًا على أننا لا ننكر وجود مقاومة عراقية مخلصة، فأصل القضية يكمن في أرض عربية احتُلَّت بالغصب والقهر، ولكن الغطاء الدولي المؤسف يعطي شرعيةً للاحتلال.

 

 الصورة غير متاحة

د. عبد الفتاح رزق

 وقال الدكتور عبد الفتاح رزق مقرر لجنة دعم العراق: إننا إذا كنا لا نملك القوى اللازمة لردع محتل أو مقاومته فإننا لا يجب أن نقر لمغتصب اغتصابه؛ فالاحتلال الصهيوأمريكي دائمًا ما يعمل على إضعاف شعوبنا؛ عن طريق كسر الإرادة، وتغييب الوعي، وتفكيك الأمة.

 

وطالب شرفاء العراقيين بألا يوقِّعوا على مثل هذه الاتفاقية حتى لو زُجَّ بهم في السجون وتركوا مناصبهم، وحمَّل الساسة أملَ بناء الأمة بعد رفضهم لتلك الاتفاقية الكاذبة والمخادعة، والتي تقضي على شعب مكسرة عظامه ولكنه استطاع أن يقول "لا".

 

وأعلن رزق خلال الختام أن لجنة دعم العراق تقوم الآن بالإعداد للقافلة الطبية رقم 12 المتوجهة إلى العراق وتحمل المساعدات الطبية والغذائية وكذلك الأدوية.