يعد وعد بلفور اللحظة التاريخية الحاسمة في تاريخ المشروع الصهيوني؛ حيث تم بمقتضاه توقيع العقد بين الحضارة- أو بالأحرى الإمبريالية- الغربية، وقيادة هذا المشروع في الغرب، وتم بمقتضاه تأسيس وطن لليهود في فلسطين؛ باعتبارهم عنصرًا سكانيًّا مستقلاًّ، يضمن الغرب أمنه، ويحقق لسكانه مستوى معيشيًّا مرتفعًا؛ على أن يضطلعوا هم بدور المدافع عن المصالح الإستراتيجية الغربية في العالم الإسلامي.
ويقول الدكتور بشير موسى نافع: إن المشروع الصهيوني كان في جذوره وبيئته الأساسية مشروعًا أوروبيًّا غربيًّا قبل أن يكون مشروعًا يهوديًّا، بل لولا جذوره الأوروبية المسيحية والتحامه بمشروع الهيمنة الإمبريالي لكانت الحركة الصهيونية الآن مجرد تجمُّع آخَر مثل التجمعات والطوائف المتعددة وسط الجسم اليهودي العالمي.
سحر الأسطورة
وهذا ما اعترف به قادة الحركة، وعلى رأسهم تيودور هرتزل؛ الذي مزج كل العناصر في استعارته الشهيرة بالقول: سنقيم هناك في آسيا جزءًا من حائط لحماية أوروبا، يكون عبارة عن حصن منيع للحضارة الغربية في وجه الهمجية!.
ولم يُخفِ هرتزل مطلقًا أن الصهيونية السياسية كانت مشروعًا استعماريًّا، وكان في مساوماته مع القوى الاستعمارية المختلفة- للحصول على مستعمرة في أي مكان يشير- بداهةً إلى أن الأسطورة الجبَّارة عن فلسطين لم تكن سوى شعار حاشد لمشروع استعماري محض، ومرَّ هذا المشروع قبل التوصل لما يسميه المفكر رجاء جارودي (سحر الأسطورة) بحلول أخرى؛ مثل أوغندا وقبرص وسيناء والأرجنتين.
وجاء اختيار بريطانيا بشكل خاص؛ لأنها القوة التي أتاحت للمشروع الصهيوني فرصة التبلور في بداية القرن العشرين الذي شهد ذروة الصعود البريطاني كما شهد نمو المشروع الاستعماري تجاه فلسطين من جنين صغير غير واضح المعالم إلى جزء من طموح الغرب الحديث في السيطرة بل وإدامة السيطرة على العالم بشكل عام والعالم الإسلامي بشكل خاص.
استشراف الراعي الجديد
ويمكن القول بأن التاريخ الفعلي للسياسات الاستعمارية الهادفة إلى إقامة كيان دولة الاحتلال يبدأ مبكِّرًا منذ بدء الحرب العالمية الأولى (1914م- 1917م)، حينما برز احتمال هزيمة الخلافة العثمانية واتجهت بريطانيا إلى التداول والتفاوض بالنسبة لمستقبل الولايات العربية، فكانت مباحثات الشريف حسين والمندوب البريطاني في مصر هنري مكماهون (1915- 1916م) ومعاهدة سايكس بيكو (مايو 1916م) والمحادثات بين بريطانيا والولايات المتحدة والمنظمة الصهيونية (1915- 1917م) والتي أفضت إلى وعد بلفور.
وكانت المنظمة الصهيونية وقتذاك لها مزارع في جميع الدول المتحاربة (مقر لجنتها التنفيذية في برلين، ومؤيدوها في روسيا، ومستعمراتها في فلسطين، ومؤسساتها المالية الكبرى في لندن)؛ فتم نقل مركز الثقل للنشاط السياسي إلى الولايات المتحدة لوجود أغنى جالية يهودية في العالم فيها، وبدأ منذ هذا الوقت المبكر تأسيس الاتحاد الصهيوني الأمريكي عام 1914م، والذي ساهم في حماية المغتصبين في فلسطين ومدهم بالمال والمساعدات بعد توقيع العقد مع بريطانيا!.
في هذه الأثناء كان يتحرك على الساحة البريطانية زعيم صهيوني آخر، وهو الدكتور حاييم وايزمان (1874م- 1952م) الروسي المولد وخريج جامعات ألمانيا في الكيمياء، ورغم أنه لم يكن عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية إلا أنه لقوة شخصيته واتصالاته صار القائد الفعلي للدبلوماسية الصهيونية في بريطانيا خلال هذه الحرب، ولعل أهم حدث كان مقابلة وايزمان الأولى لـ"آرثر بلفور" عام 1906م الذي كان حريصًا على أن يعرف أسباب رفض المنظمة لمشروع إفريقيا الشرقية، فأرست هذه المقابلة أسس صداقة متينة بينهما.
آراء خيالية تتحقق!
ونظرًا لاكتشاف وايزمان وسيلةً لإنتاج مادة الأسيتون الأساسية لصنع المتفجرات مما أدى إلى تعينه رئيسًا لمختبر الأميرالية البريطانية في لندن؛ فإن هذا يسَّر عليه اتصالاته بالوزراء مثل ونستون تشرشل وزير البحرية وآرثر بلفور وزير الخارجية، وفي هذه الأثناء تبلورت المطالب الصهيونية وقدم وايزمان في أكتوبر 1916م برنامجه للحكومة البريطانية لإعادة استيطان فلسطين عن طريق الهجرة الجماعية من الخارج، لكن رئيس الوزراء إسكويت أعرب عن دهشته من هذه الآراء الخيالية!.
وعندما تولى لويد جورج الوزارة في ديسمبر من نفس العام مع حفاظ بلفور على حقيبته الخارجية تحرَّك وايزمان مرةً أخرى؛ حيث التقى سايكس يناير 1917م، وفي تلك الأثناء دخلت أمريكا الحرب ضد ألمانيا، وحدثت اتصالات بين الصهاينة في بريطانيا وألمانيا بهدف بلورة المطالب الصهيونية.
وفي يوليو 1917م اشترك الطرفان البريطاني والصهيوني في إعداد نص لتصريح يصدر عن الحكومة البريطانية بتأييد المطالب الصهيونية، وقدمت مسودة إلى وزارة الحرب في سبتمبر 1917م، وتم رفضها بسبب وجود أحد الوزراء المعادين للصهيونية فعدّلت الصيغة بحيث تبدأ بأن بريطانيا تنظر بعطف إلى إنشاء وطن قومي لليهود، وتم إرسال الصيغة إلى الرئيس الأمريكي ويلسون الذي وافق عليها، فكان هذا هو الضوء الأخضر لإصدار وعد بلفور 2 نوفمبر 1917م.
إرساء قواعد الدولة
وهدفت بريطانيا إلى إضفاء الشرعية الدولية على وعد بلفور في بقاء بريطانيا في فلسطين ضمن إطار التسوية للمنطقة التي يقرها مؤتمر الصلح، وكان أهم عقبة هي مبادئ ويلسون حول تقرير المصير؛ حيث قرَّر الرئيس الأمريكي وقتها إرسال لجنة كنج- كرين لاستطلاع رغبات الأهالي، وجاء تقريرها ليؤكد رفض الصهيونية ويوصي بوضع فلسطين تحت وصاية أمريكية وليس بريطانية ولا فرنسية، وهو أمر لم يتم لتقاعد ويلسون وتوجه أمريكا بعده إلى الانعزال، غير أنه بتأثير اليهود الأمريكيين أصدر الكونجرس قرارًا بالإجماع بتأييد فحوى وعد بلفور 1922م.
وجاءت الخطوة الثانية في معاهدة سيفر في أغسطس 1920م، إذ تخلت تركيا عن سيادتها على فلسطين، وشملت المعاهدة نص وعد بلفور والموافقة على تطبيق نظام الانتداب عليها، ولم يبق أمام الطرفين البريطاني والصهيوني سوى الاتفاق على نص صك الانتداب ذاته؛ الذي يحدِّد غاية الانتداب وآليات التنفيذ ومسئوليات كل منها ثم إقرار هذا الصك من عصبة الأمم.
ثم نمت الدولة اليهودية داخل رحم الانتداب البريطاني؛ فأُرسِيَت قواعد هذه الدولة خلال الربع قرن الفاصل بين إقرار عصبة الأمم صك الانتداب عام 1922م وتوصية هيئة الأمم المتحدة عام 1947م بتقسيم البلاد إلى دولتين؛ إحداهما يهودية والأخرى عربية، وكل يهودي أو صهيوني دخل فلسطين في هذه السنين دخلها بحماية بريطانية.
وأنجزت الصهيونية ما أنجزته خلالها اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا؛ بفضل بريطانيا وتشريعاتها الانتدابية وقمعها العسكري للمقاومة الفلسطينية، وبعد إعلان الدولة بدأ المشروع الصهيوني في تنفيذ مسئولياته بموجب العقد،ولكن هذه المرة برعاية أمريكية، وذلك بعد أن غابت الشمس البريطانية.
-------
* صحفي وباحث.