المتابع للمؤتمر السنوي الخامس للحزب الوطني الديمقراطي الذي بدأت فعالياته أمس السبت ومن المقرر أن تنتهيَ غدًا الإثنين، لا بد أن يصل إلى نتيجة واحدة، وهي أن الشعب المصري بكل فئاته واتجاهاته ظالم ومفترٍ وجاحد و"مبيقدَّرش" جهد المخلصين في هذا الحزب.
فكل جلسات العمل والتي نقلت على الهواء على قناة (المحور) الفضائية الخاصة وقناة (النيل للأخبار) الحكومية، كشفت مدى الجهد الذي يبذله رجال الحزب وحكومته المخلصون لانتشال مصر من كبوتها التي دامت سنوات، وأن الحاسدين الحاقدين من المعارضة هم قلة قليلة؛ هدفها تشويه إنجازات الحزب طوال 5 سنوات، وهي بالطبع السنوات التي بدأ فيها جمال مبارك تطوير الحزب وفرض سطوته عليه.
الغريب أن كل الكلمات- بدءًا من صفوت الشريف ومرورًا بجمال مبارك وزكريا عزمي وعلي الدين هلال وأحمد عز- كلها أكدت أن حكومة الحزب بذلت جهودًا مضنيةً للارتقاء بمصر منذ عام 2002م، وهنا يطل سؤال مهم وعاجل برأسه على الأحداث: مَن إذن المسئول عن انهيار مصر قبل عام 2002م؟! هل هي المعارضة التي لم تبارح مقعد المتفرِّجين باستثناء جماعة الإخوان المسلمين التي حصدت 88 مقعدًا في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة وقبلها 17 مقعدًا في انتخابات 2000، رغم الاعتقالات والمحاكمات والتضييق على الأرزاق التي تتعرَّض لها الجماعة؟! أم أن المسئول هو الحزب الوطني نفسه؟!
وإن كانت الإجابة بالشق الثاني فنحن أمام مشكلة، وهي أن الحزب الوطني بصيغته الحالية جاء ليعيد الأمور إلى نصابها بعد أن انهارت على يد الحزب بنسخته القديمة المتمثِّلة في كمال الشاذلي ويوسف والي ومن كان معهما.
وهنا مكمن الخطورة؛ لأن الأمانة العامة للحزب الوطني في نسخته القديمة كانت تضم أيضًا صفوت الشريف الأمين المساعد وقتها والأمين العام حاليًّا، ود. زكريا عزمي الأمين المساعد حاليًّا، ود. مفيد شهاب، ود. علي الدين هلال، ود. حسام بدراوي كأعضاءٍ في الأمانة العامة، وهم أغلبية لا يُستهان بها في قرارات الحزب الحالية.
أما النقطة الأخرى الأكثر خطورةً فهي أن الحزب لم يشهد انقلابًا أبيض بالمعنى المتعارف عليه؛ لأن رئيس الحزب في كلا الحقبتين كما هو، وهو الرئيس حسني مبارك، ومعنى ذلك أننا سنفاجأ بعد عدة سنوات بأن هناك جيلاً جديدًا آخر قد يكون بنفس الأشخاص يخرج علينا في المؤتمر السنوي العاشر للحزب مثلاً بأن هذه المجموعة جاءت لتصحيح أوضاع الحزب والحكومة والوطن بعد الانهيار الذي تسبب فيه سابقوه.
والمحصلة النهائية أن الانبهار الإعلامي الذي يريد أن يقوم به الحزب بنسخته الجديدة ليس ذا جدوى؛ لأن هناك قناعةً عند الشعب المصري بأن "أحمد مثل الحاج أحمد"، ليس هناك خلاف إلا في الألقاب؛ فكلا الجيلين في الحزب دمَّر مصر وخربها ولكن بطريقته؛ فنسخة والي والشاذلي دمَّرت مصر بانتشار الرشوة والفساد والمحسوبية؛ مما جعلنا نخرج من كارثة لنقع في أخرى.
أما النسخة الجديدة فإنها دمَّرت مصر أيضًا، ولكن بشكل "شيك" ومختلف؛ فمرةً عن طريق عمولات كبار المسئولين كما حدث في صفقات أجريوم وبنك الإسكندرية وعمر أفندي وغيرها، ومرةً من خلال وضع كل مقدَّرات الوطن وإمكانياته في حِجْر رجال الأعمال؛ باعتبارهم الحكَّام الجدد في الحزب والحكومة، وأخرى من خلال الاحتكار والجمع بين الثروة والسلطة كما حدث مع هشام طلعت مصطفى وأحمد عز وغيرهما.
وفي النهاية، ومع احترامنا للأرقام التي صدَّعنا بها الحزب الوطني في مؤتمره السنوي، فإن الوضع الراهن يؤكد أن مستوى المعيشة لدى المواطنين في تدهور مستمر على يد الحزب الوطني بنسختيه القديمة والحالية، كما زادت معدلات الفقر والبطالة والجريمة، وارتفع الدين خارجيًّا ومحليًّا، وحتى على صعيد السياسة الخارجية تراجع الدور المصري في ملفاته الحيوية على يد السعودية وقطر وجيبوتي التي ترعى المصالحة الصومالية.
وعمار يا مصر.. عمار..
-------
* مدير تحرير (إخوان أون لاين).