الدكتور حسن أبو شعيشع اختصاصي الأطفال مرشح الإخوان المسلمين عن كفر الشيخ، كان قد خاض الانتخابات عام 2005م وحصل على 14500 صوت، وحصل منافسه مرشح الحزب الوطني على 8500 صوت فقط، رغم التزوير وضغوط الأمن التي يعرفها الجميع، ورأت الحكومة تجميد النتائج بحجة أن أحد المرشحين تقدَّم بطعن يقول فيه إن اسمه لم يُدرَج في الكشوف، "يعني غلطة وزارة الداخلية" التي تنتمي للحزب الوطني يتحملها منافسهم مرشح الإخوان المسلمين النائب الشرعي للدائرة.. "ما علينا".
حسن أبو شعيشع تعرَّفت عليه في ليمان طرة عام 1981م، وقضينا قرابة السنة في عنبر 2 زنزانة رقم 6 الشهيرة بزنزانة الإخوان المسلمين، وكانت تضم لفيفًا من السادة الزوار، والذين عاشوا سنوات طوالاً يتنقلون بين سجون مصر في مختلف العهود؛ منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.
المجاهد الفذ إبراهيم سلمو فلاح دمياط الفصيح، وأستاذ الهندسة العبقري الدكتور دسوقي شملول.. ومنهم المستجدون أمثال الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والدكتور حلمي الجزار، والمهندس صاحب الصوت الرخيم محمود الراوي، وأستاذ النساء والتوليد الدكتور فؤاد عبد المجيد (صاحب الذاكرة النارية)، وبجوارنا مربي بني سويف الفاضل وموجه الرياضيات الأستاذ حسن جودة، والحاج محمود الأسيوطي الشيخ الشاب والذي سمَّيته (أسد العنبر) رحم الله الأموات وبارك الله في الأحياء منهم.
وكان أول ما لفت نظري إلى الدكتور حسن أبو شعيشع دعاءه.. كنا بعد الصلاة ندعو الله أن يفرِّج كربنا وأن نخرج من السجن سالمين، وهو يدعو الله أن يجمع بينه وبين والده المهندس علي أبو شعيشع وخاله الأستاذ عبد المنعم مكاوي في سجن واحد!!، وعندما سألته عن سبب هذا الدعاء فقال لي: "والله يا علاء.. مسألة السجن مش مشكلة.. نحن نعبد الله داخل السجن ونعبده خارجه.. المشكلة أن أمي مريضة وليس معها أحد، وهي مضطرة إلى السفر لزيارتنا وإحضار الطعام لنا نحن الثلاثة؛ فوالدي في سجن بورسعيد، وخالي في سجن المنصورة، وأنا في ليمان طرة بالقاهرة، والمسكينة تعيش في كفر الشيخ".
وكنت ساعتها في مقتبل شبابي وصاحب رعونة وحماس- لم أندم عليهما كثيرًا- فانطلقت في سيل من الدعوات على الظالمين الذين إذا خاصموا فجروا، والإخوان ينظرون لي بابتسامة ود وإشفاق؛ فقد كانت تربيتهم الصلبة وتوكلهم على الله يجعلانهم يتقبلون مثل هذه المعاناة برضا وتسليم آسر، ولا يلتفتون كثيرًا إلى الحدث الوقتي أو تصرفات بعض الأشخاص الاستفزازية، ويعدون هذا ضريبة لا بد أن تدفع؛ فقد وطَّنوا أنفسهم على تحقيق أهداف معينة يسعون إليها في دأب وصبر طويل.
وتعلمت من الإخوان ألا أضيع وقتًا فيما لا يفيد، والاستفادة من كل لحظة؛ لدرجة أن الأسبوع كان مشحونًا بكمٍّ من الأعمال تثقل الكاهل، ورحم الله البنا القائل: "الواجبات أكثر من الأوقات"، وبمشيئة الله سوف أعرض بالتفصيل في موطن آخر للأعمال التي كنا نقوم بها طوال الأسبوع.
وكنت في السنة الثالثة بكلية الطب، وطلبت من والدي- رحمة الله عليه- إحضار بعض الكتب في الزيارة؛ حتى أستذكر، وللأسف.. رفض ضابط السجن إدخال أي كتاب لمعتقلي الإخوان المسلمين في الوقت الذي كان يُسمَح فيه للشيوعيين بإدخال الكتب والجرائد، وقد تفضَّل أحد الشيوعيين- وكان طالبًا بنهائي طب- فأدخل الكتب التي أحتاجها مع كتبه، والفضل يذكر لأهله ولو خالفناهم في الرأي.
وتمكن حسن أبو شعيشع من إدخال مجموعة من كتب الباطنة الخاصة بالسنة النهائية، وقام الدكتور حلمي الجزار بالشرح لنا، وكان آنذاك طبيبًا حديث التخرج، وأذكر أننا كنا نحضر الأخ الكريم جلال عباس- وهو من إخوان بورسعيد وكان في بكالوريوس هندسة آنذاك- ونجعله نموذجًا للمريض فنقوم بإرقاده ونفحصه، خاصةً أنه كان نحيفًا وطويلاً، ومن السهولة سماع ضربات القلب وصوت التنفس على المبتدئين أمثالنا.
ومما قرَّبني أكثر من حسن أبو شعيشع مواقف أخوية على بساطتها كانت تشكِّل في عقلي ووجداني الكثير؛ مثلاً ليمان طرة له زنازين لا تحتوي على دورات مياه، وكان هذا مثار عنت ومشقة؛ حيث تُغلَق علينا الزنزانة عصرًا وتُفتَح في اليوم الثاني، وكنا نحمل "جردل" البول والأواني ونسير بها خارج العنبر إلى دورات المياه ونقوم بغسلها ونملأ (بستلة) أخرى بالماء الذي نشرب منه ونتوضأ؛ ولذلك قمنا بعمل جدول للخدمة؛ حيث يقوم اثنان بالعمل كل يوم، وكان يومي مع الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، واتفقنا على أنه ينظف الزنزانة ويرتبها وأنا أغسل الأواني وأملأ الماء.
وفي دورة المياه حدثت مشادة بيني وبين الأخوين الفاضلين المهندس جلال عباس ومجدي الزمر (أخ من ناهيا بلدة عصام العريان)، وسبب المشادة أنهما أرادا أن يساعداني في تنظيف الأواني وأنا أصرُّ على أن يتركاني؛ لأن هذا يومي، وعليهما الذهاب إلى حوش السجن لحفظ القرآن أو القراءة كما اعتدنا، وهنا تدخَّل حسن أبو شعيشع وقال لهما: اذهبا لقضاء واجبكما واتركاه؛ لأن اليوم نوبتجيته".
وبعد أن ذهبا وجدته يتقدم لمساعدتي، وقبل أن أفتح فمي جذب الأواني وهو يضحك قائلاً: "ولا كلمة.. إنت فاكرني جلال ولا مجدي ولا إيه؟!"، وأصرَّ على أن يساعدني بالقوة، وجلس بجواري يعمل بهمة ونشاط.
وأذكر أنه كان يدندن بنشيد فيه شجن وأسى، وللأسف.. لا أذكر منه إلا قوله مخاطبًا بلاده: "يا بلادي.. ما زال عندي أمل.. تعرفي من يحب.. ومن تستوي عنده كفة الكلام بكفة العمل"، أو شيء من هذا القبيل؛ فأنا أعتمد على الذاكرة، وقد جرى بالنهر ماء كثير.
وبدأت علاقتي بحسن أبو شعيشع تتوطَّد كل يوم وتتعمق، وأذكر أن الدكتور حسان حتحوت سئل في قناة (الجزيرة)، وكان ضيفًا في برنامج (زيارة خاصة): "ما هو أشد ما أعجبك في حسن البنا؟"، فقال بتلقائية وعلى الفور: "بساطته"، وهذا هو ما حببني في حسن أبو شعيشع: ابتسامته لا تفارقه.. وبساطته في كل شيء.
وكان من برامجنا اليومية أن يلقيَ الأخ خاطرةً، وهي كلمة بسيطة عما يعنّ له بحيث تكون استثارةً للفكر وفائدةً للإخوان، وكان الأخ أحيانًا يستغرق في الكلام وتتحوَّل الخاطرة الموجزة إلى محاضرة طويلة تتفرع إلى أبواب وفصول واستطرادات؛ يسلِّم بعضها لبعض، وكان تعليق الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح: "هذه قاطرة وليست خاطرة".
أما حسن أبو شعيشع فقد كانت كلمته دائمًا موجزةً مركزةً بسيطةً صافيةً محددةً مفيدةً بلا تكلُّف ولا تزيُّد ولا تصنُّع، وكنت أعجب لهذا الأمر، وأسأل الدكتور حلمي الجزار عن سر هذا الحضور والتلقائية فيقول: "حسن نشأ في محضن الدعوة وغُذِّي من لبنها صغيرًا، فأصبحت تسري منه مسرى الدم في العروق؛ فلا يحتاج إلى مزيد جهد عندما يعبِّر عما يجيش في صدره".
ومن الدروس المهمة التي تعلمتها من الإخوان أن فكرتك إذا كانت واضحة في ذهنك وراسخة في قلبك تستطيع أن تعبِّر عنها بكلمات موجزة، وسوف ترسخ في عقل ووجدان المستمع أبد الدهر أيضًا.
ولا أنسى تلك الخاطرة التي ساقها حسن أبو شعيشع ذات ليلة عن الجندية في دعوتنا، وكان صوته متهدجًا وهو يقول: "نعم.. سوف يظل التاريخ يذكر خالد بن الوليد بطل اليرموك، وسعد بن أبي وقاص بطل القادسية، ولكن سيظل وراء هؤلاء القادة مئات وآلاف من الجنود المغمورين المنسيين، ذكرهم الله فيمن عنده، وأغفلهم التاريخ من ذاكرته، وحسابهم عند ربهم".
وكان حسن أبو شعيشع يقص علينا طفولته بين دمنهور وكفر الشيخ وكوم حمادة، وتلك السنوات الموحشة، والتي كان الناس ينظرون إليهم فيها بخوف وتحفظ وارتياب؛ فتهمة انتمائهم للإخوان المسلمين كانت تُلقي الرعب في قلوب الجيران؛ فخاله المجاهد عبد المنعم مكاوي رحمه الله حُكم عليه عام 1954م بالسجن المؤبد، وكتب عبد الناصر على ملفه "ثم يحول بعد قضاء مدة العقوبة للسجن مدى الحياة".
ويروي حسن كيف كانت جدته (أم عبد المنعم مكاوي) تبكي على ولدها الشاب كل يوم حتى كُفَّ بصرها وعاشت بقية عمرها لا ترى إلا صورة ولدها في خيالها، وكيف كان حصارهم وهم في عقر دارهم.. المباحث تداهم البيت أي وقت.. المخبر يحضر يوميًّا ليأخذ التمام عن تحركاتهم ومن زارهم ومن دخل أو خرج، وأثناء وجودهم في كوم حمادة كان والده المهندس علي أبو شعيشع؛ ذلك الصابر المحتسب، لا بد أن يذهب إلى القسم يوميًّا ويُعامَل كالمجرمين الذين أُخلي سبيلهم ولكنهم يقضون فترة مراقبة.
وكان حسن يبتسم بأسى وهو يذكر تلك الأيام الخوالي والحصار مضروب حولهم من كل حدب وصوب، وضيق ذات اليد وعدم وجود طعام بالبيت لدرجة أن أحد أهل الخير طلب من الخبَّاز أن يرسل إليهم أرغفة العيش يوميًّا وتعهَّد أن يدفع له حسابه سرًّا؛ خوفًا من بطش الأمن.
وكان والده إذا أراد زيارة أهله بكفر الشيخ لا بد له من تصريح مسبق من المباحث، وكثيرًا ما حصل على التصريح وعند سفره تقوم مباحث كفر الشيخ برفض الزيارة وإعادته من حيث أتى، وكانت خصوصيتهم منتهكة لدرجة أنهم كانوا في مديرية التحرير؛ حيث انتقالاتهم تبعًا لعمل الوالد، تسلمهم ضابط المباحث نبيل سويلم، وكان يطلب من والده الحضور أسبوعيًّا إليه؛ حيث يُجلسه في مكتبه ليقص له كل صغيرة وكبيرة حدثت طوال الأسبوع، وكان يطلب منه أيضًا إحضار الخطابات التي يرسلها صهره عبد المنعم مكاوي من السجن للاطلاع عليها.
وأجمل ما في حسن أبو شعيشع أنه كان يروي هذه المآسي والابتلاءات ببسمة سخرية ونغمة رضا وتسليم تنبئ عن قدرة فائقة على الجلد والصبر والتحمل لا تملك إزاءها إلا أن تحنيَ رأسك احترامًا وتقديرًا لأصحاب المبادئ الذين يحتسبون ما يلقونه عند ربهم.
وكنا بالزنزانة منا المتزوجون ومنا الشباب الصغير الذي لم يتزوج بعد، وعندما كانت الدروس الخشنة تثقل رءوسنا ونتمدد نيامًا يقوم الدكتور دسوقي شملول أستاذ الهندسة- رحمة الله عليه- بالتنبيه: سوف نتحدث الآن عن البيت المسلم واختيار الزوجة الصالحة فننتفض جميعًا قيامًا في نشاط وحيوية.. المتزوجون يجترون ذكريات الأيام الخوالي، والعزاب أمثالنا تستغرقهم أحلام الغد المنشود والاستقرار العائلي المأمول.
والحقيقة أن وحشة السجن وجلافة السجَّان وغربة الأسر تجعل الإنسان مشوقًا أيما شوق لحياة المودة والرحمة والزوجة الحانية التي تُلقي بهمومك على صدرها وتشاركك أفراحك وأتراحك.
وروى لنا حسن أبو شعيشع قصة زواج والديه بعد أن استغرقت الدعوة سني عمر الوالد وجاوز الثانية والثلاثين، وهذه السن كانت تعد متقدمة في تلك الأيام، وعرض الموضوع على أخيه ومسئوله في الدعوة الأستاذ عبد المنعم مكاوي، والذي اقترح له ثلة من فتيات الإخوان، وكان للمهندس علي تحفظ على بعضهن؛ لأنه يريد فتاة تتحمل أعباء وهموم الطريق، فقال له الأستاذ عبد المنعم مكاوي: "خلاص يا سيدي.. أزوجك أختي"، وأشار بيده قائلاً: "وخذ هذا الصالون وسوف أجهز لك غرفة نوم كمان"، وتزوجا بهذا اليسر وتلك السهولة، وكان السبب الأساسي الذي عجَّل بهذا الزواج سعادة المهندس علي أبو شعيشع بمصاهرة حبيبه ورفيقه في دعوة الإخوان الأستاذ عبد المنعم مكاوي رحمهم الله جميعًا.
وأذكر أنني كثيرًا ما دخلت الزنزانة فأجد الدكتور حلمي الجزار يقرأ القرآن (وهو في التجويد لا يشق له غبار) وحسن أبو شعيشع نائم وقد وضع رأسه على فخذ حلمي وقد استغرقته خشية والدموع تنسال على وجنتيه، فأنسحب في هدوء حتى لا أقطع عليه تواصله، ثم جاءت اللحظة الحاسمة لحظة الإفراج، وهنا تنتاب الأخوة حالة من العاطفة الفوَّارة والمشاعر الجيَّاشة بين فرح ولهفة للحرية ولقاء الأهل، وبين حزن وألم لفراق بعضنا بعضًا بعد هذه الأيام التي لا تعوَّض والتقارب الذي لا يوصف، وتآلف القلوب التي لا يجمع وشائجها إلا الله، وكنا على العهد باللقاء والتزاور.
وبعد خروجي بعدة أيام كنت أسير في باب اللوق؛ حيث اشتريت بنطلونًا متسعًا لأن كل ملابسي كانت قد ضاقت عليَّ، وأدركتني صلاة المغرب فدخلت أحد المساجد فوجدت حلمي الجزار قد أنهى الصلاة، وعندما أوشك على الخروج رآني.. تعانقنا ونسيت كل ارتباطاتي.. هذه أول مرة نلتقي فيها في الحرية، سرنا معًا ثم تواعدنا على الذهاب إلى حسن أبو شعيشع، وقلت له: "هو يسكن في كفر الشيخ 7 شارع مصنع الثلج أمام المصنع مباشرةً" فقد كانت سلوانا في السجن تكرار وحفظ عناوين بعضنا أملاً في التزاور بعد إطلاق سراحنا، وفعلاً ركبنا القطار ووصلنا إلى العنوان.. وقفت أمام مصنع الثلج فوجدت عمارةً مقابلةً له في شرفتها بالدور الأول شيخ مهيب الطلعة يصدق فيه ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (مريم: من الآية 4)، سألته عن بيت حسن أبو شعيشع فابتسم ثم قال: "طب لف وتعالى"، فدخلت شقته وقال: "أنا والده"، وتعارفنا على الرجل وأخبرنا أن حسن مسافر (لا أذكر الآن أين).
وبعد قليل حضر خال حسن الداعية العملاق الأستاذ عبد المنعم مكاوي، وقضينا معهما ساعات لا تحتسب من عمر الدنيا في حديث الذكريات والدعوة، ومما أذكره للأستاذ عبد المنعم مكاوي حكاية طريفة عندما استدعاه اللواء فؤاد علام (الشهير باللواء كرباج وقاتل الشهيد كمال السنانيري خنقًا)، فألتقي بأحد الإخوة يخرج من التحقيق عنده ثم دخل واستجوبه في مسائل (لا أذكر تفاصيلها الآن)، فقال فؤاد علام: "غريبة حكايتكم يا إخوان.. كل لما أسأل واحد منكم على حد تجاوبوا نفس الجواب، كأنكم متفقين مع بعض قبل ما تيجوا"، فقال له: "يا فؤاد بيك.. كلنا متخرجين في مدرسة واحدة".
وللأسف.. لم نتقابل مع حسن هذا اليوم، وذهبنا إلى محطة القطار والأستاذ عبد المنعم مكاوي أبى إلا اصطحابنا وقطع التذاكر لنا بكل أريحية وكرم.
ومضت السنوات وأنا أستحضر صورة أخي حسن في ورد الرابطة عندما يدعو كل أخ لأخيه بظهر الغيب ساعة الغروب، فصرت أحمل صورته في الحرم المكي أو بميدان الطرف الأغر أو شارع أكسفورد في صقيع لندن أو فوق جبل أحد المشمس ونحن في طريقنا إلى زيارة المدينة المنورة، ولم أره طوال هذه السنوات السبع والعشرين سوى مرة واحدة لعدة دقائق عندما احتشدنا في الجمعية العمومية لنقابة الأطباء نندِّد باعتقال الدكتور عصام العريان ورفاقه ومحاكمتهم عسكريًّا.
ورغم ذلك فنحن جسد واحد، وشعور واحد؛ إذا عطس الأخ في الإسكندرية يقول له أخوه في أسوان: "يرحمكم الله"، كما وصف جماعتنا الصحفي الكبير مصطفى أمين في لقائه مع الإمام الشهيد حسن البنا.
ومنذ أيام فقط قرأت تصريحًا لحسن أبو شعيشع أنه يزمع دخول انتخابات كفر الشيخ المعلقة منذ سنوات في 10 نوفمبر القادم، رغم أن سوابق الحكومة في تزوير تلك الدوائر الحساسة مشهودة؛ بدءًا من جيهان الحلفاوي بدائرة الرمل بالإسكندرية، وإلى جمال حشمت بدمنهور النائب الذي عجز عن أن يُدليَ بصوته هو نفسه في لجنته المحاصرة، ولكن لقد تعلمنا أن الله يحاسب على العمل وليس على النتيجة، ومأجور يا أخي حسن إن شاء الله.
وعمومًا الدنيا دوارة.. بالأمس كنا نشكو من حصار البيت وعدم وجود خبز يسد جوع العيال و"رزالة مخبر بصاص"، والآن نشكو من حرماننا من مقاعدنا الشرعية في البرلمان أعلى سلطة للتشريع في البلد أو منعنا من السفر لحضور مؤتمر مشهود في عاصمة أوروبية أو منع مشاركة في أحد البرامج الفضائية، فالحمد لله على فضله ومنته، ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 140).
--------
* مكة المكرمة- الزاهر- Alaasaleh59@hotmail.com