د. حامد أنور

 

كنتُ أنوي كتابة هذا المقال منذ خمسة أشهر، ولكني آثرتُ التريثَ حتى يُخرِج كل كاتبٍ ما في جعبته وحتى تنضح آلة الإعلام الغربية والعربية بما فيها وما يُطلب منها حول الانتخابات الأمريكية وما له من علاقةٍ بها وحدث ما كنتُ أتوقعه من عباراتٍ فخيمةٍ تأخذ بالقلوب والأحلام من نوعية أمريكا الجديدة والأمل القادم والتغيير التاريخي وأوباما والأوبامية، أنهم أناس طيبون للغاية، إنهم يظنون أنهم تحت مخالب الآلة الإعلامية الجبارة والسيناريوهات المفتعلة قادرون على خداعنا.

 

معذرةً يا رجال الإدارة الأمريكية.. إننا لن ننخدع بحركة لسان السيد ماكين أو مهاترات جو السباك أو الشجار الذي حدث مع أوباما في أحد المطاعم وزيارته لجدته المريضة التي يظنون أنها قادرة على صرف أذهاننا وأبصارنا عن الحقيقة المفجعة التي تختفي وراء هذا الضباب الإعلامي الكثيف.. فالانتخابات الأمريكية أكذوبة كبرى.

 

لنذهب معًا نناقش بهدوء وحيادية تامة كيف يختار الأمريكيون رئيسهم، وهو عنوان وضعه موقع الـ(سي إن إن) ومكتوب أيضًا في الأوراق التي نشرتها الخارجية الأمريكية في نوفمبر 2001م عن الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

 

"بدايةً يفرض النظام السياسي الأمريكي على المرشحين من خارج الحزبين الرئيسيين شروطًا صعبةً تدخل في إطار المستحيلات وتضع كمًّا هائلاً من العقبات والعراقيل؛ لأنه يفضل العيش في ظل أكثرية حاكمة تتكون من ائتلافاتٍ ضمن الحزب الواحد على أكثرية حاكمة تتأسس من ائتلافات بين عدة أحزاب فيضع نظامًا يعتمد على الفوز بأكثرية الأصوات أو على الأقل بعددٍ كبيرٍ منها؛ الأمر الذي يحد من إمكانية تحقيقه وجود عدد كبير من المرشحين وعدد كبير من الأحزاب، فأي مرشحٍ في انتخابات الحزب التمهيدية عليه أن يجمع عددًا محددًا من التوقيعات على عريضة، وأن يدفع رسمًا معينًا، ويزداد كلاهما عددًا وقيمةً إذا رغب في الترشح لأيٍّ من مناصب الولاية، ويزدادان أكثر إذا رغب في الترشح لانتخابات الحكومة المحلية, والأنظمة التي تُشرف على حقِّ الترشُّح في الولايات تعمد إلى تحميل الذي يسعى لترشيح نفسه لمنصب الرئاسة بوصفه مرشحًا مستقلاً أو ممثلاً لحزب ثالث بمطالب كثيرة، وإذا كانت الصعوبات تتصاعد أمام المرشح لمناصب فيدرالية أو حكومية محلية، فما بالنا بمَن يترشح منهم لمنصب رئيس الجمهورية" (كتاب الديمقراطية الأمريكية التاريخ والمرتكزات)، وهو ترجمة أوراق الديمقراطية الأمريكية التي نشرتها وزارة الخارجية الأمريكية- ترجمة حسن عبد ربه المصري، صادر عن مكتبة الأسرة صفحة 50, أي أن الأمر ليس على عواهنه، فليس من حق أي شخصٍ ترشيح نفسه بسهولة، بل خلفه حشد هائل من المؤيدين والمتبرعين والداعمين، فمن يدعمك يا أوباما؟ ثم تجد أن الإعلام يعرض مناظرةً بين أوباما وماكين.

 

أين رالف نادر؟.. أليس هو أيضًا أحد المرشحين؟ لماذا لا يحصل على فرصةٍ متساويةٍ أيها الليبراليون الأخيار؟ ألا يمكن أن تكون أفكاره أشد فاعليةً من أوباما أو أن مواقفه أكثر تعقلاً من ماكين؟ إنهم لا يريدون إجهاد كُتَّاب السيناريو.

 

وإذا انتقلنا للنظام الانتخابي نجد إشكاليةً عجيبةً، وهي أن الولايات ليست ذات أصوات متساوية في المجمع الانتخابي بلا مبرر واضح، والأمر هنا ليس مرتبطًا بعدد السكان مثلاً فالمرشح آل جور عام 2000 حصل على أصوات أكثر من بوش على مستوى التصويت الشعبي، بينما بوش حصل على أصوات أعلى في المجمع الانتخابي، فلماذا لا يكون المجمع الانتخابي معبرًا حقيقةً عن أصوات الانتخاب الشعبي؟ أليس هذا تمييزًا بين الولايات وبعضها بين الأمريكيين وإخوانهم في الولايات المختلفة، فتجد كما يعرض موقع الـ(سي إن إن) أن واشنطن العاصمة لها في المجمع الانتخابي ثلاثة أصوات فقط، أما ولاية فلوريدا فتجدها 25 صوتًا، فهل سكان فلوريدا أكثر رقيًا من سكان واشنطن، كما أن ولاية نيويورك لها في المجمع الانتخابي 31 صوتًا، فلماذا هذا التمييز بين الولايات وبعضها.. لماذا لا يكون عدد أصوات كل ولاية في المجمع الانتخابي متساويًا أو معبرًا عن عدد سكانها؟!.

 

ونأتي للكارثة الكبرى.. هل هيئة المجمع الانتخابي مجرد رقم أم أشخاص؟ بمعنى هل بحسم المرشح لانتخابات الرئاسة الأمر لصالحه يحصل على أصوات الولاية كاملةً أم أن الأمر معلق حتى تجتمع هيئة المجمع الانتخابي لحسم الأمر؛ وذلك لأن موقع الـ(سي إن إن) والكتاب السابق يشيران إلى أن الانتخابات على المستوى الشعبي تتم في أول ثلاثاء بعد أول اثنين في شهر نوفمبر، بينما يجتمع أعضاء المجمع الانتخابي الذين يبلغ عددهم 538 يوم 15 ديسمبر للإدلاء بأصواتهم، ويجب على المرشح الفائز أن يحصل على 270 صوتًا + واحد، فإذا كانت الهيئة الانتخابية مجرد رقم فمن هؤلاء الذين يجتمعون في الخامس عشر من ديسمبر.

 

ونظرًا لأني مريض بنظرية المؤامرة تساءلتُ: ولماذا كان أعضاء الهيئة الانتخابية 538 وليس مثلاً 539 فأخذتُ أبحث عن الأحداث المرتبطة بهذا التاريخ لأفاجأ بأنه يوافق عودة اليهود من السبي على يد قورش الملك الفارسي وبناء الهيكل عام 538 قبل الميلاد، فيا لها من دلالة، وهل هذا هو السبب لما صرح به القس المتشدد جاكسون: "أيها المسلمون انتظروا أوباما"، ولا أدري إذا كان السيد جاكسون يتوعد المسلمين أم يبشرهم.

 

ولكن هل يا ترى يشاهد السيد جاكسون ما تقدمه السينما الأمريكية، ففي فيلم deep Impact والذي يتخيل فيه أن هناك نيزكًا ضرب الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك نيزك آخر في الطريق اسمه بدر مان لاحظ الاسم جيدًا، وأنهم أرسلوا سفينة تُسمَّى سفينة المسيح لضرب هذا النيزك قبل الوصول إلى الأراضي الأمريكية، وكان الممثل الأمريكي ذو البشرة السمراء مورجان فريمان هو الذي يقوم بدور رئيس الولايات المتحدة الأمريكية نعم كان الذي يقوم بدور الرئيس أمريكي ذو بشرة سمراء فاختياركم لأوباما لن يكون أبدًا تغييرًا في السياسة الأمريكية، فتغيير الممثلين في الرواية الواحدة لن يغير من تفاصيلها، والأهم أنه لن يُغيِّر من نهايتها.

 

وكنتُ أتمنى أن يتوجه السيد جاكسون إلى إدارته وإلى رؤسائه ويقرأ عليهم كتابهم المقدس الذي أُنزل عليهم أم يا ترى يسير خلف نهج علماء اليهود الذين قسى عليهم السيد المسيح أشد قسوةً؛ لأنهم كانوا يصدرون من الفتاوى الأعاجيب ويلهون الأمة عن القضايا الحقيقية وعن المصير الذي ينتظرهم.

 

فعندما كان يعلم الجموع نفر منه علماء اليهود وامتعضوا فقال لأتباعه: "اتركوهم، هم عميان قادة عميان، وإن كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في الحفرة" (متى 15-14) فما أشبههم بأناسٍ من جلدتنا, فكنت أتمنى يا سيد جاكسون أن تقول للإدارة الأمريكية التي أرسلت سفينة المسيح لضرب المنطقة- كما أشار الفيلم- أن تقول لهم ما قاله كتابكم المقدس عنهم ليدركوا حجم الجريمة التي ارتكبت في حقِّ الأرض.

 

ففي سفر أشعياء "والأرض تدنست تحت سكانها لأنهم تعدوا الشرائع وغيروا الفريضة، نكثوا العهد الأبدي لذلك لعنة أكلت الأرض وعُوقب الساكنون فيها" (أشعياء 24-5)، فهل أدركت الإدارة الأمريكية ما اقترفته يداها ثم يوضح النص بارقة الأمل.. "من أطراف الأرض سمعنا ترنيمة مجدًا للبار فقلت يا تلفي يا تلفي، ويلٌ لي الناهبون نهبوا نهبًا, نهبوا نهبًا, عليك رعب وحفرة وفخ يا ساكن الأرض" (أشعياء: 24-16)، ثم يوضح لنا مصير قوات التحالف الدولي قائلاً: "ويكون في ذلك اليوم أن الرب يطالب جند العلاء في العلاء وملوك الأرض على الأرض ويجمعون جمعًا كأسارى في سجن ويغلق عليهم في حبس" (أشعياء 24-21).. فهلا أخبرتهم يا سيد جاكسون؟!.