من المهم أن نذكِّر الأجيال المتعاقبة بما حدث في نوفمبر وأثَّر تأثيرًا فادحًا على الأمة العربية؛ لأن استحضار التاريخ جزءٌ من المحافظة على سلامة الذاكرة وجزءٌ من حراسة الوعي الذي تتكالب جهاتٌ على تغييبه أو طمسه أو تشويهه.
وإذا استقامت ذاكرة الأجيال استقام القصد على تصحيح ما وقع في هذا الشهر في سنوات متعددة، وتشرين هو شهر نوفمبر.
في نوفمبر يومان حُفرا في الذاكرة العربية وأصبحا جزءًا من حاضرها، ويلحَّان بشكل مخيف على مستقبلها، وهما اليوم الثاني من نوفمبر 1917م، واليوم التاسع والعشرون من نوفمبر 1947م، والفاصل بين اليومين 27 يومًا في الشهر الواحد، ولكن الفاصل بين هذين اليومين بالذات هو ثلاثون عامًا.
يهمّنا في هذه النقطة أن نجيب عن عددٍ من التساؤلات التي لا بد أن تتبادر إلى ذهن القرَّاء، خاصةً من شبابنا وبعض شيوخنا الذين عاصروا- قطعًا- التاسع والعشرين من نوفمبر 1947م.
التساؤل الأول: هل هناك علاقة عضوية بين التاريخين؟ أم أن العلاقة بينهما أكبر؛ وهي أن الصانع فيهما واحد، وأنه خطّط طوال الثلاثين عامًا حتى يكون يوم التاسع والعشرين هو الثمار المُرَّة لليوم الثاني من نوفمبر؟!
وحتى لا يلتبس على السادة القرَّاء فإنني أبادر إلى القول بأن الثاني من نوفمبر 1917م هو التاريخ الذي صدر فيه إعلان بلفور الذي يترجم إلى اللغة العربية بأنه وعد بلفور في سياق الخطابة العربية، وقال عنه الميثاق الوطني في مصر الصادر عام 1962 إنه "أعطى من لا يملك (أي بريطانيا) وعدًا لمن لا يستحق (أي اليهود في فلسطين)، واستطاع الاثنان (من لا يملك ومن لا يستحق) أن يسلبا صاحب الحق الشرعي مما يملكه ومما يستحقه".
فاللورد بلفور وزير خارجية بريطانيا عام 1917م كُلَّف من جانب الحكومة بناءً على جهود يهودية بأن يعلن- والحرب العالمية الأولى تشتد أوزارها في ساحات اللظى وتتساقط فيها إمبراطوريات وتُولد فيها دول وممالك- أن لليهود الحق في أن يكون لهم وطن قومي في فلسطين (National home)، ومعنى وطن قومي بلغة ذلك الزمان أنهم ليسوا مجرد أقلية تبحث عن مكان، ولكنها أقلية قومية يجمعها رابط قومي، وأن هذه الأقلية القومية من حقها أن يكون لها وطن له علاقة بهذا القوم، وهو أول اعتراف بريطاني بأن اليهود شعب وبأن حركتهم الصهيونية هي حركة تسعى إلى أن يكون لهذا الشعب مستقرٌّ في بلدٍ لهم به علاقة سابقة، أو إن شئت فقل هو أول تجسيد لفكرة الدولة اليهودية في فلسطين.
دلالة هذا التصريح أيضًا أثناء الحرب وعدم القدرة على رؤية عالم ما بعد الحرب أنه تسجيلٌ لموقفٍ لو تغيَّرت أقدار الحرب فربما صار هذا الموقف من تراث الحرب، ونقطةً في مراحل التسوية؛ ولذلك لا يجب التهوين من قيمة هذا التصريح الذي تعلن فيه الدولة العظمى في ذلك الوقت موقفها صراحةً ولأول مرة من القضية اليهودية.
ولا أظن أن العالم العربي في ذلك الوقت قد علم بهذا التصريح، أو أنه قد أدرك أبعاده الحقيقية، ولكنه بدأ يدرك ذلك فقط عندما قام الكيان الصهيوني في 15 مايو 1948م، ولو لم يَقْمْ الكيان الصهيوني لظل الإعلان إحدى المحطات التي تؤرّخ لموقف بريطاني حاسم ينسجم مع منطوق المشروع الصهيوني، وهو أن اليهود لا يمكن دمجهم في البلاد التي يعيشون فيها، وأن جمعهم في وطن واحد له صلة تاريخية بهم هو الحل النهائي.
ورغم مُضيِّ ثلاثين عامًا على هذا الإعلان، إلا أن فكرة تقسيم فلسطين كانت على نفس الفكر الذي تضمنه الإعلان، وهو أن فلسطين لعددٍ من الشعوب؛ منها الشعب اليهودي، ومنها الشعب الفلسطيني، ولا ينفرد أحدهما بفلسطين.
ومعنى ذلك أنه يمكن تعقُّب فكرة إقامة دولة يهودية في فلسطين عند البريطانيين بشكلٍ مدروسٍ ومرسومٍ ومتدرِّج؛ بدءًا بإعلان بلفور، ثم صكّ الانتداب، والذي تكفَّلت بريطانيا بأن تكون الدولة المنتدبة لتنفيذه عام 1920م وأن تبذل كل الجهد لإدارة فلسطين وتشجيع الهجرة حتى يزدهر المشروع تحت رعاية بريطانيا، فإذا ما اكتملت أركانه واستقرَّ المهاجرون على أرض فلسطين وتم تدريب العصابات الصهيونية ضمن ساحات القتال في الحرب العالمية الثانية مع الجيش البريطاني، تصوَّرت بريطانيا أن الدولة اليهودية ستكون جزءًا من المنطقة في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ ولذلك فإن دراسة النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بالنسبة للدارسين العرب يجب ألا تقنع بالقول بأنه عالم ثنائي القطبية، وإنما هو عالم أجمع على أن الكيان الصهيوني جزء من تركيبة المنطقة.
فلم يكن إعلان 17 نوفمبر حدثًا مستقلاً، كما لم يكن قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947م صدفةً من الصدف؛ فمن المعلوم أن بريطانيا بعد أن تأكَّدت من توفر مقومات الدولة اليهودية تخلَّت عن مهمة الانتداب، وأحيل الأمر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقدَّمت الولايات المتحدة مشروع القرار بالتنسيق مع بريطانيا، رغم أن بريطانيا امتنعت عن التصويت على هذا القرار؛ إمعانًا في تضليل المحلِّلين والمراقبين، وتظاهرًا بأنها كانت فعلاً ضد العصابات الصهيونية التي أنشأ زعماؤها الدولة العبرية، ولا يصدق أحد أن بريطانيا قد تخلَّت عن المشروع الصهيوني عندما تخلَّت عن مهمة الانتداب في أبريل 1947م، ولكنها بذلت الرعاية الكاملة حتى يتجسَّد مشروع التقسيم حقيقةً على الأرض، فيبدو أنها كانت آخر المحاولات للأسد البريطاني العجوز الذي أسلم القيادة بعد ذلك للولايات المتحدة.
وإذا ذكرنا يوم التاسع والعشرين من نوفمبر 1947م المعروف بـ"يوم التقسيم"؛ فإننا يجب أن نستحضر في هذه الذكرى تفاصيل هذا القرار، وكيف أن الدول العربية الست التي اشتركت في إنشاء الأمم المتحدة قد اعترضت على هذا القرار وحاولت أن تَثنِيَ الآخرين عن مساندته، ولكن الضغوط الصهيونية والأمريكية كانت أقوى من أن تقاوَم، فرفضت هذه الدول قرار التقسيم، ولما كان هذا القرار هو شهادة ميلاد "إسرائيل" والدولة الفلسطينية من الناحية القانونية الوضعية؛ فإن الكيان الصهيوني قام على القرار، وتوسَّع بعد ذلك في فلسطين، بل وأجبر الدول العربية على ألا تعود إلى هذا القرار، وطالب شامير رئيس وزراء الكيان الصهيوني في مؤتمر مدريد للسلام في 30 أكتوبر 1991م صراحةً بذلك.
وبهذه المناسبة فإنني أهيب بالباحثين والمؤرخين والحكومات العربية أن تحييَ ذكرى القرار بدراسات جادَّة ومعلومات مكثفة ورؤية جديدة؛ تجدّد بها الآمال كل عام، ولا تخبو بها الهمم وتتراجع من أجلها العزائم؛ فإذا كانت الأجيال السابقة قد رأت تراجع المشروع العربي وازدهار المشروع الصهيوني؛ فإن الأجيال الجديدة بحاجةٍ إلى أن تتولى بنفسها مواجهة المشروع الصهيوني بعد أن تأخذ حقَّها من التعلم والإدراك والوعي بحقيقة هذا المشروع.
فنحن لا نريد ألا تشعر الأجيال الجديدة بأنها ترث بشكل أعمى عن الآباء، وألا تستمع إلى تحذيرات شامير التي مضى عليها قرابة ثلاثين عامًا، ومع ذلك لا تزال الحكومات تحترم الوصية، كما يلتزم إعلامها بأن الصراع العربي الصهيوني قد أصبح نزاعًا فلسطينيًّا صهيونيًّا، ثم أصبح صراعًا على السلطة بين فتح وحماس.
تلك ليست نهاية التاريخ، وهذه الذكرى يجب أن تكون مناسبة لتجديد الذكر وشحذ الهمم.