غسان مصطفى الشامي

متى تهمل الأمم والشعوب تاريخها تَسقط وتَضِعْ في متاهات الزمن؛ فكم من الأمم والشعوب سقطت على مدار أزمنة التاريخ!، وكم من الأنظمة والإمبراطوريات انهارت وانتهت تحت ركام الزمن وأيامه الدول!، فكم من التاريخ السيئ شكَّل دفعةً قويةً للأمم والشعوب لأن تعيد صناعة تاريخها السيئ من جديد وتصنع تاريخًا يقوِّيها ويدفعها إلى الاستمرار وقيادة الأمم وريادتها!، وكم من التاريخ العريق والعظيم تجاهله أبناؤه وأهملوه فأصبحوا هم في ذيل الأمم والشعوب وأصبحوا أذلاَّء بين الأمم!.
***
من التاريخ نستسقي العبر والدروس؛ لكيلا يصيبنا ما أصاب الأمم السابقة من شرور، وحتى نُقوِّيَ دعائم وركائز مجتمعنا؛ فما يَحدث من تصادم وصراعات بين الأمم والأقوام يُمثِّل سننًا ربانيةً يجب علينا أن نعيَها وأن نتعرَّف عليها، ولا يمكن التعرف على ما يحدث من صراع وبواطن هذا الصراع والتصادم بين الشعوب والدول إلا من خلال قراءة التاريخ وتفسيره وتحليل وقائعه وحوادثه والاستفادة منه في حاضرنا.
والحياة الإنسانية هي في تفاعلٍ مستمرٍّ بين ماضيها وحاضرها، والموقف الذي يتخذه الفرد أو المجتمع من ماضيه يرتكز إلى حد بعيد على القوى والمشكلات التي تجابهه في حاضره.
إن إدراكنا للتاريخ والماضي يفيدنا في حاضرنا ومستقبلنا، بل هو ضرورة حياتية، والكثير من رءوس الدول يدرسون التاريخ ليساعدهم في إدارة أمور دولتهم؛ فقراءة تاريخ الدول والشعوب السابقة لها أهمية كبرى في الحكم والسياسة والتعامل مع الناس، ولا يتسع المقام هنا للحديث عن تاريخ أمتنا الإسلامية العريق، هذا التاريخ الذي شهد له القاصي والداني، كيف لا وقد كانت الحضارة الإسلامية أعظم حضارات الأرض في فترة العصور الوسطى، وما زالت كُتب ومُؤلفات العلماء المسلمين تُدرس في الجامعات الأوروبية، بل إن القاعات العلمية في عددٍ من الجامعات الأوربية سُمِّيت بأسماء علماء مسلمين، وما زال الغرب يحفظ للحضارة الإسلامية دورها في تطور العلوم الإنسانية؟! وإسبانيا خير دليل وشاهد على فضل الحضارة الإسلامية على أوروبا.
هذا هو تاريخنا العريق.. لماذا لا نعود إليه لنقرأه ونستفيد منه؟! أين نحن من هذا التاريخ الخالد؟! لماذا نُضيِّع هذا التاريخ ونَحكم على أمتنا اليوم بالتخلف والتدهور القيمي والأخلاقي؟! يجب علينا جميعًا أن نقرأ التاريخ ونستفيد من تجارب الأمم والشعوب السابقة؛ لنسخِّرها في حاضرنا، ولتكون لنا عونًا في مستقبلنا ومستقبل أمتنا.
إن في تاريخنا من الخوالد والمآثر ما هو كفيل بأن يُعيد للأمة العربية مجدها وعزتها وكرامتها التي سُحقَت، فيجب علينا أن نتخذ من هذا التاريخ نقطةً للانطلاق والعودة إلى ريادة العالم وقيادته، ولنجعل من تاريخنا العظيم حافزًا لنا يُنير لنا الطريق نحو النصر والتحرير، ويقوينا على إعادة صنع التاريخ.
إن المشكلات التي نعاني منها اليوم ونجابهها هي مشاكل مشابهة حدثت في تاريخنا وقد تغلب عليها السابقون، وحتى نتغلب عليها نحن يتطلب الأمر منا العودة إلى التاريخ، وتجارب الشعوب والأمم السابقة في مواجهة مشاكلها وكيفية التغلب عليها، وهذا لا يتأتَّى إلا بالجهد والعمل والإيمان القوي بالقدرة على التغيير نحو الأفضل وإعادة المجد إلى تاريخ هذه الأمة.
وهنا أوجِّه دعوةً إلى دولنا العربية ورءوسها وكافة الهيئات العربية، للعمل على الاهتمام بتاريخنا وتنمية الوعي بأهميته؛ بهدف تربية الجيل وتنشئته على معرفة تاريخه الصحيح؛ وذلك حتى ننتصر على أعدائنا الذي يريدون لنا أن ننسى تاريخنا؛ لذلك قاموا بتشويه هذا التاريخ خلال استعمارهم للبلاد العربية، وقاموا بالتحكم بالمناهج الدراسية وتزوير الحقائق وتشويهها.