المتابع لحالة (الإصلاح السياسي) في مصر يلحظ بسهولة أن عملية الإصلاح تأرجحت كثيرًا في السنوات القليلة الأخيرة؛ فتقدمت خطوةً إلى الأمام حينًا، ووقفت مكانها أحيانًا، وتقهقرت للوراء غالبًا، وهي ظاهرة تستحق الرصد والدراسة.

 

فمن الواضح أن ثمة عوامل مختلفة تؤدي إلى هذا التقدم والتراجع، ولا أتحدث هنا عن رغبة النظام في الإصلاح؛ فهو لم يرغب في ذلك قط، ولا أظن ذلك أمرًا فيه جدل، إلا أنه يضطر أحيانًا إلى السير في طريق الإصلاح، ولا أحد يسير في هذا الطريق إلا بالضغط، الذي قد يأتي من الداخل وقد يأتي من الخارج.

 

والحقيقة أنه في الحالة المصرية من الواضح أن مساحات الإصلاح في الحياة السياسية مرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بالضغط الخارجي، ومن الطبيعي في ظني أن يكون للخارج دورٌ في المناخ العام، خاصةً في عالم متعولم ومتداخل، ولكن أن يكون هذا الدور هو الرئيسي والأساسي فذاك معناه أن ثمة عطبًا في الدفة الداخلية، وهذا العطب قد يكون سببه غياب الرغبة الداخلية في الضغط من أجل الإصلاح، أو غياب قدرة الداخل على التأثير.

 

وأتصور أن الرغبة في الإصلاح موجودة، وأنها تسير بيانيًّا إلى الأعلى بشكل منتظم؛ إذ إن دوافع الرغبة في الإصلاح تزداد، وهو أمرٌ يمكن ملاحظته من وتيرة كلام النخب المثقفة والعامة على حدٍّ سواء، وهذا لا يدع إلا خيارًا واحدًا في فَهْم تقهقر الحالة السياسية، وهو أن الداخل غير قادر على التأثير والضغط، وهو في ظني أمرٌ له سببان مرتبطان؛ سبب اقتصادي وسبب اجتماعي.

 

فأما الاقتصادي فمعلوم، وهو أن النظام نجح بوسائل متعددة في تحويل مرتبات القطاع الأكبر من موظفي الدولة، خاصةً المؤثرين منهم إلى إتاوات أو بدلات ولاء؛ يفقد الجزء الأكبر منها (من مكافآت وبدلات وحوافز.. إلخ) إذا رؤي من مستحقه أي موقف أو رأي يخالف النخبة- إن كانت بالفعل تستحق أن توصف بالنخبة- الحاكمة، ومعلوم أيضًا أن الطبقة المتوسطة في مصر شبه معدومة، وما هو متبقٍّ منها لا يتمتع بأي قدرٍ من الاستقلال الاقتصادي الذي يمكِّنه من التحرك نحو الإصلاح السياسي كما نقرأ في أدبيات الاقتصاد السياسي، وعلاقة المال بالسلطة في ظل غياب الشفافية والمساءلة عقَّدت أكثر من القدرة على الإصلاح؛ إذ إنها وجَّهت رأس المال في اتجاه قلة موالية للنظام، وحرمت منه أغلبية مستقلة أو معارضة، فخدمت مصلحة رجال السلطة ورجال الأعمال الموالين لهم، وقلَّلت من الاستقلال الاقتصادي الذي يساهم في الانفتاح السياسي، والسيطرة الأمنية وطبيعة رأس المال الجبان أعدمت فرص تكتل أصحاب الأموال من غير ذي الصلة المباشرة بالنظام وضغطهم معًا باتجاه الإصلاح الذي يحقق مصالحهم الاقتصادية.

 

والحقيقة أن هذه المشكلات هي مشكلات بنيوية تحتاج، على سهولة رصدها، إلى جهود جبارة في العلاج، قد تأخذ آجالاً طويلةً، خاصةً إذا كانت عمليات الإصلاح تتم من صفوف المعارضة لا النظام.

 

وأما المسبب الاجتماعي- وهو في رأيي الأهم- فهو أن المشهد الاجتماعي في مصر هو عبارة عن دولة في مواجهة أفراد، وهو مشهد يستحيل فيه انتصار الأفراد أو تحقيقهم أي مكاسب.

 

وأما سبب ذلك فهو- في رأيي- معدلات العلمنة التي ازدادت في المجتمعات خلال العقود الأخيرة بشكل مطَّرد، ولا أقصد بالعلمنة هنا فصل الدين عن الدولة، وإنما أقصد الحضارة العلمانية بمعناها التفكيكي الذي يشير إليه الدكتور المسيري رحمه الله، العلمنة الاجتماعية التي أدت إلى تفكيك المؤسسات الوسيطة بين الفرد والدولة، وأدت بأشكال شتى إلى التمحور حول الدولة كمطلق قام باختراق الحياة الخاصة والعامة على حدٍّ سواء.

 

هذه العلمنة أدَّت إلى تفكيك المؤسسات المجتمعية الوسيطة التقليدية التي كانت تحمي المجتمع وتمنع هيمنة الدولة جزئيًّا على الأقل.

 

ومن هذه المؤسسات مثلاً مؤسسة العائلة التي كانت تمثِّل حائط الصد الأول؛ فكل فرد كان يعي أنه جزء من عائلة تسانده وتشد عضده فيقل الخوف على العيال والرزق في حال إذا ما وقع مكروه في ظل الوقوف في وجه النظام والمطالبة بالإصلاح؛ عائلة كاملة لا أسرة نووية فحسب، ولكن حتى هذه الأسرة الآن لا توجد باعتبارها مؤسسة حقيقية إلا في نطاق ضيق جدًّا، وذلك أمر له أسباب اقتصادية دعت إلى زيادة فترات عمل الأهل وجعلت عمل المرأة أولوية ولو على حساب الأسرة، وله أسباب اجتماعية تتعلق برؤية رب البيت دوره وتحوله إلى كائن اقتصادي مهمته جلب الأموال، وفقد قدرًا كبيرًا من الإحساس بالانتماء، وله أسباب تكنولوجية تتعلق بثورة الاتصالات التي جعلت العلاقة بأجهزة الاتصال المختلفة (التليفزيون، الكمبيوتر، التليفون) أقوى من العلاقة بالإنسان والعائلة، ولا أحاول اتهام التكنولوجيا؛ فهي كالمسجد للمؤمنين للصلاة والعبادة، وللمنافقين ضرارٌ وكفرٌ وتفريقٌ بين المؤمنين.

 

ومن المؤسسات التقليدية كذلك مؤسسة المسجد؛ لا باعتباره دارًا للعبادة، وإنما باعتباره مؤسسة اجتماعية شاملة تمثِّل الحي، ويرتبط الناس فيه بعلاقات اجتماعية، ويتعرفون على بعضهم البعض، وينشأ بينهم قدر كبير من العلاقات التراحمية التي تدفعهم إلى الوقوف مع بعضهم البعض، وقد أصبح المسجد الآن مكانًا للصلاة فحسب؛ فقد كثر أهله ومرتادوه ولكنهم لم يريدوا منه إلا الصلاة، ولم يفهموا دوره المحوري والحضاري على مدار التاريخ.

 

وهناك مؤسسة العلماء، وهم النخبة المثقفة المرتبطة بالمجتمع، والتي تقود الرأي العام ويتأثر بها، وتحافظ مع ذلك على استقلالها عن الدولة وابتعادها عن المصلحة المباشرة والعمل السياسي التنفيذي فتحدث التوازن المطلوب، وقد انهارت هذه المؤسسة الآن، وفقدت ما تبقَّى منها استقلاله بتبعيته للدولة، وقد كان الأزهر- كممثل رئيسي لهذه المؤسسة- رقمًا مهمًّا في المعادلة الاجتماعية في مصر، وخرج منه قادة الحركة الوطنية، مثل عمر مكرم ومحمد عبده.

 

وبتفكيك هذه المجتمعات أصبح المجتمع (عاريًا) في مواجهة الدولة؛ لا يجد من يحتمي به وهو يتقدم بمطالبه، ولا يجد من يدافع عنه حينما تتوغَّل الدولة وتسطو على حقوقه، والمشكل أن المؤسسات الحديثة التي استوردتها الدولة الحديثة ولم تُدخل فيها التغييرات اللازمة لم تلائم طبيعة المجتمع، ففقدت فعاليتها كما يشير المستشار البشري، ومنها مثلاً الأحزاب السياسية التي نشأت في الغرب لتمثِّل مصالح فئوية معينة بشكلٍ تنافى مع طبيعة وفكر المجتمع المصري، ففقدت الأحزابُ قوتها بالكامل في المدن (حيث معدلات التفكيك شديدة الارتفاع)، وتم إعادة تعريفها إلى مؤسسات تقليدية في القرى؛ حيث معدلات العلمنة أقل.

 

ومن اللافت إلى النظر هنا الصراعات الحزبية وكيف تحوَّلت إلى عائلية في بعض القرى، وكيف أن بعض العائلات الكبيرة تمثِّل أحزابًا في أماكن أخرى، وهو أمر يستحق الدراسة من دون شك؛ إذ إن الأحزاب هنا لا تمثِّل أفكارًا لفئات اجتماعية معينة، وإنما تمثل عائلات فحسب.

 

ومرة أخرى لا بد من الإشارة إلى أنني لست ضد التعددية السياسية والحزبية، ولكن فلسفة الحياة السياسية في مصر بشكلها الحالي (إضافةً إلى أسباب هيكلية أخرى متعلقة بقانون الأحزاب وقانون الطوارئ) تُضعف إلى حد كبير الأحزاب السياسية، وتُفقدها دورها كمؤسسات مجتمعية تدافع عن حقوق العامة.

 

وأنا هنا لا أشير إلى هذه الأمور من باب الدعوة إلى العودة إلى الوراء؛ فلا بد من إدراك أن الزمن قد تغيَّر، ولكني فقط أشير إلى أن إعادة البناء الاجتماعي خطوة أساسية في طريق الإصلاح السياسي، وباعتباري إسلاميًّا أتحدث عن المؤسسات الإسلامية التقليدية التي انهارت، وبعضها لا بد من إعادة إحيائه، وبعضها يمكن تطوير صيغته، وبعضها يمكن الاستعاضة عنه بغيره، ولكن فكرة وجود مؤسسات اجتماعية يحتمي بها المجتمع في مواجهته للدولة هي فكرة في غاية الأهمية في ظني.

 

المطلوب هو إحياء المؤسسات الاجتماعية الحاضنة لكافة التيارات السياسية المصرية؛ حتى يحدث تعبير سياسي مكافئ للوجود الاجتماعي لهذه المؤسسات، وحتى نُوجِد بنية مجتمعية حقيقية تستطيع حماية الحركة الإصلاحية السياسية.

 

والمطلوب من جماعة الإخوان في رأيي- باعتبارها الممثل الأكبر للتيار الإسلامي الوسطي- هو التركيز على الدور الاجتماعي بهذا المعنى؛ لا بمعنى الدعوة الدينية المجردة، وإنما بمعنى الدعوة الحضارية العامة، والعمل لبناء مؤسسات اجتماعية تحتضن عملية التغيير.