جاء يوم العاشر من رمضان هذا العام 1429هـ/ 2008م، ولبيتُ دعوة للإفطار أحضرها منذ أكثر من 10 سنوات لأحد أبطال حرب أكتوبر مهندس ورجل أعمال يقوم وأبناؤه على خدمةِ ضيوفه الذين هم جمعٌ من كلِّ الطبقات والمهن والأفكار في تجمعٍ راقٍ؛ يفطرون ويسمعون كلمةً أو كلمتين عن رمضان وما يمكن أن ينتفع به المسلم في هذا الشهر الكريم حتى يُؤذَّن لصلاة العشاء في وقتٍ لا يتعدى 20 دقيقة!.

 

لكن هذه المرة لم تكن ككل مرةٍ؛ فقد ذهبتُ إلى أمام ورشته فإذا ضباط مباحث ومرور ومخبرو أمن دولة في المكان أولاً للقيام بـ"رازلات" على الضيوف وسياراتهم التي تقف في شارع على أطراف المدينة وفي وقتٍ لا حركة فيه ولم يغلق طريق!، وثانيًا لمنع صلاة المغرب على الرصيف أمام الورشة، وثالثًا لمنع أي متحدثٍ بعد الإفطار!!.

 

 الصورة غير متاحة

 منى محمد صبحي وابنها المختفيان

انتبهوا؛ فهذا إفطار خاص في مكانٍ خاص، ويتم منذ أكثر من 15 عامًا!، لكن الفجورَ والضعفَ من ناحيةٍ أخرى أمام هؤلاء هو الذي حفَّزهم على الإقدام على هذه الخطوة المشينة التي تتخذ ضمن إجراءاتٍ لحمايةِ أمن النظام!! في نفس الوقت، وفي ذات اليوم كانت السيدة منى محمد صبحي الدمنهوري التي تبلغ من العمر 37 عامًا والحامل في شهرها الثالث تسير في أكبر شوارع دمنهور، وفي يدها ابنها الصغير عمر محمد ياسين القاضي صاحب ثلاث السنوات من عمره لزيارة طبيب الأطفال في شارع عرابي، وفجأةً اختفيا ولم تعد منى أو ابنها عمر حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها سطوري!.

 

ورغم أن الأم وابنها لم يكن معهما ذهب أو مال إلا أنهما لم يعودا، فلِمَ تأخرا؟! بدأ الزوج في البحث عنهما فأجرى اتصالاً بعائلتها، ثم تحرَّك نحو قسم الشرطة- وآهٍ من قسم الشرطة- بعد منتصف الليل حرَّر له الضابط النوبتجي محضر اختفاء بعد معرفة كافة التفاصيل، وطلب صور المختفيَين، فلما جاء بها صباحًا وجد أن المحضر حُرِّر بطريق الخطأ؛ حيث إنه يتبع شرطة المركز لا البندر!! رغم أن الضابط أخذ كل البيانات!! فاضطر إلى عمل محضرٍ جديدٍ، وحتى كتابة هذه السطور لم تتم معاينة منزل السيدة وابنها وبعد مرور أربعة أيامٍ من محاولة تقفيل المحضر على أنه هروب أو ما شابه ذلك.

 

شعر الزوج بأنه لا تحريات ولا بحث ولا جدية في البحث عن زوجته وابنه، فبدأ في إرسال التلغرافات إلى المسئولين؛ ظنًّا منه أنهم مسئولون بجد عن أمن المواطن والوطن!! وأرسل أكثر من 40 خطابَ بريدٍ سريعٍ لرئيس ديوان الرئاسة، وجمال مبارك رئيس لجنة سياسيات الحزب الوطني، ورئيس الوزراء، ووزير الداخلية، دون أن يرد أو يهتم أحد حتى الآن!!.

 

ورغم أنه استغلَّ معظم مساجد دمنهور أثناء التهجد والصلوات في الإعلان عن نبأ اختفاء زوجته وطفلها غير أن الأمر لم يُثمر عن شيء حتى الآن!! الأدهى من ذلك أن السادةَ المنشغلين بفضِّ إفطار السيد اللواء المهندس بطل حرب أكتوبر طلبوا من المكلوم في أسرته مساعدتهم بقولهم "بس جيب لنا خيط نمشي وراه، إحنا عندنا مليون حاجة أهم من حالتك"!! أهم من الزوجة والابن الوحيد في عُرف الشرطة عصر الحزب الوطني!!.

 

وقد أثار هذا الحادث مخاوف أهل دمنهور مجددًا مع استمرار حوادث الخطف التي غاب أصحابها دون أن يراهم ذووهم حتى الآن!؛ فإذا فهمنا جيدًا ما قاله نقيب الأطباء منذ أيامٍ قليلةٍ حول ترتيب مصر الرابع في تجارةِ أعضاء الجسم نُدرك مدى الخطورة التي يغفل عنها الأمن العام الذي تقوم شرعية وجوده على حمايةِ أمن المواطن والحفاظ على حياته وماله وحريته!!، ما لهم لا يستشعرون ضخامة المهمة الملقاة على أعناقهم في ظل ضخامة أعداد المجرمين والبلطجية والعاطلين والذين يزدادون يومًا بعد يوم؟! وما يرتكبونه من جرائم سرقة من السيارات والمنازل والمحلات حتى أُكر الأبواب؟!! غير المعارك بالسيوف والسنج وحوادث الخطف والاغتصاب وازدياد تجارة المخدرات بكل أنواعها؟!! هل هذا يحقِّق أمنًا للحكام الذين شغلوا رجال أمنهم بحماية تحركاتهم وقمع معارضيهم وتفريغ المدن من قواتها عندما يزورون المحافظات المجاورة؟!! هل استشعر حكام آخر زمن الطمأنينة عندما ضيَّقوا على إفطار بطل وضيعوا منى وابنها في زحمة مليون قضية أهم؟؟! أوليس من الممكن أن يكون الدور على أحدٍ منا أو من أبنائنا أو نسائنا، ونُفاجئ بصمتِ الجميع كما صمتوا بعد اختفاء منى وعمر؟! أين يذهب هؤلاء من الله إن فلتوا من القصاص في الدنيا؟! مَن يتحمل وزر اختفاء العشرات واغتصاب المئات وقتل الآلاف وغيبوبة الملايين من ضحايا عصر النزاهة والفكر الجديد والعدالة الاجتماعية والاهتمام بالفقراء؟!

 

اللهم إن لم يكن بك غضب علينا فلا نُبالي، لكن عافيتك ورحمتك وسعت كل شيء، اللهم أرنا فيمَن ظلمنا يومًا شديدًا تَشْفِ به صدور قوم مظلومين.. إنك سبحانك على كل شيء قدير.

-------------

* g.hishmat@gmail.com