أبدأ هذه الخاطرة بكل صراحة وسذاجة بسؤالٍ قد يبدو غريبًا: هل تجوز الصدقة على أساتذة الجامعات؟ ربما يرد عليَّ أحد بسؤال، ألا وهو: وماذا يفعل أساتذة الجامعات بأموال الصدقة؟ ومن هنا تبدأ المأساة.
مطلوب من الأكاديمي أن يواظب على حضور المحاضرات والإشراف الأكاديمي وحضور الندوات، بالإضافةِ إلى حضور الاجتماعات التي يرأسها رئيس القسم مرة ووكيل الكلية مرة وعميد الكلية مرة ونائب رئيس الجامعة "كمان مرة"، وكل ذلك دون مقابل، وفي نفس الوقت يؤثر ذلك في العملية التعليمية!!.
لماذا كل هذه الاجتماعات والمرتبات لا تكفي لأسبوعٍ واحد؟! وذكَّرنا هذا الموقف بحكاية حدثت في قريتنا صناديد، وهي أن امرأة ذهبت إلى المقابر وأعطت الشيخ مبلغًا زهيدًا (تعريفة) مقابل قراءته القرآن على قبر زوجها.
بدأ الشيخ قراءته بقول الله عز وجل: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32)﴾ (الحاقة) فغضبت المرأة قائلةً: "يا رجل.. ألم تجد في القرآن غير هذه الآية؟!"، فرد الشيخ: "أتريدين جنة عدن بهذه التعريفة؟!"، وأسأل أنا الآخر: "هل من الممكن أن يُنتج مَن لا يستطيع أن يجد ما يسد رمقه؟!".
سؤال يطرح نفسه بقوة: لماذا هذه الحرب الصريحة ضد أساتذة الجامعات؟! لماذا لا توجَّه هذه الخصومة إلى موظفي البنوك والكهرباء والبترول؟! موظفو هذه الهيئات لم يحصلوا على درجة الدكتوراه ولم ينفقوا من رواتبهم على المراجع والكتب والمواصلات، ومع ذلك تُصرف لهم البدلات، أما نحن فلا كيل لنا عند الحكومة، هل نحن أبناء البطة السوداء؟!.
دكتور جامعي سألته عن راتبه فبكى لأنه يعمل في الجامعة منذ 18 سنة ولم يتعدَّ راتبه 1200 جنيه مصري وأولاده أربعة.
الحاصلون على دبلوم التجارة رواتبهم في البنوك- نحن لا نحسد أحدًا- أفضل من راتب رئيس الجامعة.. "طيب ده ينفع؟".
في كل صباح أذهب إلى الجامعة- فعلاً نذهب جميع الأيام إلى الجامعة وإلا نُحرم من الكادر، وكأنَّ هذا الكادر اللعين هو الجزرة ويا ليتنا أخذناها- وأرى البؤس على الوجوه، وكلما سألتُ أحدًا أجد الرد واحدًا، وهو الأزمة الاقتصادية؛ فمظهره لا يليق ومطعمه لا يليق ومسكنه لا يليق.. تخيَّلوا أننا نركب الميكروباص ولا نستطيع أن نأخذ التاكسي.. "شكلنا إيه أمام الطلبة بتعونا؟!".
ومن ثَمَّ ظهرت أمراض لم نسمع عنها من قبل، كبيع الامتحانات والمغالاة في أسعار الكتب والتشدد في بيعها، وهذه الكتب لا تصلح للدراسة أصلاً؛ لأن الكتاب يحتاج إلى العديد من المراجع كي يظهر إلى النور، ومن أين يأتي الأكاديمي بالأموال؟! وبالتالي الكتب سيئة والأداء سيئ، وهذا سبب انهيار التعليم الجامعي في بلدنا.
ولكن مشكلة الكتاب تم حلها وهو إلغاء الكتاب الجامعي حتى يلفظ الأكاديميون الأنفاس الأخيرة.. العملية عكسية تمامًا!!.
سؤال أخير: هل من الممكن أن يتساوى أستاذ الجامعة بوكيل النائب العام؟! "بلاش النيابة، خليك في حالك.. طيب، ممكن نساويه بموظف البنك؟!" هل أساتذة الجامعات مسئولون عما هم فيه؟!.
---------
* كلية التربية ببورسعيد.