صرَّح د. محمود أبو زيد وزير الري والموارد المائية في الاجتماع الوزاري الخامس والعشرين لدول حوض النيل المنعقد في 10/10/2008م بأن وجود الكيان الصهيوني في دول حوض النيل لا يشكِّل خطورةً على أمن مصر المائي!.

 

وجاء تصريح الوزير المصري صادمًا مخيبًا للآمال، وضاربًا عرض الحائط بكل الثوابت البديهية المعروفة، والتي أشارت إليها كافة التقارير بأن الكيان الصهيوني هو المحرك الرئيسي لأزمة المياه في المنطقة، وخاصةً دول حوض النيل.

 

لقد كانت مصر- وما زالت- هي الدولة الوحيدة من بين دول حوض النيل التسع التي تستفيد من مياه النيل استفادةً كاملةً؛ مما أثار حفيظة الكيان الصهيوني الذي يطالب منذ عام 1903م بـ1% من مياه النيل في جميع الاتفاقيات، أي حوالي 550 مليون متر مكعب من المياه.

 

لقد كان التفكير المصري- وما زال- قائمًا على أساس أن المياه متوفرة في أعالي النيل بأكثر مما تحتاجه تلك البلدان، ولم يكن لدى مصر أي تخوف من دول المنبع؛ إذ لم يكن لأيٍّ منها القوة العسكرية أو الاقتصادية أو المعرفة التقنية التي تؤهلها للعبث في مياه النيل، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فبعد سقوط الاتحاد السوفيتي وسيطرة أمريكا واستخدامها للكيان الصهيوني كرأس حربة في المنطقة؛ قام الكيان بالتحريض الدائم والمستمر لدول الجوار الإستراتيجي المشاركة في حوض النيل؛ لإشعارهم بالظلم الناتج من الاستخدام المصري المسرف للموارد المائية، عارضًا عليها المساعدات العسكرية والمعونات والقروض؛ مما دفع تلك الدول، والتي كانت تسمي نفسها الدول الأصدقاء أو (الأندوجو) باللغة السواحلية إلى التخلي عن تعهداتها والتزاماتها التي وقَّعت عليها في الاتفاقيات المائية المُبرَمة بينها وبين مصر؛ بحجة أن تلك المعاهدات كانت في ظل الاستعمار، وأن الموارد المائية لا بد وأن تُقسَّم من جديد.

 

وحيث إن 90% من إيراد النيل يأتي من إثيوبيا؛ فقد بعث الكيان الصهيوني بخبرائه في المياه إلى إثيوبيا، والذين ساعدوها على إنشاء 3 سدود على روافد النيل الكبرى التي تدخل على المجري الرئيسي في أجزاء متقدمة من جنوب إثيوبيا ثم السودان ثم مصر، وقد أقرَّت إثيوبيا بهذه السدود الثلاثة (بنشام- الليبرد- ستيد)؛ بحجة توليد الكهرباء، وأقرَّت بوجود الخبراء الصهاينة هناك.

 

ثم قامت الأيدي الصهيونية باللعب في جنوب السودان فأوقفت مشروع قناة "جونجلي" التي كانت ستوفر لمصر كميةً إضافيةً قدرها 5 مليارات متر مكعب من المياه؛ حيث إن البحيرات العظمى هي المصدر الأساسي لمياه النيل، وأهمها بحيرة فيكتوريا ثاني أكبر بحيرة في العالم، والتي قال عنها تشرشل: "إن نهر النيل مثل نخلة البلح الكبيرة التي تمتد جذورها في وسط إفريقيا في بحيرة فيكتوريا، ولها جذع كبير في مصر والسودان، وقلبها وتاجها في دلتا مصر؛ فإذا تم قطع الجذور فإن القلب سيجف وتموت النخلة".

 

لقد قام الكيان الصهيوني بوضع إستراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل منطقة البحيرات العظمى بما يخدم مصالحه في السيطرة على الموارد المائية وإبقاء المنطقة كلها في صراعاتٍ إثنيةٍ وطائفيةٍ مستمرة، فشهدت منطقة البحيرات منذ بداية عقد التسعينيات صراعات مسلحة أثمرت مذابح بشعة راح ضحيتها الآلاف من الأرواح، وقد شهد العالم أجمع ما جرى في رواندا من قتالٍ امتدَّ إلى زائير وتنزانيا، وأسفر عن مليون لاجئ من قبيلة "الهوتو" الذين هربوا من ديارهم خوفًا من انتقام قبائل "التوتسي".

 

وفي بورندي اشتعل القتال هناك متأثرًا بما جرى في رواندا.. لقد أذاع راديو إفريقيا رقم واحد الرئيسي الموجَّه إلى إفريقيا جانبًا من تقرير المخابرات الفرنسية، والذي أشار فيه إلى قيام الكيان الصهيوني بتزويد جيشَي رواندا وبورندي بالأسلحة القديمة بدون مقابل مادي لكسب ود السلطات الحاكمة في البلدين وحتى يمكنه التغلغل في منطقة البحيرات العظمى.

 

إن الوجود الصهيوني في البحيرات وتعزيز علاقاتها مع دولها وباقي دول حوض النيل هو بالدرجة الأولى موجَّه إلى أمن مصر واستقرارها، وإذا ما استقر الكيان الصهيوني هناك فإن كل مشروعات تنمية الموارد المائية المعتمدة على أعالي النيل سوف تبوء بالفشل، ومنها مشروع قناة "جونجلي" ومشروع "بحر الغزال".

 

إن السكوت عما يحدث في البحيرات العظمى سوف يدعم الوجود الصهيوني هناك استكمالاً لوجوده الحالي في إثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان، ومن ثم استكمال حزامه العازل في منطقة النيل، وضرب أمن مصر في مقتل من ناحية الجنوب، والمسألة الآن أصبحت قضية حياه أو موت؛ فإما نكون أو لا نكون، فما رأي السيد وزير الري والموارد المائية المصري في هذا الكلام؟! وهل لا يزال يعتقد أن وجود الصهاينة في دول حوض النيل لا يشكل خطورةً على أمن مصر المائي؟! نرجو أن نسمع منه الإجابة.