وسط تداعيات وتفاعلات الأزمة المالية العالمية وانعكاساتها السلبية على اقتصاديات الدول الغربية ودول العالم المرتبطة بالاقتصاد والمال الأمريكي انعقد بمدينة إستانبول المنتدى العالمي للتمويل الإسلامي الـ15 بين تاريخي 13-17/10/2008 بمشاركة عدد كبير من المتخصصين في المال والاقتصاد والشريعة لبحث ومناقشة موضوعات تتعلق بالمال والتجارة وأوضاع الاقتصاد العالمي من منظور إسلامي. التمويل الإسلامي.. محورًا دارت فعاليات "منتدى التمويل المالي الإسلامي العالمي" على مدار خمسة أيام وشارك فيه نخبة من المتخصصين في مجالات البنوك والتمويل المالي والاقتصاد والبيئة والشريعة والقانون من عدة دول مثل تركيا والإمارات وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وقازاقستان وأوزبكستان وكينيا وجنوب إفريقيا وماليزيا وإندونيسيا وسويسرا وأمريكا والبحرين وباكستان. اشتملت محاور النقاش على موضوعات "التجربة والخبرة البريطانية في التمويل الإسلامي" في ورقة تقدم بها محمد فاروق رضا: فرنسا وبريطانيا، و"الأزمة- وما هي الأزمة؟" عنوان ورقة تقدم بها يوسف خيّاط، و"ما الذي يمكن أن نتعلمه؟" ورقة رشدي صديقي: أمريكا، و"تركيا وتطبيقات نظام المشاركة: تركيا في مفترق الطرق- هل ستتجاوز الإيديولوجيا المزروعة فيها؟" ورقة عدنان بيوك دنيز رئيس شركة البركة البنكية بتركيا ومداخلة سليم قراوانجي وإينان دمير وميشيل بالدوين من تركيا، و"تأثير السياسات على تطوير التمويل الإسلامي بتركيا" ورقة تقدم بها محمد أصوطاي: بريطانيا، و"التمثال والتطابق والسيطرة على الأسواق الجديدة (رشدي صديقي: أمريكا) و"بريق التنمية الاقتصادية والقطاع المالي وحجم الاستثمارات" أيداربك خوجه نزاروف- ياديجه ألبي سباي (قازاقستان) و"تحولات إستيراتيجيات الاستثمار بالشرق الأوسط: التوجه ناحية أمريكا اللاتينية" فهمي سعدي صديقي (سويسرا) التمويل الإسلامي: الحكاية الإفريقية (حمزة فاروقي) وورقة بعنوان "التفرد والتنوع للسوق الإفريقي: الخبرة الكينية في البنوك الإسلامية" عرضها عمر شيخ: كينيا و"فرص التمويل الإسلامي في آسيا الوسطى: على شير على يومانوف (قازاقستان) و"فرص التمويل للصكوك في المجتمعات الجديدة: رائف حنيف (ماليزيا) وناقشها معه محمد شاهد خان وسلمان أشرف: دولة الإمارات العربية وورقة أخرى بعنوان "القطاعات الاقتصادية والأسواق الجديدة والصكوك: التعريف بالتحديات والفرص عرضها أحمد نظمي (بريطانيا) وورقة تحمل عنوان "الصكوك الإسلامية كطريقة جديدة في التمويل الإسلامي: تقدم بها الدكتور عبد الله الشامي (الإمارات) وورقة بعنوان "التكافل: اكتشاف الأسواق الجديدة" تقدم بها سهيل زوباري (الإمارات) وناقشها معه أجمل فتحي (الإمارات) والدكتور فولكر نيناوس (ألمانيا). نجاح النظام المالي الإسلامي تحدث عمر شيخ عن التجربة الكينية في التمويل الإسلامي، مشيرًا إلى أنها تجد القبول الشعبي وتحقق النجاح في البيئة الكينية وأن عرض البرامج المالية ذات الصبغة الإسلامية تحتاج للشرح والعرض والإيضاح للجماهير ولطلاب المدارس. وركز الدكتور عبد الله الشامي في أطروحته على أهمية دور علماء الشريعة والفقهاء في تقديم شروحات واجتهادات في مسألة الصكوك المالية الإسلامية وأن لا يخضع فريق الاستشارة الإسلامي لدى الهيئات المالية الناشطة في برامج تمويل إسلامية لأي ضغوط في الفتاوى والآراء التي يقدمها للإدارة التنفيذية مذكرًا بأن العنصر البشري ومدى صدقه وإخلاصه من عدمه له دور واضح على ما يبدو في الأزمة المالية الأمريكية المعروفة في عالم اليوم الحاضر بأزمة العقارات فإذا أردنا النجاح وانتشار نظام الصكوك الإسلامية يجب الالتزام بقواعد وأسس الشريعة الإسلامية وما أتفق عليه الفقهاء. وقال على شير (قازاقستان) أن معدلات النمو المرتفعة في دول آسيا الوسطى والقوقاز والإمكانات الجغرافية والثروات الطبيعية والقوى البشرية والتراث الحضاري بالمنطقتين وتقاربهما مع الأسواق الروسية والصينية تبشر بإمكانية لتحقيق نجاحات في البرامج التمويلية ذات الصبغة الإسلامية. موضوع "الفتوى الدينية" ودورها في التمويل الإسلامي وكذا المصطلحات المالية والتعبيرات المستخدمة في قطاع تمويل المشروعات المختلفة في الاقتصاد الإسلامي علاوة على الطموحات والآمال والمصاعب التي تواجه نظام التمويل المالي الإسلامي كانت أبرز القضايا التي تناولها المنتدى. حيث ركز جواد على (الإمارات) في مداخلته على القواعد الفقهية المتعلقة بإصدار الفتوى والتصدي لها بينما رأى رحيل علي (الإمارات) أن الشريعة الإسلامية ليست بالشيء الصعب أو المُعقد وإنما هي يسيرة وسهلة بحيث إذا تعرض المرء لمشكلة ما أو أراد الاستفسار عن شيء يتوجه به لعلماء الشريعة لطلب الإيضاح.
وأكد د. محمد داود بكر (الإمارات) أن الفتوى لها قواعد خاصة في الإسلام والشريعة الإسلامية وهي تستند إلى علم الفقه وما يحتويه من قواعد مثل القياس والاستحسان والإجماع والاجتهاد وهي كلها آليات تسهل عملية إحكام الفتوى وقال الشيخ نظام يعقوبي إن التراث الإسلامي ممتلئ في مجال الفتوى الدينية، وأرى أن أهم شيء لدى عالم الشريعة الإسلامية هو القدرة على فهم السؤال المطروح أو الموجه إليه قبل أن يقول فتواه؛ بمعنى أن يقوم بفهم الأبعاد المحيطة بالسؤال المعروض للفتوى وإلا سيكون كل شيء مُحرمًا وحَرامً، حتى إني أقول إن مجال الفتوى يحتاج للتخصص على غرار التخصصات الطبية الدقيقة التي تسمح للعامل بها من الإلمام بالفرع وهذا سيسهل العمل في إصدار الفتوى الصحيحة والسليمة وأننا بحاجة لرأي جامع أو لفتاوى تنال الإجماع لكي لا يحدث التضاد والتناقض بين مكان وآخر بالمجتمعات الإسلامية، هذا يحلل والآخر يحرم، إنه من السهل أن تقول حرامًا وينتهي الأمر نحن بحاجة للبحث والدراسة ثم إصدار الفتوى ولكي لا يكون التحريم قاعدة.
وتساءل مصطفى كمال يلماظ (البنك الكويتي التركي- إستانبول) عن الحيرة التي يقع فيها العاملون والناس في كيفية التأكد والتحقق من صحة الفتوى هل تأخذ عن مجمع الفقه الإسلامي أم من أقسام الإفتاء أو دور الإفتاء الرسمية بالدولة؟ وهو نفس السؤال أو الاستفسار التي طرحته حفيظة (من ماليزيا) بقولها إن هناك آراءً عديدةً ومختلفةً في الشريعة الإسلامية تتعلق بالأنماط والأوعية المالية الإسلامية فإلى أي منها نلجأ ونعتمد وإذا أخذت هذه الفتوى أو هذا الرأي الديني المُحلِل وترك الرأي الآخر المُحرِم فماذا نفعل؟ كما دعت إلى إعداد برامج تتعلق بالمرأة لكي تكون أكثر فعالية في العمل الإسلامي لما لها من تأثير على الأسرة والمجتمع. مسئولية تفهيم المصطلحات في موضوع المصطلحات المالية التي يطرحها نظام التمويل الإسلامي والمشاكل الخاصة به قال د. محمد نضال الشعار مدير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (البحرين) إن السبب في غموض المصطلحات المالية الإسلامية لدى الرأي العام يرجع إلى أن عمل المال الإسلامي جديد على الساحة الاقتصادية والمالية مع التذكير بأن الإنجازات القديمة والتطبيقات المالية الإسلامية كثيرة وبعيدة الزمن ولكن بكل أسف لم يحدث التدوين الكافي لها ولذا نحن الآن نقوم بعملية التوعية لأننا ندرك أن هذه المصطلحات تحمل بطياتها أمورًا فنيةً معقدةً. وأضاف أن المسئولية تقع على عاتق البنوك المُسوقة لهذه وعلى الأشخاص الذين يطلبون استخدام أدوات معينة يجب أن يكون عالمًا بهذه الأداة وعلى البنك المقدم لهذه الخدمة أيضًا أن يثقف جمهور العملاء ونحن كمؤسسة دولية تقع علينا مسئولية توعية الناس وتعريفهم بتلك الأدوات المالية والأمر يتطلب قيام المؤسسات المالية العاملة في هذا النوع من الآليات المالية بحملة لتوعية المستثمرين بهذه الأدوات. وعامل الزمن والتكرار يكرس الأمور لدى الناس. تركيا والأنماط الإسلامية من جهته دعا فهمي سعدي لكي تكون تركيا الدولة التي يطبق فيها أنظمة تمويل إسلامية لما تستند إليه من تجارب وخبرات وموقعها الوسط بين الشرق والغرب منتقدا قيام روؤس أموال دول البترول باستثمارات في العالم الغربي منذ السبعينيات بينما كل المؤشرات تؤكد أن فرص الاستثمار في منطقة الشرق الأوسط جاذبة وعوائدها شبه مضمونة وفي نفس السياق أشار الدكتور عبد الله الشامي إلى وجود ضمانات في تطبيقات نظام الصكوك الإسلامية لصالح المستثمر وتبعد به وبماله عن المخاطرة لكن بشرط أن لا يخضع علماء الشريعة ورجال الإفتاء لضغوط من مؤسسات التمويل لكي لا يقولوا ما تريده الشريعة. التمويل الإسلامي بأوروبا أوروبا كانت حاضرة في هذا المنتدى وأشار ألبرتو ج. بروجنيني (مجموعة أسيف للاستشارات والبحوث المالية- إيطاليا) في مداخلته إلى وجود تصاعد في الطلب على التمويل الإسلامي في أوروبا وأن هناك أسبابًا تقف وراء هذه اليقظة مثل نمو الثروة لدى الطبقة المتوسط الإسلامية بأوروبا والطلب المنتجات على المنتجات أو التمويل المالي للمشروعات الذي يحمل صفة الحلال حتى أنه صار مطلوبًا بين غير المسلمين وكذا تغير في موقف وسياسة الحكومات فضلاً عن كون التمويل الإسلامي يمثل فرصة عمل وكسب مربحة، وأضاف قوله أن نظام البنوك الأوروبية يعتمد على آلية السمسرة المستندة لأسس دينية في الحقيقة وتطرق للتحديات التي تواجه التمويل المالي الإسلامي في أوروبا وتحدي السوق واعتبر بروجنيني الحالة التركية الحالية مؤشرًا إيجابيًّا على شكل التطورات التي تقع في أوروبا. أما الوضع في ألمانيا فتحدث عنه باحث ألماني بقوله إن من بين المشاكل التي يواجهها التمويل الإسلامي في ألمانيا موجات التعصب العرقي والديني المتصاعدة لدرجة أن البعض ينظم مؤتمرات ضد الإسلام وتشن حملات ضد الحجاب مع ضعف إلمام المسلمين بالإسلام وأحكام الشريعة، وهي أمور تفرض تحديات على العمل الإسلامي بألمانيا. من جهته تناول ميشيل جاسنر (مستشار بنكي بسويسرا) في مداخلته موضوع مشكلة كيفية حماية البيئة في مشروعات التمويل الإسلامي، معتبرًا وجود قلة في الخبرة في مجال التمويل الإسلامي وأن التغيرات المناخية تؤثر على البيئة ونسبة التلوث ونمو السكان في آن واحد في وقت يؤكد الإسلام على حماية البيئة والنسل البشري، ورأى جاسنر في مبادئ ومعايير الشريعة الإسلامية مؤشرات إيجابية للمعالجة. الأزمة العالمية حاضرة من جهته قال محمد فاروق رضا (باكستان) مدير شركة إفاز للاستشارات المالية وخدمات التأمين (لندن) إن هذا المؤتمر ينعقد مرة كل ستة أشهر لبحث ومناقشة التجارب والمشاكل التي يواجهها التمويل المالي للمشروعات من خلال نظام "التمويل الإسلامي"، وإذا كان وقت انعقاد المنتدى توافق مع وقائع الأزمة المالية العالمية فإن الأمر محض الصدفة ولكنها فرصة لمناقشة الأوضاع الناتجة عن هذه الأزمة. والحقيقة أن نظام التمويل المالي الإسلامي موجه في المرحلة الحالية للعالم الإسلامي وفي المستقبل يمكن أن يتوجه لدول وبلاد وأنظمة سياسية أخرى. ويتفق معه في الرأي سهيل زبير (الإمارات- باكستان) المدير التنفيذي لدار الشريعة للاستشارات القانونية بإمارة دبي في أن انعقاد المنتدى لا علاقة له بوقوع الأزمة المالية العالمية الحالية من حيث التوقيت وهو منتدى دوري يعقد دورته الخامسة عشرة وهذه المرة يعقد في مدينة إستانبول.
