أجَّلت المحكمة الابتدائية بمدينة سلا القريبة من العاصمة الرباط محاكمة المعتقلين فيما يسمَّى بـ"شبكة بليرج"، والتي تضم المعتقلين السياسيين الستة، إلى 14 نوفمبر المقبل.
ورفض قاضي المحكمة والهيئة الاستشارية المساعدة له تمتيع المعتقلين الستة (محمد المرواني، الأمين العام لحزب الأمة، ومصطفى المعتصم الأمين العام لحزب البديل الحضاري، ومحمد الأمين الركالة ناطقه الرسمي، وماء العينين العبادلة عضو بالعدالة والتنمية، ومحمد نجيبي من حزب اليسار الموحد، وعبد الحفيظ السريتي صحفي قناة (المنار) بالمغرب بالسراح المؤقت.
وقد حضر جلسة المحاكمة ممثلو الهيئات الحقوقية الدولية ووسائل إعلام محلية ودولية، كما حضرت المحامية "ميشال ريتش" للدفاع عن أرملة أحد قتلة بليرج في بلجيكا وسط حراسة أمنية مشددة.
![]() |
|
عبد القادر بليرج في طريقه إلى المحكمة |
وفي مستهل المحاكمة تأخَّر عبد القادر بليرج المتهم الرئيسي في الملف، عن الحضور إلى القاعة رقم 1 بمحكمة الاستئناف لمدة ساعة تقريبًا؛ حيث أرغم على الحضور بالقوة.
وفي حين شاع بين هيئة الدفاع عن المعتقلين، الذي تجاوز عددهم أربعين محاميًا، أن سبب الامتناع هو رغبة "بليرج" في تغيير محاميه الخاص.
أكد بليرج أمام القاضي "محمد شقرون" أن سبب رفضه المجيء هو العزلة التي يعيشها داخل السجن وعدم السماح له بلقاء زوجته البلجيكية والجزائرية الأصل، وهو ما جعل محاميَه "محمد زيان" يدافع عن تمتيعه بالسراح داخل السجن وليس خارجه، واستحضار البُعد الإنساني في التعامل معه.
وأضاف بليرج: "إن العدالة لم تنصفني في السماح لي بالاتصال بعائلتي ومحاميّ من بلجيكا، وأنا الآن أعيش في عزلة تامة داخل السجن، وهذا عجز عن تحقيق أبسط الأشياء في محاكمتي".
وكانت أهم محطة عرفتها المحاكمة الأولى للمعتقلين في الشبكة هي مداخلات هيئة دفاع المعتقلين الستة، والتي ركَّزت على الضمانات القانونية والدوافع الاجتماعية والثقافية المتوفرة لتمتيع المعتقلين الستة بالسراح المؤقت.
وتحوَّلت جلسة المحاكمة، التي شهدت حضورًا لافتًا لوسائل الإعلام المحلية والدولية وعدد من الهيئات الحقوقية، إلى فضاء للنقاش بين هيئة دفاع المتهمين وممثل النيابة العامة، حول قدسية الحرية وكون المتابعة "سياسية بالأساس"، وأن الاعتقال الاحتياطي هو إجراء استثنائي، في حين أن المتابعة في حالة السراح هو الأصل.
وقال عبد الرحيم الجامعي نقيب المحامين بالمغرب وأحد أعضاء لجنة الدفاع عن المعتقلين الستة: إن الإعداد للمحاكمة العادلة يتطلب توفير ظروفها، والإفراج عن الحرية قبل الإفراج عن المعتقلين، إلا أن "الحرية قيدت وهي تعيش في انتكاسة".
من جانبه أوضح عبد الرحمن بنعمرو عضو لجنة الدفاع عن المعتقلين الستة مبررات السراح المؤقت عن المعتقلين قانونيًّا واجتماعيًّا: "وهي متوفرة أكثر من أي وقت مضى؛ فالمعتقلون ليس لديهم حالة تلبس، وهم معروفون بمواقفهم السياسية والفكرية، وهناك مبررات اجتماعية وصحية تفرض تمتيعهم بالمتابعة في حالة سراح".
أما خالد السفياني فقد شدد على أن المغرب مطالب بألا يخطئ في مجال حقوق الإنسان والإفراج على كل المعتقلين؛ نظرًا للمتابعة الدولية لوضع الحريات به: "نحن نُتابَع بالميكروسكوب، ولا يجب علينا أن نخطئ حتى لا نسيء إلى صورة المغرب دوليًّا"، مبينًا عجز النيابة عن تقديم أسباب عدم تمتيع موكليه بالسراح المؤقت.
من جهته اعتبر عبد الملك زعزاعن عضو هيئة الدفاع أن محاربة "الإرهاب يكون باحترام حقوق الإنسان ورد الأمور إلى نصابها؛ فإنشاء المغرب لهيئة الإنصاف والمصالحة هو طيٌّ لصفحة الماضي والمصالحة مع التاريخ وليس النبش فيه".
باقي مداخلات هيئة الدفاع نددت باسمرار "الثقافة السجنية" لدى بعض المسئولين والخروقات القانونية التي تؤكد قرينة البراءة في حق المتهم، كما أن استمرار الاعتقال الاحتياطي يعرقل سير المحاكمة العادلة للمتهمين.
غير أن تلك الملتمسات لم تغيِّر من قرار اعتقال السياسيين الستة؛ حيث تبنَّى قاضي المحكمة قرار ممثل النيابة العامة برفض تمتيعهم بالسراح المؤقت؛ لأن من شأن ذلك أن يعرقل مسار المحاكمة.
وتعود فصول المحاكمة إلى تفكيك السلطات المغربية يوم 18 فبراير الماضي لشبكة يتزعمها عبد القادر بليرج كانت تخطط لقتل مسئولين سامِين بالمغرب واختراق مؤسسات الدولة بتكوين جناح سياسي وآخر مسلح، حسب الرواية الرسمية.
غير أن هيئة الدفاع أكدت أن الوقائع تعود إلى بداية التسعينيات، وما دام المغرب قد حقَّق تطورات لافتة في مجال حقوق الإنسان بطيه لصفحة الماضي بإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة؛ فمتابعة السياسيين الستة هو ارتداد إلى الوراء وإساءة إلى المغرب على مستوى حقوق الإنسان.
وقد تزامنت المحاكمة الأولى للمتهمين في الملف مع تنظيم عائلات المعتقلين والهيئات الحقوقية وقفة احتجاجية أمام المحكمة.
