اتفقت كلمات رجال السياسة وخبراء وأساتذة القانون على تسمية الدستور (القانون الأسمى) أو (القانون الأعلى)، ومن ثم كان أي قانون أو لائحة أو قرار أو حتى تصرف من تصرفات أية جهة إدارية يخالف الدستور مطعونًا عليه بعدم الدستورية، وهو طعن يؤدي بالضرورة الحتمية إلى انعدام شرعية التشريع أو التصرف.
كما أوجبت التشريعات بمختلف درجاتها ومستوياتها على كل من يتولى مسئولية في هذا البلد؛ ابتداءً من رئيس الجمهورية ومرورًا بأعضاء السلطة التشريعية بمجلسي الشعب والشورى وبكافة أعضاء السلطة التنفيذية، سواء رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء، وانتهاءً بأولي درجات السُلَّم الوظيفي في المناصب المؤثرة في حياة الناس، سواء خريجو الكليات العسكرية عمومًا أو المُعيَّنون في السلك القضائي أو ما شابه.. كل هؤلاء يبدءون مهامهم بأداء اليمين القانوني: (أقسم بالله العظيم أن أحترم الدستور والقانون...).
هذا الذي قدمته بدهيات؛ إنما أوردها على سبيل التذكير بالبدهيات في زمنٍ تاهت فيه البدهيات، وأضحى التذكير بها واجبًا، ومن قبيل التذكير أيضًا أذكِّر بنص المادة 184 من الدستور، وتنص على أن الشرطة واجبها في خدمة الشعب، وتكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن، وتسهر على حفظ النظام والأمن العام والآداب، وتتولَّى تنفيذ ما تفرضه عليها القوانين واللوائح من واجبات.. وذلك كله على الوجه المبين بالقانون.
ونخلص من النص السابق إلى الحقائق، أو بالأخرى المبادئ الدستورية الآتية:
1- أن رئيس الجمهورية هو الرئيس الأعلى لهيئة الشرطة.
2- أن واجب الشرطة في خدمة الشعب.
3- وعليها أن تكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن.
4- وأن تسهر على حفظ النظام والأمن العام والآداب.
5- وتتولى (تنفيذ) ما تفرضه عليها القوانين واللوائح من واجبات.
وهكذا.. حدد الدستور كنه هيئة الشرطة، وتبعيتها، وواجباتها الدستورية.. هذا هو الواجب الذي ينبغي أن يكون، فكيف الواقع الذي هو كائن؟!
بيد أن الواقع الكائن والمَعِيش صباحَ مساءَ عكس ذلك تمامًا؛ فلا يوجد مهمة للشرطة الآن ومنذ عدة سنوات سوى الترهيب، والترويع، والحبس، والاعتقال، والضرب، والسحل، والقتل، والتعذيب، وتلفيق القضايا والاتهامات، ومطاردة الشرفاء، وقمع المواطنين، وتزوير الانتخابات، والتستر على الفساد، والتنصت على أسرار الناس، والعبث بالحياة الخاصة للمواطن، وإهدار آدميته وكرامته، ومصادره حريته، وسلب حقوقه.
وانتشرت الجريمة واستشرت، وتطورت، وتنوعت، وشاعت، وتجذرت في المجتمع، وصارت سمتًا مميزًا له، ولم يعد أحد آمنًا؛ لا في بيته، ولا عمله، ولا حتى أثناء السير في الطريق العام، أو عندما يستقل وسيلة مواصلات.. أية وسيلة، وانفجر بركان الرذيلة والانحلال، والتفسخ والفجور، حتى أضحى التحرش الجنسي في الطريق العام في أشهر ميادين القاهرة وأرقاها حديثَ الناس.
ورغم هذا كله لم يقنع ضباط الشرطة أو يرعووا، بل بالأحرى لم يَرْوِ ظمأهم وتعطشهم للدماء، ولم يُشْبِع جوعهم للحوم البشر، وأصبحت جرائهم الآثمة وأفعالهم النكراء دأبًا ونهجًا متبعًا، وسلوكًا مستقرًّا، وبلغ حدًّا من الفجور فاق كل معقول ومقبول.
فلم يَنْجُ من جرمهم وفجرهم أحد، سواء من العامة أو النخب السياسية والفكرية؛ فعلى سبيل المثال: الاعتداء على أ. عبد الحليم قنديل الصحفي بالضرب والتجريد من الثياب، وامتدت الأيدي الآثمة النجسة بالضرب إلى رئيس محكمة أمام نادي القضاة بقلب العاصمة بلا أدنى قدرٍ من حسٍّ أو خلقٍ حتى كُسر ذراعه، وتكرَّرت منهم تلك الفعلة النكراء حتى سُجِّل عليهم 16 حادثَ اعتداء على رجال القضاء في أقل من عام، وتحفظ لهم ذاكرة الوطن إثم التسبب في وفاة العالم الجليل والمفكر النادر أ. د/ عبد الوهاب المسيري، الذي أصيب بإحباط واكتئاب بسبب المستوى المتردي والمتدني والرديء الذي كان دون الحد الأدنى في التعامل مع سيادته؛ مما عجَّل بوفاته، وامتلأت صفحات الصحف والمجلات المحلية والخارجية، فضلاً عن شبكة المعلومات الدولية، بفظائعهم وجرائمهم التي لم يسمع عنها التاريخ من قبل في أسوأ حقب التاريخ الإنساني كله، كما تحفظ لهم ذاكرة الوطن أيضًا أرواح الشهداء التي أُزهقت على أيديهم ظلمًا وإثمًا وبغيًا وعدوانًا، وفاضت أرواحهم البريئة إلى ربهم تشكو الظلم وتستمطر اللعنات على الظالمين ومن والاهم.
ورغم الفضائح والفظائع، ورغم الكمٍّ الهائل غير المسبوق من الكراهية الشعبية التي يحظون بها، إلا أنه يبدو أن فطرتهم طُمست إلى حد أنهم استمرءوا هذا الإثم واستعذبوه، بل وبلغ بهم الاضطراب النفسي إلى حد الاستمتاع به والتلذذ بعذابات الناس وآهات الألم ولحظات الاحتضار وقهر الإنسان والنيل منه!.
وما أشبهَ الليلة بالبارحة!
لم تكن وقعة الاعتداء على المواطن حمادة عبد اللطيف (47 سنة أب لخمسة أولاد) صباح يوم الأربعاء 24/9/2008م هي الأولى من نوعها، ويقينًا لن تكون الأخيرة ما بقي هذا النظام الفاسد في سدة الحكم.
إلا أنها يبدو أنها ستكون القشة التي ستقصم ظهر البعير؛ إذ إن المعتدي الآثم المدعوَّ السيد محمد السيد نائب مأمور قسم مينا البصل قدَّم الوجه الحقيقي لعصابات الشرطة، وعبَّر عنها بأوضح تعبير بالقول والعمل؛ حيث اعتدى على أب يحمل أطفاله على ذراعه وأمام زوجته وتحت وسمع وبصر ووعي وإدراك عياله؛ فقد بلغت القسوة والوحشية والجبن حدَّ التجرد من كل خصال الإنسانية، وبدا أشرس من الحيوانات المارقة وهو يضرب بكل قوته بيديه ظهر المجني عليه المسكين فيطرحه أرضًا ثم ينهال عليه ركلاً بحذائه الميري (البيادة) طحنًا، وفركًا، وتحطيمًا على فقراته العنقية حتى فتتها، ثم انقطع النخاع الشوكي، وأصيب الرجل في الحال بشلل كلي، ولم يعد قادرًا على التحكم ولا حتى في بوله وبرازه.
هكذا .. في لحظة وفي لمح البصر أضحى الرجل الأب والزوج والمدير والشاب حطام إنسان؛ أصبح الموت له أمنية ودعوة مخلصة من قلب كل من أحبه بفعل وحش كاسر لا ينتمي إلى فصيلة البشر من بني آدم، وإنما هو محض كائن حي من مصاصي الدماء أو آكلي لحوم البشر.
وبينما الضحية يعاني ويعاني معه كل من له به ثمة صلة؛ زوجة وأبناء، وأهل وأصحاب، إذا بالجاني يرتع ويلعب بأقدار الناس حرًّا طليقًا بلا حساب ولا عقاب!.. هذه هي هيئة الشرطة في الحقيقة والواقع.
بل الأدهى والأمر هذا الفجور الذي يُعلنه هؤلاء البغاة؛ استهتارهم بالدستور والقانون واستخفافهم بالإنسان وحقوقه وحرياته وكرامته، ويهزءون بالقضاء وأحكامه، ويهدرون الحجية والاحترام الواجب له، بل أعلنوا لأنفسهم دستورًا غير دستور البلاد الذي نصَّ على أن (الشرطة في خدمة الشعب)، وأصدروا دستورًا آخر يناسبهم ويعبِّر عنهم؛ يقول: (الشرطة والشعب في خدمة القانون)، وقولة السوء تلك لم يتداولوها بينهم سرًّا، بل أعلنوها على جدران أقسام الشرطة في كل أنحاء مصر المحروسة، في مخالفةٍ صريحةٍ للدستور مفضوحة وعلانية وثابتة بالكتابة ومعلنة للكافة، رغم أن ذلك يخالف النص الصريح للدستور على النحو الذي قدَّمنا به هذا المقال.
إن احترام الدستور واجب قانوني وأخلاقي، والتزام وظيفي وأمانة أمة؛ فمن وجد في نفسه ثمة غضاضة أو تأففًا أو تعففًا من أن ينال شرف خدمة الشعب فليستقل من عمله ويرحم نفسه ويرحم هذا الشعب من بغيه.
فهل أصبحت هيئة الشرطة فوق الدستور علنًا جهارًا نهارًا؟! وهل استحل هؤلاء الطغاة البغاة لأنفسهم حرية العبث بحريات الناس وحقوقهم وكرامتهم، بل عرضهم وحتى حياتهم؟! وإلى هذا الحد؟! وإلى متى سيستمر هذا النهج الآثم في استمرار الإجرام؟! ومن يوقفه؟!.
دوام الحال من المحال
صحيحٌ.. دوام الحال من المحال، وصدق الله العظيم: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 141)، وأن الله يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وأن الله حرَّم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرمًا، وأن الله قضى بأنه ﴿لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس: من الآية 81)، وأنه ﴿َقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى﴾ (طه: من الآية 61)، وأنه ﴿َقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (طه: من الآية 111).
وصدق الشاعر حين قال:
إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر
إذن.. تعالَوا بنا نعلن بكل قوة وبكل جرأة وبكل عزيمة وإصرار: لن يفلت الجاني ولا المحرِّض.
سنقولها عملاً قبل أن ننطق بها قولاً، ويقولون: متى هي؟"، ونقول: "عسى أن يكون قريبًا".
وختامًا، وبنص الدستور: الشرطة في خدمة الشعب، وعلى المتأفف الاستقالة.
--------
* المحامي والأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.