سري سمور

 

محاوري الفتحاوي الذي تجاوز الخمسين من عمره ويحمل درجة مدير عام في السلطة قال لي: "إذا كنت تستطيع العيش بدون أمريكا يلا تفضل ورينا شطارتك"، ومحاوري يصلي في المسجد والمسبحة دائمًا في يده!.

 

وأحد أترابه الفتحاويين ويحمل درجة مدير (C) ردَّ على امتعاضي واستنكاري من جولات دايتون في مدننا التي طهَّرتها دماء الشهداء، فجاء هذا القميء ليدنسها بالقول: "اسكت.. دايتون هو مَن يدفع لنا الرواتب"، وهذا أيضًا يصلي والمصحف دائمًا في جيبه!.

 

هذا المنطق يبدو أنه يسود بلا منافس عند البعض، وبالتأكيد هو سبب ما نعاني من انقسام وشقاق وتعطُّل أو تعثُّر لمسيرة الحوار؛ فالسلطة والرئاسة وحركة فتح يخشون من أمريكا، وتحديدًا من نفوذ أمريكا في مسألة الأموال والمساعدات وقدرة أمريكا على فرض الحصار، كما حدث فعلاً إبَّان الحكومة العاشرة وحكومة الوحدة الوطنية، بل إن حركة فتح فضَّلت تشكيل حكومة "غير فتحاوية" برئاسة سلام فياض من أجل ضمان وصول الأموال.

 

ورغم حديث عزام الأحمد رئيس كتلة فتح البرلمانية المتكرر عن تعديل وزاري في حكومة فياض فإن الحكومة بقيت على حالها؛ لأن كونداليزا رايس- كما ذكرت مصادر عدة- لا تريد حكومة فتحاوية، بل تريد الحكومة بشكلها الحالي، على أن تكون فتح هي المنفِّذ لسياساتها، وكلما كان هناك حديث عن تعديل وزاري جاءت تلميحات بوجود أزمة مالية!.

 

مع هذا المنطق يبدو أن القول- وهو قول حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- بأن الله تعالى هو الخالق وهو الرازق قول لا يجد قلوبًا مفتوحةً، بل قلوبًا ينطبق عليها قول الله تعالى: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات: 14).
فإذا كان مَن يُصلي ويقرأ القرآن يتحدث كما ذكرتُ في بداية المقال، فما حال البقية؟!

 

إن سبب تعرقل وتعثر الحوار الفلسطيني وسبب امتناع حركة فتح عن مجرد الجلوس وإجراء الاتصالات مع حركة حماس هو الخوف من انقطاع المال، سواء أكان مصدر هذا المال أمريكا أم أوروبا أم أي مصدر يتأثر بالضغط الأمريكي؛ هذا رغم التصريحات الصاخبة النافية لهذه الحقيقة وبأن هناك أسبابًا أخرى أكثر أهميةً.. كل هذا النفي ليس إلا تهربًا من حقيقة يدركها حتى أطفالنا وعجائزنا من رفح حتى جنين.

 

الأزمة المالية الأمريكية الأخيرة وما حدث في القوقاز قبل نحو شهرين، وبوادر انبعاث نظام دولي جديد لا تكون واشنطن قطبه الوحيد، ربما- ولنضع خطين أحمرين تحت كلمة "ربما"- يكون لها أثر إيجابي على أجواء الحوار الذي بدأ التحضير له في القاهرة.

 

أنا لا أقول إن القوى الدولية الصاعدة أو التي بدأت تستعيد عافيتها هي قوى مؤيدة لحقوق شعبنا أبدًا؛ فالتاريخ القريب والبعيد يحمل لنا جراحات وآلام ونكبات توافقت على التسبب بها قوى الشرق والغرب، ولكن لم يسبق أن وجدت قيادة غربية تضع "فيتو" على التواصل والحوار بين قوى شعبنا مثل القابع في البيت الأبيض حاليًّا هو وإدارته الموتورة.

 

أنا أزعم أن الرأي الغالب داخل حركة فتح مع الحوار والمصالحة، أو مع تخفيف التوتر والتصعيد الداخلي مع حماس على أضعف الإيمان، ولكن ما يمنع ذلك هو التلويح بقطع الأموال، بل إن قواعد وكوادر حركة فتح يهللون ويفرحون لكل مشكلة تقع فيها أمريكا ويتمنون هزيمتها، ولكنهم يتراجعون عند الاختبار الصعب، وهو المال طبعًا.

 

أنا أتحدث عن عموم الحركة، مع العلم أن هناك من كان يتمنَّى هزيمة حزب الله أمام الصهاينة، وبعضهم يحلمون باليوم الذي يقوم فيه الصهاينة والأمريكان بسحق وتدمير دمشق وطهران؛ ظنًّا منهم بأن حماس ستسقط من تلقاء نفسها حينذاك.

 

لا أتحدث عن هذه الشريحة المعطوبة، ولكن أتحدث بشكل عام، ولعل حديثي التالي مع بعض الكوادر الفتحاوية يلخص نمط التفكير.

 

فعندما كان الجيش الأمريكي يتكبَّد الخسائر في العراق من جرَّاء المقاومة لاحظت الفرح والارتياح على عموم الفتحاويين والترحيب بما يجري لمحتل الأمريكي، فبادرت أحد المتحمسين بالسؤال:

- أنت تؤيد المقاومة العراقية... جيد، ولكن لماذا لا تؤيد المقاومة الفلسطينية؟.

فارتبك الرجل قليلاً وأجاب بخجل واضح:

- أنا أؤيد المقاومة الفلسطينية ولكن ظروفنا تختلف!

- وظروف العراقيين تختلف أيضًا حسب منطقك.

- يا سري.. لا.. إحنا ظروفنا صعبة، وكل العالم بتآمر علينا.

وأسهب محاوري بالشرح عن تاريخ فتح ومعارك أيلول الأسود والاجتياح الصهيوني لبيروت... إلخ.

- طيب والعراقيين؟

- يعني العراقيين بلادهم محتلة!

- يعني بلادنا محررة؟!

- لا.. بس ظرف شعبنا صعب!

- شوف أخي.. هناك من العراقيين من يقول إنهم حُكموا 35 سنة من قِبل نظام شمولي تخللتها حرب مع إيران لسنوات، ثم حصار وحرب استنزاف والآن احتلال، وهم بحاجة لالتقاط الأنفاس وأخذ قسط من الراحة، كما أن احتلال العراق ليس إحلاليًّا اقتلاعيًّا؛ فما زال اسم العراق كما هو، أما فلسطين فقلبوها إلى "إسرائيل".

- لا مش مبرر.. لازم يقاوموا.

-يا سلام! يعني الفلوجة وديالى وبعقوبة يخرب بيتهم وإحنا نتفرج ع التلفزيون ونقول: حيّهم!.

 

هنا صارحني محاوري بأن الأمر يتعلق بالمال الأمريكي، وأن ما يقصده بالظروف هو الخوف من انقطاع المال الأمريكي ليس إلا!

 

الآن أمريكا تعيش أزمة، وإدارة بوش أزفت نهايتها، وإضافةً إلى الأزمة المالية في أمريكا هناك ملف أفغانستان المتفجر وملف العراق القابل للانفجار بشكلٍ مزلزلٍ ومدمر في أية لحظة، وعلى حركة فتح أن تتعامل وفق هذه الحقيقة، بل إن هناك تسريبات بأنهم يرغبون في محاورة حركة طالبان والملا محمد عمر بعد أن كانوا يطلبون رأسه ويسعون إلى استئصال نهجه، وأغلب الظن أن مغازلة حميد كرزاي لطالبان والملا عمر لن تفيده شيئًا؛ فأمامه خيار من اثنين: فإما أن تدخل قوات طالبان إلى كابول فتسقي كرزاي من نفس الكأس الذي أسقت منه نجيب الله في 27/9/1996م، وأنا شخصيًّا أتمنى له هذا المصير، وإما أن يكون قد حجز مكانًا في إحدى ناقلات جند أو مروحيات أسياده المندحرة.

 

بالنسبة لحماس فهي حركة لا يختلف منصفان أنها مرنة لأبعد حد، وتعرض الشراكة وتقاسم وتداول السلطة، ولكن أمريكا رغم كل ذلك تضع فيتو للحوار معها، فهل سيستمر هذا الفيتو برغم من التراجع الواضح لوضع أمريكا؟ وإلى متى ستظل حركة فتح أسيرة الموقف الضغط المالي الأمريكي؟!

 

ولقد كان للمال الأمريكي أسوأ الأثر على فتح كحركة؛ حيث دفع بمَن لم يتدرجوا بالسلم التنظيمي بشكل طبيعي وفق أصول الحركة إلى منطقة صنع القرار في الحركة، وبات البعض يطبِّل ويزمِّر لهم بأنهم مناضلون وعباقرة وغيرها من صفات المديح التي تنمُّ على النفاق، والكل يعلم أنهم لا يملكون إلا غطاءً ماليًّا أمريكيًّا ليس إلا، فخسرت فتح بسببهم الكثير ولا تزال، ومن ينفي هذه الحقيقة عليه أن يرجع إلى كلام هاني الحسن وحسام خضر وغيرهم من قيادات فتح.

 

وتُوِّج دور المال الأمريكي أو "المتأمرك" بزرع الخلاف والشقاق بين فتح وحماس، وإجهاض أية محاولة مصالحة وحوار، وتذكروا ما قاله "نمر حماد" بعيد اتفاق أو تفاهم صنعاء!

 

الدول العربية مكلفة وملزَمة بحل هذه المشكلة، ويجب على العرب أن يستغلوا الفرصة السانحة للتحرك ولو قليلاً، بعيدًا عن إملاءات واشنطن؛ فما دام العرب يرعون المصالحة ويقولون بأنهم "سئموا" من اختلاف الفلسطينيين فليقدموا المساعدة؛ فمبلغ مليارين أو ثلاثة مليارات دولار مبلغ يمكن أن يدفعه العرب بكل سهولة، وليضعوا أشد آليات الرقابة على الصرف.

 

أعلم أنني لو حدَّثت أي مواطن في الشارع بهذه الفكرة لضحك وسخر وهاج وماج ورمى العرب (النظام الرسمي) بما تيسَّر من شتائم وبألم قال: "العرب جزء من المشكلة، وأنت تريد منهم الحل وهم لا يملكون قرارهم؟!".

 

ولكن وبرغم إدراكي وضع العرب وضعفهم وخضوعهم لضغوط وشروط أمريكا لدرجة أنهم توقفوا عن الشجب والاستنكار الذي كنا ننتقدهم بسبب اكتفائهم به، ولكن هذا الحال في ظل الوضع الدولي الراهن والقادم ليس في صالحهم، ومَن يدري؛ فلعل أزمة المال الأمريكية تكون سببًا في انفراج الأزمة بين فتح وحماس!

--------

* قرية أم الشوف المدمَّرة- قضاء مدينة حيفا المحتلة.

حاليًّا: جنين- فلسطين المحتلة.

sari_sammour@yahoo.com

s_sammour@hotmail.com

sari_sammour@maktoob.com