أعادنا مسلسل ناصر الذي عُرض على الفضائيات في رمضان الفائت إلى قضية مهمة للغاية: مَن يكتب التاريخ؟ وهل من حق أي كاتب.. مجرد كاتب مثل يسري الجندي؛ أكاد أجزم أن المدونات تحفل بآلافٍ يستطيعون الإبداع أكثر منه بمراحل.. هل لمجرد أنه وغيره استطاع الوصول إلى صناعة الإعلام في عصرنا هذا أن يمسك قلمه ويكتب تاريخ مصر من وجهة نظره، وكأنه يرد على د. لميس جابر مؤلفة المسلسل الملك فاروق؟!!
لكن يسري الجندي- والذي أثبت أنه درويش في حب عبد الناصر ويبدو أنه أحد المستفيدين من قوانين الإصلاح الزراعي في عهد الانقلاب المُسمَّى ثورةً- حاول أن يُعيد علينا مراجعة مقرر التاريخ المزيَّف المنقوص الذي درسناه سنوات طوالاً، ونسى أو تناسى أنه يستطيع خداع كل الناس بعض الوقت أو بعض الناس كل الوقت، لكنه أبدًا لن يستطيع خداع كل الناس كل الوقت، فقدَّم لنا مسلسلاً باهتًا موضوعًا وإن كان جيدًا من ناحية الأداء إلى حدٍّ ما.
فأنا- بعكس الجندي وغيره- لن أحاول تزييف الواقع والوقائع بقدر الإمكان، وسأبذل قصارى جهدي من خلال منبري المتواضع هذا لأكون منصفًا.
جودة أداء الممثلين لا تنعكس فقط على جودة العمل أو مدى استمتاع الجمهور!، لكنها في عمل تأريخي مثل مسلسل ناصر أو غيره تذهب إلى أكثر من ذلك.. إنها تساهم في تكوين الموروث الثقافي للناس.. للأمة، أرشيف الفضائيات أصبح أرشيفًا للتاريخ، فلماذا ولمصلحة مَن نصرُّ على تزييف التاريخ؟!.
البكباشي (المقدم) جمال عبد الناصر حسين أحبه لأسباب موضوعية بحتة، وأكرهه لأسباب موضوعية بحتة.. أحبه لأنه كان وطنيًّا غيورًا، لديه أهداف نبيلة يسعى إلى تحقيقها بمنتهى السبل.. حمل روحه على كفه في حرب فلسطين وفي تنظيمه لحركة الضباط الأحرار.
وأكرهه لأنه أحيانًا بدأ يشعر بجنون العظمة؛ فنسب إلى نفسه كل وقائع الانقلاب العسكري، وأساء إلى الملك بشكلٍ فظيع، بل أساء إلى أسرة محمد علي بالكامل، متناسيًا أن محمد علي باشا هو باني نهضة مصر الحديثة، وهو أول مَن أعاد إليها عزتها بعد طول غياب.
وانظر مثلاً إلى هذا الرجل الفذ محمد علي باشا عندما أمر بجلد أحد قواد الجيش المصري وكان تركيًّا عندما شتم جنديًّا مصريًّا ونعته بالفلاح الذي أفسد الجيش، والنتيجة أن أصبح الجيش المصري أقوى جيش في العالم بأسره، وطرق أبواب الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية (دولة الرجل المريض) خلال سنوات قليلة؛ مما حدا بقائد الأسطول العثماني نفسه إلى تسليم أسطوله إلى قيادة الأسطول المصري بالإسكندرية.
وانظر إلى قائد عظيم آخر من قواد الجيش المصري على مدى تاريخه، والذين ألقتهم الثورة المباركة في سلة النسيان.. إبراهيم باشا ابن محمد علي الذي تُدرَّس أساليبه العسكرية في أرقى معاهد العالم العسكرية.
انظر إلى الخديوي إسماعيل الذي كان يخطط لتحويل القاهرة إلى قطعة من أوروبا، وأرسل العشرات في بعثات تعليمية للخارج بلا واسطة أو محسوبية، والنتيجة أن أصبح الناس يقيسون تقدم المدن في أواخر القرن التاسع عشر بمقياسٍ يسمى (القاهرة)؛ فكانوا يقولون على لندن وباريس أو أية مدينة أخرى إنها تشبه القاهرة
تخيلوا.. نعم تخيلوا، لكن صدقوا أن هذا حدث.
عبد الناصر كان ثوريًّا لكنه كان أحيانًا نرجسيًّا، فأمر بعزل الرئيس اللواء أ. ح محمد نجيب وتحديد إقامته أو بالأحرى اعتقاله في منطقة المرج بالقاهرة إلى أن تُوفِّي.
وتخيل أن أبناء اللواء محمد نجيب أول رئيس جمهورية مصري رغمًا عن أنف كتب تاريخنا ومناهجنا الدراسية المزيفة.. تخيل أن أبناءه لا يجدون شقةً يعيشون فيها، وأن أكبر أبنائه أو حفيده- على ما أذكر- ظهر في قناة (المحور) منذ شهور يتحدث عن المهانة التي يعيشون فيها وكيف أُغلقت في وجوههم الأبواب وتحوَّل إلى سائق تاكسي.. نعم سائق تاكسي!
وصدقوا ذلك.. عبد الناصر تحول من وطني غيور إلى عبد للسلطة والكرسي، فانقلب على الإخوان المسلمين وعلى محمد نجيب عندما أشاروا عليه بتسليم العيش لخبازه، وأن يعود الجيش إلى ثكناته بعد نجاح الانقلاب واتضاح الأمور، وأن يتولى الساسة أمور السياسة.. أن تعود السلطة مدنيةً، فهاج الرجل وماج؛ فهو في ريعان شبابه.
والثورة موجودة أصلاً في دماء الشباب، فكيف تدعو شابًّا في هذا العصر أو أي عصر إلى التنازل مختارًا طائعًا عن السلطة والجاه والجبروت، والتي من أجلها تُحاك مؤامرات البلاط ويقتل الأخ وولي العهد بعدما جاءوه خاضعين خانعين مطأطئي الرءوس، فقسموها بعد الإطاحة بالإخوان الحليف السابق وتشويه صورتهم وحظر جماعتهم، وباقي الضباط إلى مزابل التاريخ ماركة "صنع في عهد الثورة الميمونة"، ثم قسموا مصر فيما بينهم كأنها تركة أو إرث.
أحدهم تحول من صاغ (رائد) إلى مشير (وزير حربية) قائد أعلى للقوات المسلحة، والتي تحولت على يديه المباركتين إلى قوات "مشلحة"؛ حيث كان "التشليح" على أشده إلى أن تولَّى شارون وبن أليعاذر وموشيه دايان إكمال نزع ورقة التوت الأخيرة؛ فكانوا فعلاً يعرفون الضباط الأسرى من الجنود عن طريق الملابس الداخلية!.
نعم.. هكذا ببساطة بلا سابق معرفة أو دراية أو دراسة بفنون القيادة، حتى إنه لم يحصل على فرقة أركان الحرب.. تخيل، بل صدق؛ لأن هذا ما حدث.
لكنها التركة التي يجب تقسيمها وتولَّى كل واحد ما يشتهيه؛ منهم من نال المخابرات العامة، ومنهم مَن تولى باقي الوزارات.
وانظر إلى أدائهم جميعًا بعدما ملكوا مصر رغم تحفظي على الحكم الديكتاتوري؛ حيث إنه لا حرية.. لا حياة، إلا أنني أجد نفسي مضطرًا إلى الموافقة عليه مرغمًا ما دام سيحقق شيئًا من كرامة الوطن التي تنعكس إيجابًا على كرامة المواطن.
عبد الناصر وقف في وجه الأعداء، ومن خلفه الأمة.. عبد الناصر كانت لديه نوايا براقة لكن أين أدوات العمل؟! أين سيطرته على بلده؟!
يقول المثل المصري: "المركب اللي فيها ريسين.. تغرق"، وغرقت... هو مسئول مسئول مسئول؛ قدم للناس خطبًا رنانة وإصلاحًا زراعيًّا على طريقة أرسين لوبين اللص الظريف الذي يسرق من الأغنياء ليعطيَ الفقراء، لكن السرقة تبقى سرقة.
أحضر خبراء الصواريخ الألمان بعد انهيار ألمانيا في الحرب العالمية الثانية للعمل في صناعة الصواريخ المصرية والولوج في عصر الفضاء، لكنه لم يوفر لهم الحماية من الموساد الصهيوني الذين باشروا اصطياد العلماء واحدًا تلو الآخر، مرةً بالطرود المفخخة الناسفة من خارج مصر، وعندما تم حظر البريد الخارجي تحول الموساد إلى إرسال الطرود المتفجرة من داخل مصر، حتى إن أسر هؤلاء العلماء ما يزالون أسرى في الكيان الصهيوني بعد اختطافهم للضغط عليهم.
والمخابرات المصرية مشغولة بالتعذيب في الغلاية، وهي القسم الخلفي من فيلا صلاح نصر بالمريوطية؛ حيث كان يمارس أبشع أنواع التعذيب بحق الإخوان وغيرهم، وانظر إلى فيلم الكرنك أو الفيلم الممنوع من العرض في مصر "إحنا بتوع الأتوبيس"، أما في الجزء الأمامي من الفيلا فكان على النقيض من الغلاية.. كان صلاح نصر وبطانته من الفنانين الكبار، مثل س، ص، ن. أ، ر. أ، س. ح يمارسون- عفوًا -- حفلات الفسق الجماعي أو ما يسميه صلاح نصر نفسه: ليالي السمو الروحاني، كما جاء في كتاب اعترافات اعتماد خورشيد؛ تلك المرأة التي تزوَّجها صلاح نصر وهي حبلى في شهرها السابع، بل كان يعيش معها في منزلها بالطابق العلوي وهي على ذمة رجلٍ آخر هو المخرج أحمد خورشيد، ثم طلب من زوجها تطليقها رغم حملها وأشهده على عقد زواجه من زوجته في نفس اللحظة!!.
ذلك هو حال رئيس المخابرات الذي كان أحد الضباط الأشرار، أقصد الأحرار.
(للأمانة.. كان بعض هؤلاء الضباط في قمة النظافة والخوف من الله).
هذا الرجل (صلاح نصر) كان يستغل سلطاته أسوأ استغلال، فكان مثلاً يتفاخر أمام اعتماد خورشيد بأنه قادرٌ على تحريك ناصر من منزل إلى منزل، بل وحبسه لمدة أيام في منزله بحجة الحفاظ على أمن الرئيس والدواعي الأمنية، وكان يفعل ذلك فعلاً مرارًا لمجرد التباهي.
وانظر إلى أحد هؤلاء الضباط والذي تولى وزارة الداخلية.. حمزة البسيوني؛ أسوأ مَن تولى هذه الوزارة، وهو صاحب القول الشهير ردًّا على استغاثة أحد المعذَّبين بالله لينقذه من عذابه على أيدي الزبانية: "لو نزل ربنا بتاعك من السما هأحطه في زنزانة انفرادي"!! وأستغفر الله العظيم.. أستغفر الله العظيم.. أستغفر الله العظيم.
وانظر إلى كيفية موت حمزة البسيوني: اصطدمت سيارته من الأمام بسيارة نقل مُحمَّلة بحديد التسليح؛ حيث اخترقته أسياخ الحديد واضطروا إلى تقطيع جسده قطعة قطعة لتخليصه!.. تخيل، بل صدق.
وشر البلية ما يضحك يا يسري يا جندي؛ فقد ذهب الصاغ عامر إلى صحراء مصر الغربية للاطلاع على تفاصيل سير العمل بالقاعدة الفضائية المصرية والتقاط الصور بجانب الصواريخ الظافر، القاهر، والناصر، والتي قالوا بعد النكسة إنها صواريخ من خشب!!
وصحيح.. أين ذهبت هذه الصواريخ الخشبية؟! أظن أن سكان مقابر البساتين وترب الغفير وحتى "بتوع الدويقة" استخدموها في طهي الطعام بنظام الكانون.. صدق، ولماذا لا نصدق؟!
لقد بدأ ناصر النهضة النووية؛ فالرجل- كما قلنا- لديه آمال عريضة وتطلعات واسعة؛ فعندما بدأ العدو الصهيوني مشاريعه النووية التي رافقت إعلان دولته عام 1948م، بل قبل ذلك 1947م.
تم التفكير في مصر في نفس الأهداف من باب ساير عدوك، وقالوا إن هناك 3 دول بدأت التفكير في النووي في مدة واحدة مصر، الهند، والعدو الصهيوني.
وانظر الآن إلى الهند والكيان الملعون، وانظر إلى مصر التي ما زالت تبحث عن "حتة" أرض تصلح لإنشاء مفاعل نووي سلمي.. أكرر: سلمي!، بعد التخلص من منطقتي أنشاص الضبعة التي أنفقت عليها عشرات الملايين في دراسات وأبحاث أثبتت صلاحيتها لهذه المشاريع، ولكن لطمأنة الصهاينة على الآخر تم تحويل الضبعة إلى محمية أثرية، وكتبوا عليها ممنوع اقتراب أي مشاريع للطاقة النووية!!.
تمامًا مثلما فعل نفس الوزير فاروق حسنى الذي أصدر قرارًا بضم أبو حصيرة الذي يبعد عني هنا بضع كيلومترات إلى وزارة الثقافة باعتباره منطقة أثرية؛ حتى يستطيع أحفاد القردة إكمال مراسم العربدة في منطقة مسمار جحا، "وكله يهون علشان عيون اليونيسكو".. تخيل وصدق، يجب أن تصدق.
تخيل أن يتم محو تاريخ الإخوان بل وتزييفه، وأنا لستُ إخوانيًّا، بل كنت مرشحًا ضدهم في انتخابات مجلس الشعب 2005م؛ حيث لم يذكر يسري بك الجندي دور الإخوان في تحرير القدس الغربية لمدة 48 ساعةً على يد كتائب الإخوان وتعيين البطل أحمد العسكري حاكمًا لها، ودور الإخوان في كسر حصار عبد الناصر الذي اضطر إلى شرب بوله كما أخبرني أبي أثناء حصاره في الفالوجا!.
وأيضًا دور الإخوان الرائع في حروب الفدائيين 1951م، واقرأ لفنون تخطيط الأعمال الفدائية للمرحوم الأستاذ كامل الشريف، وهو الدور الذي أنكره يسري الجندي تمامًا، بل قال إن الإخوان رفضوا المشاركة في قتال الإنجليز!!.
أي زيف وأي بهتان هذا؟! أين ذهب المشروع النووي؟! أين ذهب المشروع الفضائي؟! أين ذهبت الأراضي المستصلحة في مديرية التحرير؟! ماذا فعلت قوانين الإصلاح الزراعي بالزراعة المصرية؟! أين ذهبت القلاع الصناعية التي بناها طلعت باشا حرب؟! أين ذهبت قوة الجنيه المصري؟!.
قبل الثورة كانت مصر تدين بريطانيا الدولة التي تحتلنا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس بمبلغ 55 مليون جنيه مصري.. أين مبادئ الثورة؟!.
وأخيرًا وليس آخرًا..
يقول الله عز وجل في حديث قدسي "لأن تهدم الكعبة حجرًا حجرًا خير عند الله من أن يُهراق- يراق- دم مسلم"، ونحن فقدنا 125 ألف مصري في 1967 وحدها، حتى إن الذئاب والصقور والجوارح التي تعيش على لحم الجيف تكاثرت بشكلٍ لم يسبق له مثيل، بعد أن كانت على وشك الانقراض.
قُتل من قُتل، وعُذِّب من عُذِّب حتى الموت، ودُفن من دُفن حيًّا، وقُتل من قُتل بالقصف المباشر للطائرات، ومات من مات أثناء تسخيرهم في بناء خط بارليف، ومات مَن مات عطشًا، ناهيك عن الأسرى والمفقودين، ومنهم من أقيمت عليه مسابقات الرماية كأهدافٍ من مجندات- أقصد عاهرات- الجيش الصهيوني، وما تزال العظام تخرج بين الحين والآخر من تحت رمال سيناء تصرخ إلى الله: دمي في رقبتك يا ناصر.. في رقبتك يا ناصر.
---------
* دمنهور- مصر- asdmsr73@yahoo.com