عجيبٌ أمر الكثير ممن يمتهن مهنة الصحافة أو الإعلام؛ تجدهم يختارون الطريق السهل في الوقوف مع النظام والحكومة، وعند محاولته أن يجمِّل صورته، ومن يعارض يختار الجانب الوهمي في مواضيع لا قيمةَ لها ولا أهمية أو يتناولها بطريقة سطحية غير مؤثرة.

 

تجد مثلاً موضوعًا مثل سقوط العمارات الذي أصبح ظاهرةً مصريةً بامتياز؛ يقوم الصحفي أو الإعلامي من هؤلاء في صحيفته أو في البرنامج الحواري الذي يشارك فيه بشنِّ حملة شعواء على فساد المحليات، وكلام كثير وكبير دون الدخول في سبب المشكلة ودون توضيح الحقيقة مجردةً، ودون الالتزام بأمانة الكلمة وبيان أن السبب الرئيسي لانهيار العمارات في مصر ليست المحليات، ولكنه نتيجة فساد نظام بالكامل يسيِّر أموره عن طريق التزوير والرشاوى والفساد، وفي اختيار شخوصه ورموزه؛ بدءًا من الخفير في القرى، انتهاءً بأعضاء لجنة السياسات!.

 

الأيامَ الماضيةَ عشتُ تجربةً مؤلمةً في التعامل مع رجال الصحافة والإعلام في مصر؛ فلقد عاصرت ثلاث حالات في المركز الحقوقي الذي أعمل به، وهي حالة إغلاق مدرسة الجزيرة وتشريد 950 تلميذًا (لا يزالون بلا مدرسة ويُمارَس عليهم ابتزاز رخيص من الإدارة التعليمية للتحويل إلى مدارس أخرى وترك مدرستهم في طي النسيان)، والحالة الثانية هي تعامل قوات الأمن مع وقفةٍ احتجاجيةٍ سلميةٍ لتلاميذ وأولياء الأمور مدرسة الجزيرة، وهو تعامل فاق الخيال في قسوته وهمجيته من ضرب ولي أمر تلميذة يُدعى (حمادة عبد اللطيف) بالأحذية في عنقه وتكسير عموده الفقري وإصابته بشللٍ رباعي مدى الحياة، ناهيك عن ضرب الأمهات "بالشلاليت"، ولأول مرة ضرب الأطفال دون 8 سنوات وترويعهم!!.

 

والحالة الثالثة هي حالة المواطن خليل إبراهيم خليل، والذي قام ضابطا شرطة من قسم سيدي جابر باقتحام منزله مع مجموعةٍ من البلطجية وحرقه وكسر قدميه وسحله أمام أهل الشارع مع تحطيم وحرق أثاث بيته "فوق البيعة"!!.

 

كل هذه الحالات موثَّقة ويوجد لها شهود يتعدون 50 شاهدًا في كل حالة، وهناك فيديوهات وصور توثِّق ما حدث موجودة على موقعنا لمَن يريد التأكد والاطلاع.

 

المذهل في الأمر أننا طيَّرنا هذه الشهادات والمستندات والصور والفيديوهات للعالم كله:

منظمات حقوقية، صحف، فضائيات، كتَّاب، مثقفين ونخبًا، خلاف أن هذه الحالات الثلاثة ظلت مادةً خصبةً للنشر 10 أيام متتالية في جميع الصحف المستقلة ومواقع الإنترنت.

 

المتوقع أن يهبَّ الشرفاء من رجال الإعلام والصحافة لنجدة المظلومين والمقهورين من أبناء الوطن، ولو تركنا حالة حمادة عبد اللطيف وخليل إبراهيم وقلنا حالات فردية لا تستحق الاهتمام وهناك مواضيع أهم منها!! نسأل: أين تناوُل تشريد 950 تلميذًا؟! وأعتقد أنها مشكلة تخص 1000 أسرة جديرة بالاهتمام،خصوصًا لو عرفنا أن للسفارة الأمريكية دخلاً في غلق المدرسة، وهو أمرٌ يطعن وطنيتنا وكرامتنا ويعود بنا إلى عصر المندوب السامي، لكن للأسف.. لعنة الله على الحرص الذي أذل أعناق الإعلاميين والصحفيين.

 

لم يتعرض لهذه المساخر سوى عدد قليل جدًّا من الصحفيين والكُتَّاب؛ على رأسهم الكاتب الكبير فهمي هويدي، وكان رد فعل برامج (التوك شو) بالنسبة لنا صدمةً بعد أن تحدثنا معهم جميعًا.. تسويف ولا مبالاة، ولم يهتم ويتحرك معنا إلا برنامج (الـ10 مساءً)، والذي أرسل فريقًا من القاهرة مرتين: الأولى لعمل تحقيق في موضوع المدرسة وموضوع حمادة عبد اللطيف، وتم لقاء العشرات من أولياء الأمور، بل والتسجيل مع حمادة عبد اللطيف بالمستشفى وتصوير المدرسة وهي محاطة بعشرات الجنود وسيارات الأمن المركزي رغم صدور حكمٍ قضائي نافذ بفتحها، وانتظرنا يومًا بعد يوم وجاء لنا الرد "تدخلت جهات سيادية وألغت إذاعة التقرير".

 

بكل أمانة لم نغضب من برنامج (الـ10 مساءً)؛ فشرف المحاولة يكفيه، ولكنني شعرتُ والله بالغربة في بلدي.. ماذا نفعل؟!

تم اعتقال الضحيتين حمادة عبد اللطيف وخليل إبراهيم ومعهم مدير مدارس الجزيرة ليتم "الطرمخة" على الموضوع، والجناة يمرحون ويعبثون، وإعلامنا وصحافتنا تخلَّت عنا.
صرختُ من أعماقي: مَن يُنصف الضحايا والمظلومين في بلادنا لو تخلَّت عنهم السلطة الرابعة التي نعوِّل عليها في فضح الظلم والظالمين.

 

جلستُ مكتئبًا حزينًا وأنا أشاهد برامج (التوك شو) وهي تعبث وتلعب في عقولنا في مواضيع تم اختيارها بعناية.. كلام وإثارة وحركات دون مضمون ودون نتيجة، حتى الصحف المستقلة تفاعلت معنا في نشر الخبر وفقط دون تعرض أحدٍ من كُتَّابها الذين يدَّعون النضال وهو منهم براء لما يحدث.

 

صرختُ: هناك ضحايا مظلومون مقهورون، وفوق ذلك معتقلون، وهناك 950 تلميذًا في الشارع، وأنتم تحدثوننا عن الفنان الفلاني ومشكلة صرف صحي في المكان العلاني؟!!، وتتعدد المواضيع وتضيع الحقيقة في بلادي.. فمَن يحملها ويرفعها وينشرها وله الجنة؟!.

-----------

* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان- haythamabokhalil@hotmail.com