يبدو موقف السياسة الخارجية المصرية في صورة مَن فَقَد القدرة على الحركة والمناورة، ومَن فَقَد الدور والوضع والتأثير.
وفي إقليم مليء بالأحداث المتغيرة والمتتالية، ومليء بالصراعات والمواجهات، يُفتَرض أن يكون لكل دولة دورها بحسب حجمها وموقعها وطبيعتها، ولكن هذا لا يحدث بالنسبة للنظام المصري، وبالتالي نجد مصر الدولةَ ونظامَ الحكم غائبةً أكثر من كونها حاضِرةً، ذاك الغياب الذي جعل الإقليم يتحرك في اتجاهات متغيرة لا دور لمصر فيها، ولا مكان لها بها.
ولكن دور مصر التاريخي المحوري يفترض لها موقعًا مختلفًا؛ فهي تكاد تكون في قلب الأحداث، وفي خط المواجهة مع كل المشكلات، كما أنها تتأثر بكل ما يجري حولها؛ لأنها في قلب الإقليم العربي الإسلامي.
ومستقبل مصر مرتبط بكل ما يحدث حولها، وفي محيطها العربي الإسلامي، كما أن مستقبل مصر يرتبط أساسًا بالمواجهات الأساسية التي تحدث في المنطقة، خاصةً المواجهة العربية الإسلامية مع المشاريع الأمريكية الصهيونية.
صحيحٌ أن النظام المصري متحالفٌ مع المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة ومرتبطٌ به ارتباطًا شديدًا، ولكن هذا ليس تفسيرًا كافيًا لما يحدث من النظام المصري في سياسته الخارجية؛ لأن ارتباط النظام المصري بتحالفٍ مع الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال الصهيوني لا يفرض عليه أن يكون بلا دور أو تأثير، بل يفرض عليه في الواقع أن يكون له دور إيجابي في اتجاه تحقيق السياسة الأمريكية الصهيونية في المنطقة، بما يعني أن يكون للنظام المصري دور في حل المشكلات والصراعات الحادثة في مختلف بلاد المنطقة، والتي تهدد الاستقرار بصورةٍ تضرُّ بكل الأطراف.
والأطراف الأخرى المتحالِفة مع الحلف الأمريكي تقوم بأدوار أكبر مما تقوم به مصر، وقَطَر مثال على ذلك، وأيضًا تركيا، والتي يمثل الدعم الأمريكي لها حمايةً لحزب العدالة والتنمية في مواجهة خصومه، ولا يُفهَم في الواقع أن يكون التحالف مع طرف يعني التأييد الكامل لكل ما يفعله، والموافقة على كل خططه وسياساته، ولا توجد تبعية كاملة بهذا الشكل، كما أن التأييد لمشروع التسوية الأمريكي الصهيوني يعني القدرة على القيام بدورٍ فاعلٍ من أجل تمرير هذا المشروع.
ولكن النظام المصري لم يَعُدْ قادرًا على القيام بأي دور، ويبدو أنه أصيب بحالة شلل كامل في السياسة الخارجية، تتوافق مع حالة شلل كامل في السياسة الداخلية، لدرجةٍ فتحت الباب واسعًا أمام قوى إقليمية أخرى لتقوم بأدوارٍ متميزةٍ ومؤثرةٍ، ومنها القوى المناوئة للمشروع الأمريكي، ومنها أيضًا القوى المؤيدة له.
ورأينا في السنوات والشهور الماضية كيف يتعاظم الدور التركي والإيراني والسوري والقطري في المنطقة بدون ظهور الدور المصري، وأيضًا مع تراجع في الدور الأردني، وبدرجةٍ ما في الدور السعودي.
وتلك صورةٌ في الواقع تؤكد حدوث نوع من إحلال القوى في المنطقة، يجعل القوى الأكثر تأثيرًا تتراجع لصالح قوى جديدة، تقوم بأدوار تكون أحيانًا أكبر من حجمها، وأحيانًا أخرى تكون مفاجئة.
ورغم هذه الحالة المتراجعة للدور المصري إلا أن مصر أمامها فرصة غير متاحة للأطراف الأخرى؛ فهي ما زالت دولةً من الدول المحيطة بالكيان الصهيوني، والذي يمثِّل قلب مشكلات العالم، ولها حدود مع فلسطين المحتلة، وبجانب كل هذا نجد أن مصر هي الدولة الوحيدة التي ترتبط بحدود مع قطاع غزة، والذي تحده مصر من الغرب، وقوات الاحتلال الصهيوني من الشرق.
وقطاع غزة تحوَّل بفعل العديد من العوامل إلى مركز فعلي ورمزي للعديد من الصراعات؛ سواء بين الفصائل الفلسطينية أو بينها وبين الاحتلال الصهيوني.
وبعد فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية في عام 2006م تحوَّل قطاع غزة إلى بؤرة المواجهة بين الكيان الصهيوني وحركة حماس، خاصةً بسبب انسحاب الصهاينة منه، ذلك الانسحاب الذي سُمِّي أحادي الجانب، وأصبح قطاع غزة مركزًا للمقاومة الفلسطينية، خاصةً من قِبل حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
وعندما بدأت خطة تصفية حركة حماس وكوادرها العسكرية، واضطرت الحركة إلى حسم الوضع في قطاع عزة عسكريًّا، وبهذا سيطرت الحكومة الشرعية على القطاع، واستطاعت مواجهة القوى الأمنية التي تآمرت عليها، أصبحت حركة حماس هي المسيطرة فعليًّا على القطاع بوصفها الحكومة المنتخَبة وبحكم الأمر الواقع معًا.
وهنا ظهرت العديد من المحاور؛ منها الخلاف الفلسطيني بين حركتَي فتح وحماس، وأيضًا الحصار الصهيوني الظالم لقطاع غزة، والذي يُراد منه الضغط على حركة حماس للتنازل عن دورها السياسي، وتسليم القطاع لرئاسة السلطة الوطنية، وأضيف إلى هذا العمل العسكري النوعي الذي قامت به حركة حماس وأدى إلى أسر الجندي الصهيوني؛ مما فتح ملفًّا جديدًا بين الكيان الصهيوني وحركة حماس.
ثم بدأت سلسلة المواجهات العسكرية بين الاحتلال الصهيوني وحركة حماس وحركات المقاومة الأخرى، والتي تمثَّلت في عمليات اجتياح للقطاع من قِبل الكيان الصهيوني، وإطلاق الصواريخ محلية الصنع من قِبل حركة حماس وحركات المقاومة، وظهر هنا ملفٌّ جديد، وهو ملفُّ التهدئة بين حركة حماس والكيان الصهيوني، بجانب ملفِّ الجندي الأسير وملفِّ التوافق بين الفصائل الفلسطينية، خاصةً حركتي فتح وحماس.
في هذه الأجواء نجد أن حركة حماس تُصرُّ على الدور المحوري لمصر، وتسلمها جميع الملفات، وتطلب منها التوسط بين الفصائل الفلسطينية، كما تسلمها ملف الجندي الأسير، وتجعلها المفاوض الرئيسي في هذا الملف، بجانب ملف التهدئة وفك الحصار على قطاع غزة.
ومصر تملك في يدها مفتاحًا مهمًّا، وهو معبر رفح، وبيدها أن تفتح المعبر أو تغلقه، وبهذا تملك مصر ورقةً إضافيةً تستطيع بها تحويل مجرى المفاوضات، أو الضغط على هذا الطرف أو ذاك، ولكن موقف النظام المصري في هذه الملفات جميعًا يدعو إلى الحيرة؛ فهو ليس فقط موقفًا منحازًا للطرف الصهيوني، ولمواقف الإدارة الأمريكية، ولكنه موقف منحاز أيضًا لطرف فلسطيني، وهو حركة فتح، ضد طرف آخر، وهو حركة حماس، ويُضاف إلى هذا أن النظام المصري أصبح يمارس ضغطًا على حركة حماس، وعلى سكان قطاع غزة، ويشترك فعلاً في حصار قطاع غزة؛ مما جعله شريكًا أساسيًّا لما يحدث من حصارٍ لقطاع غزة، وهكذا لم يعد الطرف المصري محايدًا أو موضوعيًّا أو حكَمًا، بل أصبح طرفًا في الصراع، ولم يستطع تحقيق أي إنجاز على مستوى ملف التهدئة والحصار، أو ملف الجندي الأسير، أو ملف الخلاف الفلسطيني.
والغريب أن حركة حماس وبعد هذا التعنت المصري تعرف أن دور مصر البلد والشعب والتاريخ محوري وأساسي، وما زالت تعطي مصر الدور الرئيسي في كل هذه الملفات، وهذا ليس خوفًا من النظام المصري؛ فهو لن يقتحم قطاع عزة، ولن يفعل أكثر مما يحدث الآن، وهو المشاركة في حصار القطاع.
تلك الصورة تؤكد أن الأمر يتجاوز مسألة دخول النظام المصري في الحلف الأمريكي الصهيوني؛ فهو لم يَعُدْ قادرًا على تحقيق المصالح الأساسية لنفسه، والتي تتمثل في أهمية قيام مصر بدور قيادي في المنطقة لحماية مصالحها العليا، كما أن النظام المصري بهذه الصورة المتراجعة لم يعد مفيدًا أو مهمًّا لأمريكا أو الكيان الصهيوني، وهناك دول أخرى سوف تصبح أكثر أهميةً، وهذا ما يضع علامة استفهام على موقف النظام المصري، والذي لم يَعُدْ قادرًا على تحقيق توازن بين علاقته بأمريكا والكيان الصهيوني وبين مصالح مصر العليا، ولا أن يقيم توازنًا بين التوافق مع سياسة أمريكا في المنطقة والقيام بدور مركزي يعزز موقف مصر وأمنها في محيطها.
والغالب أن ما حدث للنظام المصري أنه استُهلك في علمية التسوية والتحالف مع النظام الأمريكي، حتى أصبح وجهًا مكشوفًا أو محروقًا، ولم يعد يمثل واجهةً مناسبةً للمشروع الأمريكي الصهيوني، وبهذا انتهى دوره وأصبح التخلص منه مسألة وقت، واتجه الحلف الأمريكي إلى البحث عن وجوه جديدة قادرة على المناورة، ويبدو أن النظام المصري يدرك أنه لم يَعُدْ الجواد الرابح لأمريكا، وأنه أصبح مثل خيل الحكومة التي تُعدَم بعد انتهاء دورها، ولهذا نجد النظام يتقلص ويتراجع تلقائيًّا، ويقلِّل دوره ويتوارى، وكأنه يخشى لحظة خلاص السيد الأمريكي منه.